Akhbar Alsabah اخبار الصباح

البطالة أكبر عنوان انتخابي في المغرب

البطالة في المغرب تصدرت مواجهة معضلة البطالة البرامج والوعود الانتخابية التي أطلقتها الأحزاب المغربية، سواء تلك التي شاركت في تشكيل الحكومة المنتهية ولايتها أو أحزاب المعارضة، قبل الانتخابات التشريعية التي تشهدها المملكة في 23 سبتمبر/ أيلول الجاري.
ويعتبر ملف البطالة في المغرب من أكثر الملفات حساسية في المرحلة السياسية المقبلة، متقدماً على باقي القضايا التي هيمنت خلال الانتخابات السابقة على النقاش العمومي، بالنظر إلى أن الرهان لا يرتبط بالاقتصاد وحده، بل يمتد إلى الثقة في المؤسسات، والقدرة على تنفيذ الوعود الانتخابية، وتحقيق إدماج فعلي للشباب في الدورة الاقتصادية.

واستعداداً للانتخابات المقبلة، تسابقت الأحزاب المغربية، خلال الأيام الماضية، إلى تقديم وصفاتها وأجوبتها عن كيفية خلق فرص الشغل، وتحولت البطالة إلى أكبر عنوان انتخابي، في وقت تكشف فيه أحدث المعطيات الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط (حكومية) والمنشورة في أغسطس/ آب الماضي، أن معدل البطالة بالمعنى الضيق بلغ خلال الربع الثاني من العام الجاري 9.5%، أي ما يعادل نحو 1.121 مليون عاطل من العمل، إلى جانب 711 ألف شخص ضمن "القوة العاملة المحتملة" و527 ألف شخص في وضعية شغل ناقص.
وتزداد الصورة تعقيداً عند العودة إلى تطور سوق الشغل خلال السنوات الأخيرة؛ فعدد العاطلين، الذي كان يدور حول مليون شخص في عامي 2018 و2019، تجاوز 1.5 مليون منذ عام 2022، وبلغ 1.647 مليون في نهاية عام 2025، في الوقت الذي تراجع فيه معدل النشاط من حوالي 46% إلى مستويات تتراوح بين 42 و44%، وانخفض معدل التشغيل من أكثر من 41% قبل جائحة كورونا إلى نحو 37-38% خلال عامي 2024 و2025. وفي المقابل، تعتبر أكثر من 30% من الشركات المغربية الرسمية أن ضعف مؤهلات اليد العاملة يشكل عائقاً رئيسياً أمام نشاطها.

تركيز الأحزاب على القدرة الشرائية والبطالة
ولمواجهة هذا الواقع، كان لافتاً تركيز الأحزاب المغربية على برامج انتخابية تحاول تقديم تشخيص للوضع المغربي ومقترحات تقول إنها تستهدف استعادة الثقة في المؤسسات، وتحسين القدرة الشرائية، ومواجهة البطالة، مع وعود بخفض معدلها إلى مستويات مقبولة في الخمسة أعوام المقبلة.

وفي هذا السياق، تعهد حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي يقود الائتلاف الحكومي الحالي، بإحداث مليون منصب شغل عبر تعبئة مختلف القطاعات الاقتصادية الحيوية، وخفض معدل البطالة عبر المشاريع والأنشطة المرتبطة بتنظيم كأس العالم وذلك بوتيرة 100 ألف منصب سنوياً، والسياحة 100 ألف، والفلاحة والعالم القروي 150 ألفا، والصناعة 300 ألف، والصناعة التقليدية والخدمات 100 ألف، والرقمنة 250 ألفاً.
وفي الوقت الذي يراهن فيه الحزب على خفض معدل البطالة من 10.8% إلى 9% عبر تعبئة 15 مليار درهم (نحو 1.53 مليار دولار أميركي)، وتعزيز معدل الاستثمار إلى 33% من الناتج الداخلي الخام خلال الفترة 2026-2031، وعد حزب الأصالة والمعاصرة، ثاني حزب في الائتلاف الحكومي الحالي، بإحداث ما لا يقل عن 200 ألف منصب شغل صافٍ سنوياً، وصولاً إلى مليون منصب خلال خمس سنوات، موزعة بين الصناعة والخدمات والرياضة والفرص المرتبطة بكأس العالم 2030، إلى جانب برامج خاصة لإدماج الشباب في سوق الشغل. ويطرح الحزب، في المقابل، هدفاً جديداً يقضي بخفض معدل البطالة من 10.8% إلى 7% سنة 2031، بالتوازي مع رفع معدل النشاط الاقتصادي للنساء من 17.5% سنة 2026 إلى 21.2% سنة 2031.
من جهته، يقترح حزب الاستقلال، المشارك في الحكومة الحالية، برنامج "آفاق"، الذي يقوم على ألا يبقى أي شاب خارج الدراسة أو التكوين أو الشغل أو المواكبة لأكثر من ستة أشهر. ويتضمن البرنامج، كذلك، مبادرة "100 ألف موهبة رقمية" لتكوين الشباب في العمل عن بعد والعمل الحر والمهن الرقمية ذات الطلب العالمي.

رفع مشاركة النساء في سوق الشغل
يضع حزب الاتحاد الاشتراكي المعارض معركة الشغل والبطالة في أولوية برنامجه للانتخابات التشريعية لـ 23 سبتمبر الجاري، متعهداً بخفض البطالة إلى أقل من 8%، وبطالة الشباب إلى أقل من 10%، وبطالة النساء إلى أقل من 15%، ورفع مشاركة النساء في سوق الشغل إلى أكثر من 30%، بالإضافة إلى إحداث 250 ألف منصب شغل صناعي.
وبينما يراهن حزب التقدم والاشتراكية المعارض على خلق مليون منصب شغل خلال خمس سنوات، وتقليص معدل البطالة من 13% إلى 10%، ورفع الحد الأدنى للأجور، ودعم أجور الشباب، يقترح حزب العدالة والتنمية المعارض وضع سياسة عمومية خاصة بفئة الشباب غير المشتغلين وغير طلاب المدارس وغير المستفيدين من التكوين، المعروفة اختصاراً بـ (NEET)، مع توفير التكوين والمواكبة الاجتماعية والتدريب والفرص المقاولاتية لهذه الفئة. كما يدعو إلى إعادة تصميم برامج التشغيل وربطها بشكل أكبر بحاجيات سوق الشغل، بدلاً من الاكتفاء ببرامج يعتبرها غير كافية لمعالجة جذور البطالة.

قضية اجتماعية وسياسية
وحسب رئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي (غير حكومي)، علي الغنبوري، فإن البطالة أصبحت اليوم واحدة من أكثر القضايا التي تضغط على المجتمع المغربي، خاصة على فئة الشباب؛ فهي لم تعد مجرد مؤشر اقتصادي، بل تحولت إلى قضية اجتماعية وسياسية مرتبطة بالاستقرار، وبالقدرة على بناء حياة مستقلة، وبالثقة في المؤسسات وفي المستقبل.
ويرى الغنبوري، في حديث مع "العربي الجديد"، أنه من الطبيعي أن تتصدر البطالة البرامج الانتخابية لمختلف الأحزاب، سواء كانت في الأغلبية أو المعارضة، خصوصاً في سياق ما يعرفه سوق الشغل من اختلالات، من ارتفاع البطالة، وضعف مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي، وصعوبة إدماج الشباب، واستمرار فقدان مناصب الشغل في بعض الفترات.
ويوضح المحلل الاقتصادي أن تصدر البطالة للخطاب الانتخابي يرتبط بتحول انتظارات المواطنين؛ فالمغاربة لا يريدون فقط تحقيق نسب للنمو أو جذب الاستثمارات، بل يريدون أن يلمسوا أثر التنمية في حياتهم اليومية، وفي قدرتهم على الحصول على عمل لائق ومستقر. وهذا يفرض على الأحزاب أن تقدم إجابات حول العلاقة بين الاستثمار والنمو وخلق فرص الشغل، وبين التعليم والتكوين وحاجيات سوق العمل، وبين السياسات الاقتصادية والعدالة المجالية، لذلك أصبح التشغيل اختباراً حقيقياً لمصداقية أي مشروع سياسي، وليس مجرد وعد انتخابي.
وفي تقييمه لما تطرحه الأحزاب من وعود وإجراءات لمحاربة البطالة، يعتقد الغنبوري أن التقييم يجب أن يتم بعيداً عن منطق المزايدة الانتخابية، فـ "المهم ليس فقط عدد مناصب الشغل التي يعد أي حزب بإحداثها، وإنما مدى واقعية الرقم، ومصادر تمويله، والقطاعات التي ستخلق هذه المناصب، والمدة الزمنية اللازمة لتحقيقها، ومدى ارتباطها باستثمارات حقيقية. كما يجب التمييز بين خلق مناصب شغل مؤقتة وبين خلق وظائف مستقرة ولائقة، وبين دعم الباحثين عن العمل لفترة محدودة وبين بناء اقتصاد قادر على إنتاج فرص شغل بشكل مستدام".
ومن هذه الزاوية، يرى أن بعض المقترحات المتعلقة بدعم الاستثمار، وتشجيع المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وتطوير التكوين المهني، وتحسين ملاءمة التكوين مع حاجيات سوق الشغل، ودعم التشغيل في العالم القروي، كلها مداخل مهمة، لكنها لا تكفي وحدها إذا لم تكن جزءاً من سياسة اقتصادية متكاملة، علماً أن هذه العناصر نفسها أصبحت حاضرة في المقاربة العمومية الحالية، من خلال التركيز على الاستثمار المنتج، ودعم المقاولات، وملاءمة التكوين، والحفاظ على مناصب الشغل في العالم القروي.

ويؤكد أن الاختبار الحقيقي لهذه البرامج سيكون في قدرتها على الانتقال من منطق الوعد إلى منطق الالتزام القابل للقياس والمحاسبة؛ أي أن يحدد كل برنامج عدد المناصب المستهدفة، والقطاعات المعنية، والجهات المستفيدة، والكلفة المالية، والجدول الزمني، وآليات التتبع والتقييم؛ لأن المغرب لا يحتاج فقط إلى برامج جديدة للتشغيل، بل يحتاج قبل كل شيء إلى اقتصاد أكثر قدرة على خلق وظائف مستدامة، وإلى ربط الاستثمار العمومي والخاص بخلق فرص الشغل، وإلى معالجة الاختلالات البنيوية التي تجعل النمو الاقتصادي لا ينتج دائماً العدد الكافي من الوظائف.

ملف مركزي للأغلبية والمعارضة
من جهته، يربط رئيس مركز شمال أفريقيا للدراسات والأبحاث (غير حكومي)، رشيد لزرق، التركيز المتزامن لمختلف الأحزاب المغربية على موضوع البطالة في برامجها الانتخابية بكون التشغيل أصبح أحد أكثر الملفات حساسية اجتماعياً واقتصادياً، خصوصاً لدى الشباب وحاملي الشهادات والنساء. كما أن البطالة لم يعد يُنظر إليها فقط باعتبارها نتيجة لتباطؤ النمو، بل باعتبارها مؤشراً على اختلالات أعمق ترتبط بقدرة الاقتصاد على خلق فرص شغل كافية ومستدامة، وبمدى ملاءمة منظومة التعليم والتكوين مع حاجيات سوق الشغل، وبقدرة المقاولات، خصوصاً الصغيرة والمتوسطة، على التوسع والاستثمار والتوظيف.
ويقول لزرق، لـ "العربي الجديد"، إن البطالة أصبحت قضية انتخابية مركزية بالنسبة إلى أحزاب الأغلبية والمعارضة معا؛ فالأغلبية مطالبة بالدفاع عن حصيلتها وتبرير نتائج سياساتها الاقتصادية والاجتماعية، بينما ترى المعارضة في ملف التشغيل مدخلاً أساسياً لمساءلة الحكومة وتقديم نفسها بديلا سياسي. كما أن استهداف الشباب، باعتبارهم كتلة انتخابية واجتماعية مهمة، يدفع الأحزاب إلى جعل التشغيل في صدارة خطابها وبرامجها.
أما من حيث تقييم الوعود والإجراءات المقترحة، فيسجل لزرق أن عدداً من الأحزاب أصبح أكثر ميلاً إلى تقديم أهداف رقمية وبرامج مرتبطة بدعم الاستثمار، وتحفيز تشغيل الشباب، ودعم أول عقد شغل، وتشجيع المقاولات الصغرى، وتحسين التكوين وربطه بحاجيات الاقتصاد.
ويلفت إلى أن القيمة الحقيقية لهذه الوعود لا تُقاس بحجم الأرقام المعلنة، وإنما بمدى وجود تصور واضح لكيفية خلق هذه الوظائف وتمويلها وضمان استدامتها، موضحاً أن الوعد بخلق مئات الآلاف أو مليون منصب شغل يبقى محدود القيمة إذا لم يحدد القطاعات التي ستوفرها، وطبيعة هذه الوظائف، وما إذا كانت دائمة ومصرحاً بها وذات أجر لائق، وما هو دور القطاع الخاص في خلقها. كما أن برامج التكوين أو دعم الأجور لا تكفي وحدها إذا لم يكن الاقتصاد نفسه قادراً على خلق طلب حقيقي على اليد العاملة.
ويضيف: "ينبغي تقييم أي برنامج حزبي انطلاقاً من قدرته على الربط بين الاستثمار والإنتاجية وتنمية المقاولات والتكوين والتنمية الجهوية وخلق وظائف صافية ومستدامة. وبذلك فإن التحدي الحقيقي ليس في من يقدم أكبر رقم في الوعود، بل في من يقدم سياسة تشغيل متكاملة، قابلة للتمويل والقياس والمساءلة، وتنتقل من معالجة البطالة بوصفها ظاهرة ظرفية إلى معالجة أسبابها الهيكلية".
إقتصاد | المصدر: العربي الجديد | تاريخ النشر : الأحد 13 سبتمبر 2026
أحدث الأخبار (إقتصاد)
يمكنكم متابعة احدث اخبارنا عن طريق شبكات التواصل الاجتماعى المختلفة
facebooktwitterRss
®أخبار الصباح AkhbarAlsabah.com