Akhbar Alsabah اخبار الصباح

المعارضة الموريتانية تعود للشارع لـ”دق أجراس الإنذار”

المعارضة الموريتانية عادت المعارضة الموريتانية مجددًا إلى الشارع اليوم، في مشهد يعكس تحوّلًا لافتًا في طبيعة العلاقة بينها وبين نظام الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، بعد فترة من الهدوء النسبي والحوار السياسي الحذر.

فالمظاهرات والوقفات الاحتجاجية التي شهدتها نواكشوط خلال الأسابيع الأخيرة، والتي يختمها اليوم مهرجان الأحد بمشاركة جميع أطياف المعارضة، لا تبدو مجرد تحركات مطلبية عابرة، بل تحمل في طياتها مؤشرات على تصاعد منسوب الاحتقان السياسي، في ظل تزايد الجدل حول الأوضاع المعيشية، وارتفاع الأسعار، والبطالة، إضافة إلى اتهامات متكررة للحكومة بالعجز عن تقديم حلول ملموسة للتحديات الاقتصادية والخدمية.

نهاية التهدئة

ويأتي هذا الحراك في توقيت حساس، حيث كانت السلطة تراهن على تهدئة المشهد الداخلي عبر إطلاق مسارات تشاورية ورسائل انفتاح تجاه الطيف السياسي، غير أن عودة خطاب التصعيد والتعبئة الميدانية داخل صفوف المعارضة توحي بأن حالة التهدئة ربما لم تنجح في معالجة جذور الأزمة، بقدر ما أخّرت انفجارها.

كما يكشف المشهد عن تنامي شعور لدى قوى سياسية ومدنية بأن هامش التعبير والضغط السياسي لا يزال مرتبطًا بالشارع أكثر من ارتباطه بطاولات الحوار أو المؤسسات الرسمية.

وبين من يرى في هذه العودة محاولة لإعادة ترتيب أوراق المعارضة واستعادة حضورها الشعبي، ومن يعتبرها إنذارًا مبكرًا لتحولات اجتماعية أعمق قد تتجاوز الحسابات السياسية التقليدية، يطرح المشهد سؤالًا محوريًا: هل دخلت موريتانيا مرحلة جديدة يتقدم فيها الاحتقان على التهدئة، أم إن ما يحدث لا يزال ضمن حدود التجاذب السياسي الطبيعي في بلد اعتاد التعايش مع موجات المد والجزر السياسي؟

دلالات الحدث

وفي السياسة الموريتانية، لا تُقاس أهمية المهرجانات فقط بعدد الحشود أو قوة الشعارات، بل بما تعكسه من تحولات عميقة داخل ميزان القوى، وحالة المزاج العام، ومستوى التوتر المكتوم بين السلطة والمعارضة.

ومن هذه الزاوية، يبدو المهرجان الجماهيري الذي حشدت المعارضة الموريتانية أنصارها لتنظيمه اليوم في نواكشوط والذي رخصت له السلطات، حدثًا يتجاوز مجرد نشاط سياسي اعتيادي، ليحمل دلالات أعمق تتعلق بمستقبل العلاقة بين الرئيس الغزواني ومعارضيه، وبطبيعة المرحلة السياسية التي تدخلها موريتانيا.

فمهرجان الأحد هو ثاني مهرجان تتمكن المعارضة الموريتانية عبره من النزول موحدة إلى الشارع منذ وصول الغزواني إلى السلطة عام 2019، بعد مهرجانها الأول الذي أعقب الانتخابات البرلمانية والبلدية والجهوية سنة 2023، والذي شاركت فيه مختلف تشكيلات المعارضة؛ وبين المهرجانين مسافة سياسية كبيرة، تكشف كيف انتقلت البلاد من مرحلة “التهدئة والانفتاح” إلى مرحلة تتصاعد فيها مؤشرات الاحتقان من جديد.

معارضة بثلاثة أقطاب

يحمل مهرجان الأحد أهمية خاصة لأنه يجمع أبرز أقطاب المعارضة الموريتانية تحت مظلة ميدانية واحدة، في مشهد نادر خلال السنوات الأخيرة.

إذ تتولى تنظيم المهرجان ثلاث هيئات معارضة رئيسية، هي مؤسسة المعارضة الديمقراطية بقيادة حمادي سيدي المختار رئيس حزب “تواصل” ذي المرجعية الإسلامية، وائتلاف المعارضة الديمقراطي برئاسة المختار ولد الشيخ، وائتلاف التناوب الديمقراطي بقيادة بيرام الداه اعبيد.

وفي بيانها المشترك، أكدت الجهات المنظمة أن المهرجان يمثل “مهرجانًا جماهيريًا يدق أجراس الإنذار” بشأن ما وصفته بصعوبة الظروف المعيشية التي يواجهها المواطنون، ورفضًا لما تعتبره تراجعًا للحريات العامة، إضافة إلى التأكيد على ترسيخ الوحدة الوطنية في ظل التحديات السياسية والاجتماعية الراهنة.

ويعكس هذا التنسيق بين أقطاب المعارضة إدراكًا متزايدًا بأن العمل المنفرد لم يعد كافيًا لمواجهة حالة الاحتقان الاجتماعي والسياسي المتصاعدة، وأن العودة إلى الشارع الموحد باتت ضرورة سياسية أكثر منها مجرد خيار تكتيكي.

من تفكيك التوتر إلى عودته

حين وصل الرئيس غزواني إلى الحكم، ورث ساحة سياسية متوترة إلى أقصى الحدود، بفعل سنوات من القطيعة الحادة بين السلطة والمعارضة خلال حكم الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز.

فقد اتسمت تلك المرحلة بمواجهة سياسية مفتوحة، وتصعيد إعلامي متبادل، وشعور واسع داخل المعارضة بأنها مستهدفة ومقصاة من الحياة السياسية.

لكن الغزواني اختار منذ أيامه الأولى مقاربة مختلفة تمامًا، حيث فتح أبواب القصر أمام قادة المعارضة، واستقبل جميع رموزها تقريبًا، وأرسل إشارات تهدئة غير مسبوقة، ما أدى إلى تراجع منسوب الاحتقان، وإلى تفكيك تدريجي لجبهة المعارضة الموحدة.

وقد نجح خلال السنوات الأولى في استمالة أطياف من المعارضة، وخلق حالة من “الانتظار الإيجابي” لدى قوى سياسية كانت تراهن على إصلاحات سياسية وحوار شامل يفتح صفحة جديدة في البلاد؛ كما استفاد من صورة “الرئيس الهادئ” المختلف عن سلفه، وهو ما خفف حدة الاستقطاب؛ غير أن هذا الرصيد السياسي بدأ يتآكل تدريجيًا: فلماذا تعود المعارضة موحدة الآن؟

ميزة الحشد

ما يمنح مهرجان الأحد ثقله السياسي ليس فقط حجم المشاركة، بل توقيته أيضًا؛ فالمعارضة لا تنزل موحدة إلى الشارع إلا عندما تشعر بأن هناك فرصة لإعادة تجميع قواعدها، أو عندما تدرك أن المزاج الشعبي بدأ يتحول لصالحها.

وخلال الأشهر الأخيرة، تراكمت مجموعة من الملفات التي وفرت للمعارضة أرضية مشتركة للتحرك، رغم اختلاف خلفياتها الأيديولوجية والسياسية.

وأول هذه الملفات تعثر مشروع الحوار السياسي الذي كان أحد أهم رهانات السلطة والمعارضة معًا.

فالسلطة كانت ترى فيه وسيلة لاحتواء التوترات وإعادة ترتيب المشهد السياسي، بينما اعتبرته المعارضة فرصة لطرح ملفات الإصلاح السياسي والانتخابي والحريات.

لكن التحضير للحوار تعثر بشكل واضح، وسط اتهامات متبادلة بعدم الجدية، ما أعاد الشكوك القديمة بشأن قدرة النظام على تقديم تنازلات سياسية حقيقية. وبالنسبة للمعارضة، فإن فشل الحوار لم يكن مجرد تعثر تقني، بل هو دليل على انسداد سياسي بدأ يتشكل تدريجيًا.

ملف الحريات

وقد شهدت الفترة الأخيرة اعتقال ومحاكمة نواب ومحامين ونشطاء، وهو ما وفر للمعارضة مادة قوية لإعادة طرح خطاب “تراجع الحريات”.

وفي بلد حساس سياسيًا تجاه ملفات الاعتقال والمحاكمات ذات الطابع السياسي، فإن هذه الملفات غالبًا ما تؤدي إلى إعادة توحيد قوى المعارضة، حتى القوى المختلفة في قضايا جوهرية أخرى.

أما ثالث الملفات فهو الأزمة الاجتماعية والاقتصادية، حيث تدرك المعارضة أن الملف الأكثر تأثيرًا على الشارع ليس الصراع السياسي المجرد، بل الوضع المعيشي.

وشكل ارتفاع الأسعار، وتزايد الضغوط الاقتصادية، واتساع الشعور بتراجع القدرة الشرائية، عوامل تمنح المعارضة فرصة لإعادة التواصل مع الشارع بلغة اجتماعية مباشرة.

فالمواطن الموريتاني الذي قد لا يهتم كثيرًا بالتجاذبات الحزبية يتفاعل سريعًا مع قضايا الغلاء والبطالة والخدمات والأمن، كما أكدت التجارب السابقة ذلك.

وجاء تصاعد الحديث عن الفساد والجريمة ليشكل عاملًا آخر لتوحيد المعرضة، فرغم الخطاب الرسمي حول الإصلاح والحكامة، لا تزال المعارضة تعتبر أن الفساد مستمر، وأن مظاهره تتوسع داخل الإدارة والصفقات العمومية.

كما أن تصاعد الجريمة في بعض الأوساط الحضرية ساهم في تنامي الشعور بعدم الرضا، خصوصًا داخل العاصمة نواكشوط، حيث تتراكم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.

الحدود مع مالي

ويبدو الملف الأمني أحد أكثر الملفات حساسية في المرحلة الحالية، فالتوتر على الحدود مع مالي، وتكرار حوادث قتل موريتانيين في المناطق الحدودية، إضافة إلى الاتهامات الموجهة لعناصر من الجيش المالي ومجموعات روسية مسلحة، كل هذا تجمع ليخلق حالة امتعاض واسعة داخل الرأي العام.

وتحاول المعارضة الموريتانية، كما يظهر من تصريحات بعض قادتها، استثمار هذا الملف عبر اتهام السلطة بضعف الرد السياسي والدبلوماسي والأمني، خصوصًا أن الأمن الوطني ظل دائمًا من أكثر الملفات حساسية في الوعي الجماعي الموريتاني.

عامل جديد

ومن بين أبرز المتغيرات التي تضفي على مهرجان الأحد أهمية إضافية، الحضور المتزايد لمجموعة الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز داخل المشهد السياسي، سواء بشكل مباشر أو عبر شبكات النفوذ التقليدية والقبلية والسياسية المرتبطة به.

فعلى الرغم من المحاكمة والأحكام القضائية التي واجهها الرئيس السابق، فإن تياره لم يختف من الساحة، بل يبدو أنه يعيد ترتيب أوراقه تدريجيًا، مستفيدًا من حالة التذمر القائمة داخل بعض الأوساط السياسية والاجتماعية.

ويبقى السؤال، مهرجان الأحد، بداية مسار أم رسالة ضغط؟

قد لا يغير المهرجان موازين القوى فورًا، لكنه بالتأكيد يعكس تحولًا سياسيًا مهمًا يتمثل بعودة المعارضة الموريتانية إلى الشارع الموحد بعد سنوات من التفكك والتهدئة.

وإذا كان الرئيس الغزواني قد نجح في السنوات الماضية في إدارة التناقضات السياسية بهدوء، فإن التحدي الذي يواجهه اليوم يبدو أكثر تعقيدًا، لأنه لم يعد سياسيًا فقط، بل أصبح اجتماعيًا وأمنيًا ومعيشيًا أيضًا.

كما أن دخول أنصار الرئيس السابق على خط التجاذب السياسي بصورة أكثر وضوحًا، يمنح المعارضة زخمًا إضافيًا ويعقد حسابات السلطة، لأن النظام بات يواجه ضغوطًا من المعارضة التقليدية، ومن بقايا شبكة النفوذ التي حكمت البلاد خلال العقد الماضي.
سياسة | المصدر: القدس العربي | تاريخ النشر : الأحد 10 مايو 2026
أحدث الأخبار (سياسة)
يمكنكم متابعة احدث اخبارنا عن طريق شبكات التواصل الاجتماعى المختلفة
facebooktwitterRss
®أخبار الصباح AkhbarAlsabah.com