
صُدم الجزائريون بارتفاع وصفوه بالخيالي في أسعار بعض الفواكه، سواء المحلية رغم أنها في موسم الجني، أو المستوردة، ما دفع العديد من تجار التجزئة إلى الإحجام عن اقتنائها، بعدما تراجع الإقبال عليها بسبب أسعارها المرتفعة.
ولوحظ ذلك خصوصاً مع الموز المستورد، الذي قاربت أسعاره ألف دينار للكيلوغرام في العديد من أسواق الجملة، إضافة إلى فاكهتَي التين والإجاص المحليتَين، مقابل انخفاض نسبي في التفاح بأنواعه وتراجع ملحوظ في البطيخ الأحمر (الدلاع). وإذا كان ارتفاع أسعار فاكهة مستوردة مثل الموز، القادم أساساً من دول أميركا اللاتينية، قد يبدو مفهوماً بالنظر إلى تكاليف الاستيراد والنقل، فإن الأمر يثير الكثير من الاستغراب بالنسبة إلى بعض الفواكه المحلية المنتجة على نطاق واسع في عدد من ولايات الجزائر.
1000 دينار للموز بالأسواق
في هذا السياق، يقول تاجر تجزئة يبيع الفواكه في سوق الحميز اليومي للخضر والفواكه، شرقي الجزائر العاصمة، محمد، إنه توقف منذ عدة أسابيع عن شراء الموز من سوق الجملة بالكاليتوس، جنوبي العاصمة، بسبب أسعاره المرتفعة.
وأوضح التاجر الذي فضل عدم ذكر اسمه كاملاً لـ "العربي الجديد" أن سعر الكيلوغرام من الموز في سوق الجملة بالكاليتوس يتراوح، منذ نحو ستة أسابيع، بين 600 و900 دينار (4.54-6.81 دولارات)، مضيفاً: "صرت في كل مرة أتوجه فيها إلى سوق الجملة أجد الأسعار مرتفعة. بهذا السعر، كيف يمكنني بيعه للمستهلك؟ أفضل الانتظار إلى حين تراجع الأسعار. لقد أصبحنا نشعر بحرج كبير أمام الزبائن بسبب أسعار الموز التي فاقت ألف دينار لدينا في محلات التجزئة (7.57 دولارات)، ولذلك فضلت عدم شرائه وعرضه".
وفي السياق ذاته، تشير صفحة سوق الجملة للخضر والفواكه ببلدية بوقرة، في ولاية البليدة، وهو أحد أكبر أسواق الجملة في الجزائر، إلى أنّ أسعار الإجاص، بتاريخ 29 يوليو/ تموز الماضي، تراوحت بين 480 و500 دينار للكيلوغرام بالنسبة للأصناف المتوسطة، فيما بلغت 650 ديناراً للأصناف الفاخرة، رغم أنه منتج محلي بنسبة 100%، علماً أن الدولار يساوي 132 ديناراً في سوق الصرف الرسمي لدى البنوك.
أما علامات الاستفهام الأكبر فطرحتها أسعار التين المحلي، إذ بلغ سعر بعض أنواعه، مثل صنف البجاوي نسبة إلى ولاية بجاية بمنطقة القبائل المعروف أيضاً باسم عنق الحمام، ذي اللون الأسود، الذي بلغ نحو 1100 دينار للكيلوغرام في سوق الجملة، بينما وصل سعر الأصناف الأخرى، مثل التين الأبيض، إلى 600 دينار للكيلوغرام.
تراجع أسعار التفاح والبطيخ
الملاحظ خلال الموسم الحالي هو التراجع النسبي في أسعار التفاح المحلي مقارنة بالسنوات الماضية، خصوصاً في ظل الاستثمارات الكبرى التي شهدتها ولايات الأوراس شرقي البلاد في مجال غراسة التفاح، إلى جانب الإجراءات التي اتخذتها السلطات لضبط سوق هذا المنتج.
ويتراوح سعر الكيلوغرام حالياً، في أسواق الجملة، بين 300 و450 ديناراً بالنسبة للأصناف الفاخرة، بعدما كان يصل قبل سنوات إلى نحو ألف دينار للكيلوغرام.
أما البطيخ الأحمر، المعروف محلياً باسم الدلاع، فقد عادت أسعاره إلى مستوياتها الطبيعية بعد فترة من الكساد والانخفاض الحاد الذي شهدته قبل أسابيع عدّة، إثر شائعات مجهولة المصدر جرى تداولها على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، زعمت تسبّبه في حالات تسمم.
ويتراوح سعر الكيلوغرام حالياً بين 50 و100 دينار، بحسب النوعية والمنطقة التي زرع فيها، بعد أن استعادت السوق توازنها، خصوصاً عقب تطمينات السلطات ونشر نتائج التحاليل المخبرية التي أكدت سلامة هذه الفاكهة وصلاحيتها للاستهلاك.
ويفسر رئيس الاتحاد الوطني لحماية المستهلك، (مستقل)، محفوظ حرزلي، الارتفاع الكبير في أسعار بعض الفواكه المستوردة والمحلية بخصوصية السوق الوطنية، إذ تتداخل عوامل اقتصادية وتنظيمية وتجارية.
استيراد الفواكه
ويقول حرزلي لـ "العربي الجديد" إنه بالنسبة إلى الموز، فإنه من الناحية النظرية يعد من أكثر الفواكه التي يمكن تتبع أسعارها عالمياً، لكونه يخضع لأسعار مرجعية معروفة في الأسواق الدولية، غير أن سعره في الجزائر لا يرتبط مباشرة بالسعر العالمي، وإنما يتأثر أيضاً بسياسات الاستيراد والكميات المسموح بدخولها إلى السوق، وتكاليف النقل البحري والتخزين والتوزيع وسعر صرف الدينار وعدد المتعاملين في الاستيراد ومدى المنافسة بينهم، إضافة إلى هوامش الربح على مستوى الاستيراد والجملة والتجزئة.
ويضيف أنه إذا كانت الأسعار العالمية مستقرة، في الوقت الذي يشهد فيه السوق الوطني ارتفاعاً كبيراً، فإنّ ذلك يستدعي دراسة وضعية السوق المحلية، خاصة من حيث وفرة الكميات المطروحة ومستوى المنافسة واحترام هوامش الربح، ومدى وجود ممارسات مضاربة أو احتكار.
أما بالنسبة إلى الفواكه المحلية، مثل التين من صنف عنق الحمام والإجاص، فيوضح حرزلي أن ارتفاع أسعارها قد يكون ناتجاً عن عوامل مجتمعة عدّة، منها تراجع الإنتاج في بعض المناطق بسبب موجات الحر ونقص الموارد المائية والظروف المناخية التي أثرت على المحاصيل، إلى جانب ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي، بما في ذلك السقي والأسمدة والأدوية واليد العاملة والنقل، فضلاً عن محدودية إنتاج بعض الأصناف ذات الجودة العالية، ما يجعل الطلب عليها يفوق العرض في بداية الموسم.
ويؤكد أنه، في المقابل، لا يمكن استبعاد دور حلقات التوزيع، موضحاً أنه في الجزائر تمرّ بعض المنتجات عبر عدة وسطاء بين الفلاح وسوق الجملة ثم أسواق التجزئة، إذ يضيف كل متدخل هامش ربح، وهو ما يرفع السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك.
ويخلص إلى أنه، بصفة عامة، لا يمكن الجزم بأنّ سبب ارتفاع الأسعار هو قلة المعروض أو المضاربة فحسب، بل إنّ هذا الارتفاع يكون، في الغالب، نتيجة تداخل عوامل عدّة، مؤكداً أن دور مصالح الرقابة يبقى أساسياً في التحقق من وجود أي ممارسات تجارية غير مشروعة قد تسهم في تضخيم الأسعار.