Akhbar Alsabah اخبار الصباح

بيزنس القمامة يشعل حرباً خفية في مصر

القمامة في مصر انتقلت الحكومة المصرية من ملاحقة جامعي المخلفات غير الرسميين، المعروفين باسم "النباشين"، إلى محاولة دمجهم في المنظومة الرسمية، بعد مواجهة كشفت حجم الصراع على القيمة الاقتصادية الكامنة داخل أكياس القمامة، بين العاملين التقليديين وشركات النظافة ومصانع التدوير والمشروعات الحكومية.
بدأت محافظة الإسكندرية إجراءات لضم عدد من "النباشين" إلى منظومة شركة "نهضة مصر"، المكلفة بجمع المخلفات في المدينة، ومنحهم عقود عمل، في تحول من مطاردة نشاطهم غير الرسمي إلى تنظيمه والاستفادة من خبراتهم، وفق بيان أورده مجلس الوزراء في 31 أغسطس/آب الماضي. وجاءت الخطوة بعد أزمة أثارها تشغيل ماكينات آلية لاسترداد العبوات البلاستيكية وعلب المشروبات المعدنية في حي الدقي بمحافظة الجيزة، مقابل مبالغ مالية أو نقاط يحصل عليها المواطنون.

واعتبر نقيب العاملين في جمع المخلفات شحاتة المقدس أنّ الماكينات تحرم العمال من أكثر مكونات القمامة قيمة، ملوحاً بالامتناع عن العمل في مناطق تشغيلها. وقال في تصريحات صحافية إنه لا يعترض على التكنولوجيا، لكنه يخشى تأثيرها في دخول العاملين الذين يعتمدون على بيع البلاستيك والمعادن والورق والكرتون، واصفاً هذه المواد بأنها "فواكه المهنة". وتزامن الجدل مع ضبط فتى يبلغ 13 عاماً بعد ظهوره في مقطع مصور وهو يستولي على عبوات من إحدى الماكينات. ولا يدور الصراع حول ماكينة أو علبة معدنية فحسب، بل حول الجهة التي تحصل على القيمة الاقتصادية الموجودة داخل كيس القمامة. فالعامل الذي يجمع المخلفات من المنازل لا يعتمد على المقابل الشهري الذي يدفعه السكان فحسب، ويقدر عادة بما بين 20 و50 جنيهاً للوحدة، وإنما يستمد الجزء الأكبر من دخله من بيع البلاستيك والمعادن والورق والكرتون وغيرها من المواد القابلة لإعادة التدوير. ولذلك تهدّد إزالة المواد الأعلى قيمة من الأكياس النموذج الاقتصادي الذي اعتمد عليه جامعو القمامة التقليديون لعقود.

سلسلة عوائد معقدة

أصبحت المعادلة أكثر تعقيداً مع توسع الدولة والشركات الخاصة في إدارة المخلفات. فالحكومة تفرض رسوماً مقابل الخدمة، وتحصل شركات النظافة على عقود للجمع والنقل، بينما يستخرج النباشون المواد القابلة للبيع، ويشتريها التجار لتوريدها إلى مصانع إعادة التدوير. وفي حلقة أخرى من السلسلة، تبحث مصانع إنتاج السماد والوقود البديل والطاقة عن كميات كبيرة من المخلفات القابلة للمعالجة. ويظل المواطن مطالباً بسداد الرسوم الرسمية، إلى جانب المقابل الذي يدفعه بعض السكان مباشرة إلى جامعي القمامة، من دون أن ينعكس تعدّد الجهات بالضرورة على مستوى النظافة في الشوارع. وينظم القانون رقم 202 لسنة 2020 إدارة المخلفات، ويجيز تحصيل رسم شهري مقابل خدمات الإدارة المتكاملة، سواء قدمتها الجهة المختصة بنفسها أو تعاقدت مع جهة أخرى. ويشمل الرسم الوحدات السكنية والتجارية والمنشآت الحكومية والصحية والتعليمية والصناعية والسياحية.

وبموجب جدول الرسوم الوارد في قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1114 لسنة 2024، تتراوح الرسوم الشهرية على الوحدات السكنية بين ثلاثة جنيهات و20 جنيهاً، بحسب طبيعة المنطقة، وبين 30 و60 جنيهاً للوحدات التجارية المستقلة، بينما تصل رسوم بعض المنشآت والمراكز التجارية والصناعية إلى آلاف الجنيهات شهرياً. ويدفع المركز التجاري الذي يضم حتى عشر وحدات ألف جنيه شهرياً، ويرتفع الرسم إلى 2500 جنيه للمجمعات التي تضم ما بين 11 و20 وحدة، وخمسة آلاف جنيه لما بين 21 و40 وحدة، وصولاً إلى عشرة آلاف جنيه للمجمعات التي تضم أكثر من 100 وحدة. وتخضع المنشآت الصناعية لرسوم مرتبطة بقدرتها الكهربائية التعاقدية، تبدأ من ألف جنيه وتصل إلى عشرة آلاف جنيه شهرياً للمنشآت التي تتجاوز قدرتها 30 ميغاواط، كما تسدّد الشركات والمباني الإدارية الخاصة ألف جنيه للمساحات التي لا تتجاوز ألف متر مربع، و2500 جنيه للمساحات بين 1001 و2000 متر، وخمسة آلاف جنيه للمساحات الأكبر.

وتكشف هذه الرسوم عن اتساع الاقتصاد المحيط بالقمامة، الذي يشمل المتعهدين وشركات النقل والمحطات الوسيطة ومصانع التدوير والمدافن الصحية ومشروعات إنتاج الوقود والطاقة، إلى جانب سوق غير رسمية واسعة لجمع المواد القابلة للبيع. وتتداخل في إدارة هذا القطاع جهات عدّة، من بينها وزارات البيئة والتنمية المحلية والصحة والإسكان، إلى جانب المحافظات وجهاز تنظيم إدارة المخلفات وشركات القطاع الخاص. وتنتج مصر نحو 26 مليون طن من المخلفات البلدية سنوياً، بما يعادل أكثر من 71 ألف طن يومياً، وفقاً لتقديرات رسمية بدأ تداولها عام 2019 وما زالت الجهات المعنية تستخدمها في بياناتها خلال 2026. ولا تمثل هذه الكميات عبئاً على المحليات وشركات النظافة فحسب، بل هي مورد اقتصادي ضخم إذا جرى فرزها وإعادة استخدامها بصورة منظمة. ويمكن تحويل المكونات العضوية إلى سماد أو غاز حيوي، وتوجيه البلاستيك والمعادن والورق والكرتون إلى المصانع والورش المتخصّصة، واستخدام جزء من المخلفات المعالجة في إنتاج الوقود البديل أو الكهرباء.

مافيا

وقال مستثمر مصري يمتلك شركة أجنبية، طالباً عدم ذكر اسمه، إنه تقدم قبل ثلاث سنوات بطلب لإقامة محطة لتوليد الكهرباء من المخلفات بقدرة 100 ميغاواط على مشارف مدينة 15 مايو، جنوبي القاهرة، لكنه لم يتمكن من استكمال التراخيص. وادعى المستثمر، في حديث لـ"العربي الجديد"، وجود "مافيا" تستفيد من استمرار الإدارة غير الرسمية لمواقع تجميع المخلفات وتعرقل دخول استثمارات جديدة. وأوضح أن المشكلة لا تقتصر على الإجراءات الحكومية، بل تشمل غياب الفرز من المصدر وعدم التزام السكان بفصل المخلفات. ويؤدي اختلاط العبوات البلاستيكية ببقايا الطعام والمواد العضوية إلى انخفاض قيمتها وارتفاع تكلفة فصلها وتنظيفها.

في المقابل، يستطيع النباش الذي يحصل على العبوة قبل اختلاطها ببقية المخلفات بيعها بقيمة أعلى، وهنا يقع الصراع بين الاقتصاد غير الرسمي والمنظومة التي تحاول الدولة بناءها. فالانتقال إلى الفرز من المنبع قد يكون أكثر كفاءة من الناحية البيئية، لكنه يعيد توزيع الدخل بين المواطنين والماكينات والنباشين والشركات. ويرى المستثمر أنّ قرار الإسكندرية دمج النباشين يتجاوز كونه إجراء محلياً، لأنه يقدم نموذجاً للتعامل مع فئة ظلت جزءاً رئيسياً من دورة جمع المخلفات وفرزها، من دون الحصول على وضع قانوني أو حماية اجتماعية واضحة.

من المطاردة إلى الدمج

وقال خبير الإدارة المحلية عبد الحميد كمال إنّ الجمع بين عمل الماكينات وخبرة جامعي المخلفات ضروري لإنجاح المنظومة الجديدة، مشيراً إلى أن محافظة الإسكندرية شنّت سابقاً حملات على عمليات الفرز العشوائي في الشوارع. وأضاف كمال لـ"العربي الجديد" أنّ إحدى الحملات أسفرت عن التحفظ على 175 دراجة نقل ثلاثية العجلات وسيارة ربع نقل، كانت تستخدم في جمع المخلفات وفرزها ونقلها بصورة غير منظمة، قبل اتجاه المحافظة إلى منح بعض المضبوطين عقود عمل داخل الشركة صاحبة امتياز النظافة. وأوضح أن ماكينات استرداد العبوات ينبغي أن تكون جزءاً من منظومة متكاملة للفصل من المصدر والجمع والنقل وإعادة التدوير، محذراً من التعامل معها باعتبارها حلاً منفرداً لأزمة القمامة. ويمكن للحوافز المالية التي تقدمها الماكينات أن تغيّر سلوك المواطنين وتشجعهم على فصل العبوات، لكن ذلك يتطلب تحديد موقع جامعي المخلفات التقليديين داخل الدورة الجديدة، حتى لا تتحول التكنولوجيا إلى وسيلة لإقصاء فئة تعتمد في معيشتها على المواد القابلة لإعادة التدوير.

ويرى كمال أنّ النباش ليس بالضرورة خصماً للمنظومة الحديثة، بل يمكن إدماجه في عمليات الجمع والفرز والنقل، مع إخضاع نشاطه لقواعد صحية وبيئية ومنحه عقوداً وتأمينات وحماية قانونية. وقد يتيح هذا الدمج استمرار تجارة المواد المفروزة، ومنها العبوات المعدنية والبلاستيكية، بوصفها خامات للمصانع، مع توجيه بقية المخلفات إلى مشروعات إنتاج السماد والوقود والطاقة. لكنّ نجاح التجربة يظل مرهوناً بوضوح العقود والأجور وحقوق العاملين، ومنع احتكار الشركات أو الوسطاء للمواد الأعلى قيمة، وتحديد الجهة التي تتحمل تكاليف الخدمة وتحصل على عوائدها. فالمعركة التي بدأت بماكينات "الكانز" كشفت أنّ القمامة في مصر لم تعد مجرد عبء خدمي، بل اقتصاد واسع تتنافس أطرافه على كل ما يخرج من أكياسها.
إقتصاد | المصدر: العربي الجديد | تاريخ النشر : الثلاثاء 22 سبتمبر 2026
أحدث الأخبار (إقتصاد)
يمكنكم متابعة احدث اخبارنا عن طريق شبكات التواصل الاجتماعى المختلفة
facebooktwitterRss
®أخبار الصباح AkhbarAlsabah.com