
كشفت تقارير سعي موسكو إلى تطوير وسائل أكثر تطوراً لتنفيذ عمليات التخريب دون اكتشافها أو تحديد المسؤول عنها، فيما أعلنت واشنطن رصد "نشاط روسي مريب" حول الكابلات البحرية، ضمن محاولاتها للتجسس على البنية التحتية الموجودة في أعماق البحار.
وحذّرت صحيفة "ذي آي بيبر" من أن غواصات روسية تتدرب على استخدام سلاح سري جديد يستهدف البنية التحتية الحيوية تحت سطح البحر، في وقت تكثف فيه موسكو محاولاتها لرصد نقاط ضعف الغرب.
وحذّر خبير أمني من أن روسيا تقوم بما وصفه بـ"التدرب" على تنفيذ هجمات تستهدف البنية التحتية الحيوية تحت البحر التي تعتمد عليها بريطانيا، بما في ذلك كابلات الاتصالات والإنترنت، وسط مخاوف من أن المملكة المتحدة قد تواجه صعوبة في الصمود أمام عملية تخريب منسقة.
وقال الخبير الأمني، وفقاً لشبكة "LBC"، إن عملية روسية حديثة في منطقة القطب الشمالي تمثل تصعيداً مهماً، بعدما انتقلت موسكو، بحسب التقييم، من مجرد مراقبة البنية التحتية الغربية إلى اختبار وسائل يمكن استخدامها لتعطيلها فعلياً.
وفي حديث حصري مع "LBC"، قالت فيرينيا كودريان، رئيسة قسم الاستراتيجية في "EUROATLAS"، إن العملية الروسية الأخيرة في القطب الشمالي تمثل تصعيداً كبيراً من مراقبة البنية التحتية الغربية إلى الاختبار الواضح للأساليب المصممة لتعطيلها.
وأضافت "لقد كنا نحذر لسنوات من التهديد الذي تشكله روسيا على البنية التحتية تحت سطح البحر في المملكة المتحدة، في مواجهة الاستفزازات المتكررة وعلامات التحذير".
سطح البحر أفضل مكان للاختباء
وبحسب التقرير، عملت بريطانيا بالتنسيق مع القوات الأمريكية والنرويجية على إحباط عملية روسية سرية بالقرب من أرخبيل سفالبارد في القطب الشمالي خلال الربيع الماضي.
وكانت سفن مرتبطة بالمديرية الروسية شديدة السرية للأبحاث في أعماق البحار موجودة في المنطقة، ويُعتقد أنها كانت تختبر قدرة جديدة تستهدف الكابلات الموجودة تحت سطح البحر.
وتتبعت القوات البريطانية والأمريكية والنرويجية السفن الروسية قبل مواجهتها، ما أدى إلى منع استكمال الاختبار وإجبار السفن على مغادرة المنطقة، بحسب مسؤولين غربيين نقلت عنهم "LBC"، بينما نفت روسيا باستمرار القيام بعمليات تخريب ضد دول الناتو.
لكن كودريان حذرت من أنه ينبغي النظر إلى الحادث كجزء من حملة روسيا الأوسع نطاقاً للنشاط في المنطقة الرمادية في جميع أنحاء أوروبا، حيث يوفر قاع البحر لموسكو بيئة يمكن أن تظل فيها العمليات العدائية صعبة للغاية في اكتشافها أو نسبتها إلى جهات معينة.
وقالت: "تخوض روسيا حرباً في المنطقة الرمادية في جميع أنحاء أوروبا، وتُعد البنية التحتية الحيوية للمملكة المتحدة هدفاً رئيسياً، لا سيما في أماكن مثل قاع البحر حيث تكون الرؤية ضئيلة، وشبكة البنية التحتية واسعة للغاية لدرجة أن المراقبة المستمرة أمر صعب للغاية".
وأردفت كودريان: "يبدو أن لدى حلف الناتو الآن أدلة على ما يبدو أنه تدريب على إحدى القدرات. ويكمن التحدي في ما إذا كان بإمكاننا اكتشاف المحاولة التالية في وقت مبكر بما يكفي لإيقافها ونسبتها إلى روسيا".
مخاوف من هجوم يضرب الإنترنت والاقتصاد
وتكمن خطورة استهداف الكابلات البحرية في اعتماد بريطانيا الكبير عليها لنقل البيانات والاتصالات الدولية، فضلاً عن ارتباط البنية التحتية الرقمية بالقطاعات المالية والتجارية والخدمات الأساسية.
ويحذر خبراء الأمن من أن عملية تخريب منسقة قد تتجاوز مجرد انقطاع الاتصالات، لتؤثر في الخدمات الرقمية والاقتصاد والأسواق المالية، خصوصاً إذا استهدفت عدة كابلات في الوقت نفسه.
وقالت كودريان إن حوالي 60 كابلاً تربط بريطانيا بالعالم الخارجي وتحمل ما يقرب من 99 في المائة من البيانات الدولية وحركة الإنترنت في البلاد، وأضافت: "من الصعب المبالغة في تقدير مدى ضعف هذه الكابلات".
وعلى الرغم من أن المملكة المتحدة تتمتع بدرجة من المرونة في حالة قطع كابل واحد، إلا أن هناك تساؤلات حول قدرة البلاد على الصمود أمام عملية تخريب منسقة وأكبر حجماً تشمل أجزاء متعددة من البنية التحتية، وكم من الوقت سيستغرق إصلاح الأضرار.
وقد حذر تقرير مشترك بين الأحزاب صادر عن اللجنة البرلمانية المشتركة المعنية باستراتيجية الأمن القومي سابقاً من أن شبكة كابلات الإنترنت تحت سطح البحر في المملكة المتحدة تمثل نقطة ضعف استراتيجية أثناء الأزمات، منتقداً استعدادات الحكومة ومطالباً بـ "ردع أكثر قوة" ضد النشاط العدائي.
وبينما وجدت اللجنة أنه لا يوجد تهديد وشيك للاتصال الوطني لبريطانيا، فقد حذرت من أنها "ليست واثقة من أن المملكة المتحدة يمكنها منع مثل هذه الهجمات أو التعافي في غضون فترة زمنية مقبولة" إذا تصاعد العدوان الروسي بسرعة.
وحذّر أعضاء البرلمان من أن هجوماً واسع النطاق قد يعطّل أنظمة الدفع وسلاسل التوريد، ويضعف الاتصالات، ويضع ضغطاً إضافياً على خدمات الطوارئ، ويتسبب في سلسلة من الإخفاقات في الخدمات التي تعتمد على المصادقة والبيانات عبر الإنترنت.
كما دعت اللجنة بريطانيا إلى امتلاك سفينة إصلاح كابلات خاصة بها بحلول عام 2030، وإلى قيام البحرية الملكية بإنشاء مجموعة من جنود الاحتياط والأفراد العاملين المدربين على إصلاح الكابلات، مما يمنح المملكة المتحدة قدرة إصلاح سيادية أثناء النزاع.
وحذّر الخبراء من أن حوالي 42 ألف كيلومتر من الكابلات البحرية تمر عبر المياه البريطانية، وأن الكثير من هذه البنية التحتية، بعيداً عن الساحل، لا تتمتع عملياً بأي حماية مادية.
قال جون أيتكن، القائد السابق للبحرية الملكية، أمام أعضاء البرلمان: "إن قاع البحر يتحول إلى ساحة معركة بطريقة لم نرها من قبل"، في حين حذّر شهود من أن روسيا تستخدم بالفعل الغواصات ومنصات أعماق البحار كجزء من حملة حرب هجينة أوسع نطاقاً مصممة للعمل دون عتبة الصراع التقليدي.