
تحوّل فيلم "نازا"، الذي ينقل شهادات حول الجرائم الإسرائيلية في قطاع غزة بحق المدنيين، إلى أزمة داخلية وخارجية لدولة الاحتلال الإسرائيلي، وسط حالة عامة يسودها الإنكار والغضب لدى معظم الإسرائيليين إزاء الفيلم ومخرجيه يوفال أفراهام وراحيل شور. وبالتزامن مع التحريض الواسع على الأخيرين، والأصوات التي تطالب بطردهما وسحب الجنسية الإسرائيلية منهما، باشرت إسرائيل حملة دولية في محاولة لتقليل الأضرار، تقوم ركائزها على مهاجمة الفيلم والتشكيك في مصداقيته، وإنكار ارتكابها إبادة جماعية في القطاع.
هذا رغم أن فيلم "نازا"؛ ومعناه "ضرر جانبي"، في إشارة إلى المدنيين الذين عادة ما يقتلهم جيش الاحتلال في غزة، وكأنه بغير قصد، عند تنفيذه اغتيالات على وجه الخصوص، يستند إلى شهادات 24 من جنود وعناصر الاستخبارات الإسرائيليين، ويطرح ادعاءات خطيرة وواضحة بشأن السياسة التي يتّبعها جيش الاحتلال في هجماته في قطاع غزة. الهجوم المتواصل على الفيلم يأتي من أقطاب في الحكومة والمعارضة الإسرائيلية على حد سواء، وبرامج تلفزيونية في قنوات إسرائيلية، ومقالات في وسائل إعلام عبرية، فضلاً عن الجيش نفسه وجهات أخرى. كما استخدمته أحزاب إسرائيلية لمهاجمة بعضها بعضاً، خاصة في اتهام رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو خصوماً سياسيين باتّباع نهج مشابه لما جاء في الفيلم.
ورغم مهاجمة جهات في المعارضة للفيلم، استغله نتنياهو، أمس الاثنين، لمآرب سياسية وانتخابية، معتبراً أنّ الفيلم "صادم"، وأضاف: "نحن نحارب تحريضاً عالمياً معادياً للسامية، لكن عندما يأتي الأمر من داخل صفوفنا فهذا لا يُحتمل. الأمر بدأ بيائير غولان (رئيس حزب الديمقراطيين) الذي يقول (في تصريحات سابقة) إننا نقتل أطفالاً كهواية، واستمر ذلك وصولاً إلى المدّعية العسكرية، التي عمّمت مقطع فيديو (يقصد قضية سدي تيمان) كاذباً يسيء لجنود الجيش الإسرائيلي في كل العالم، والآن يقوم مخرجان إسرائيليان بإظهار الجيش كمجرمي حرب ويحظيان بتصفيق حار في مهرجان فينيسيا"، وأضاف نتنياهو بأنّ "المخرجين هما عضوان في رابطة المخرجين والمخرجات، وأن رئيسهم، الذي استقال قبل أسبوع، هو اليوم عضو في حزب (غادي) أيزنكوت". بدوره، أوعز رئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير إلى النيابة العسكرية بفحص خطوات وإجراءات قضائية ضد الفيلم والقائمين عليه، وادّعى أن ما يجري ليس نقداً مشروعاً، بل افتراءات دموية وتشويهات متعمّدة للواقع.
عدا عن أن الحقائق واضحة والواقع يؤكد قتل جيش الاحتلال أكثر من 73 ألفاً من سكان غزة، فإن إحدى المفارقات تكمن في اتهام زامير للمخرجين بعدم فحص الحقائق، علماً أن جيش الاحتلال لا يسمح أصلاً، منذ بداية حرب الإبادة، لوسائل الإعلام بالدخول إلى قطاع غزة، باستثناء من يصطحبهم هو إلى حيث يريد، ووقت ما يريد، وللغايات التي يريدها.
حملة حول العالم لتكذيب الفيلم
وسط حالة الغضب الكبير في الأوساط الإسرائيلية، تعمل إسرائيل على صياغة ردّ رسمي ومنظّم موجّه للساحة الدولية، في وقت تغطي فيه وسائل إعلام مركزية حول العالم بتوسّع، ليس فقط الادعاءات التي يطرحها الفيلم، بل أيضاً طبيعة الردّ الإسرائيلي عليه. ويوم أمس، وزّعت وزارة الخارجية على جميع سفارات إسرائيل حول العالم ورقة رسائل رسمية بعنوان "فيلم نازا - ورقة رسائل". وبحسب موقع واينت العبري، تهدف الرسائل إلى إرشاد الدبلوماسيين إلى كيفية الردّ على الادعاءات التي يطرحها الفيلم وكيفية التعامل مع الصدى الذي يثيره في الخارج. وتأتي هذه الخطوة كجزء من جهد دعائي أوسع، تشارك فيه منظومة الهسباراه (منظومة الدعاية والإعلام الإسرائيلية)، وقسم الناطق باسم جيش الاحتلال، ووزارات ومكاتب حكومية أخرى. وتزعم إسرائيل في رسالتها المركزية إلى العالم، عبر وزارة الخارجية وأذرعها، أنّ الفيلم يقلب الحقيقة رأساً على عقب. وتقول ورقة الرسائل الرسمية إنه رغم عرضه كفيلم وثائقي، فهو في الواقع "عمل خيالي يستخدم غطاءً لدعاية حماس"، وتعتبره جزءاً من حملة أكاذيب وتشويهات ضد إسرائيل.
إحدى القضايا الأساسية التي يُطلب التركيز عليها هي أقوال صانعي الفيلم وبعض من جرت مقابلتهم فيه، بأن أفعال إسرائيل في القطاع تشكّل إبادة جماعية. ويزعم الخط الرسمي الذي صيغ في وزارة الخارجية أنّه "لا توجد إبادة جماعية في قطاع غزة، ومن يدّعي خلاف ذلك إما يكذب أو لا يفهم معنى المصطلح"، كما تدّعي ورقة الرسائل الرسمية أن الجيش الإسرائيلي يلتزم بالقانون الدولي وقوانين الحرب، بما في ذلك مبادئ التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين، ومبدأ التناسب، والحذر في تنفيذ الهجمات. وتزعم دولة الاحتلال أيضاً أنّ العمليات الموصوفة في الفيلم هي جزء من الجهد المتواصل لمنع هجمات حماس، وأن الهجمات تُلغى بشكل روتيني عندما تكون الأضرار المتوقعة للمدنيين غير متناسبة، وفي الحالات التي يكون ذلك ممكناً تُقدَّم تحذيرات مسبقة، كما تواصل إسرائيل مزاعمها حول العالم بأن حركة حماس تعمل من وسط المدنيين، وتسعى إلى زيادة عدد الضحايا الفلسطينيين لاستخدامهم لأغراض دعائية.
500 مدني
نقطة حسّاسة جداً بالنسبة لإسرائيل وجيشها تتعلق بشهادة لافتة في الفيلم، تفيد بأنه في إحدى الحالات مُنحت موافقة لهجوم قد يقتل نحو 500 شخص في غزة. وتنفي ورقة الرسائل الإسرائيلية ذلك بشكل قاطع، مدّعية أن "الجيش الإسرائيلي لم يخطّط، أو يوافق، أو ينفّذ أبداً هجوماً كان من المتوقّع أن يُقتل فيه 500 مدني، أو رقم يقترب من ذلك"، وتدّعي إسرائيل أنه لا وجود لأدلة يمكن التحقّق منها بشأن هذه النقطة، وأن هوية المصدر المجهول ودوره ومدى معرفته بالحادثة لا يمكن فحصها بشكل مستقل.
كما تنفي إسرائيل، في ورقة رسائلها، أن برامج وأنظمة الذكاء الاصطناعي تتخذ قرارات عملياتية بشكل مستقل، مضيفة أن الأدوات التكنولوجية قد تساعد في العمليات العسكرية، لكنها لا تحلّ مكان العنصر البشري. وبحسب الرواية الرسمية، فإن عناصر الاستخبارات هم الذين يحدّدون الأهداف، وضابط مخوّل هو الذي يقرر تنفيذ الهجوم "بعد فحص الاعتبارات العملياتية والقانونية والإنسانية والسياسية". نقطة أخرى تشدد عليها إسرائيل في محاولاتها تكذيب الفيلم هي الهوية المجهولة للمتحدثين فيه. وتدّعي، في هذا السياق، أن بعض الاتهامات شديدة الخطورة تستند إلى أشخاص لا يمكن التحقق من هويتهم، أو مناصبهم، أو حتى من مشاركتهم الفعلية في الأحداث التي يشهدون عليها.
حرب داخلية
انتقدت أصوات إسرائيلية قليلة انشغال إسرائيل بالهجوم على المخرجين وعلى الإساءة لسمعة إسرائيل، بدلاً من الانشغال بجوهر الفيلم حول ارتكاب إسرائيل جرائم حرب ومناقشة ذلك بموضوعية. أصوات أخرى اعتبرت الحديث عن سحب الجنسية وفرض عقوبات أخرى على صانعي الفيلم غير واقعي. في صحيفة هآرتس العبرية، علّق الصحافي والناقد روغل ألبير على اعتزام وزير الثقافة ميكي زوهار العمل على سحب جنسية صانعي الفيلم راحيل شور ويوفال أفراهام. واعتبر ألبير أن هذه الخطوة تعني "إعلان حرب داخلية ورسمياً ضد كل مواطن إسرائيلي يدّعي، استناداً إلى حقائق وشهادات وتحقيقات نُشرت أيضاً في صحيفة هآرتس، ووفق رؤيته الأخلاقية، أن إسرائيل ارتكبت جرائم حرب عديدة في غزة. جرائم تشمل القتل العشوائي لعشرات آلاف المدنيين الأبرياء".
وتساءل ألبير، ملمحاً إلى أنّ قلة قليلة من الإسرائيليين تعارض الممارسات الإسرائيلية. وقال في هذا السياق: "كم عددنا، في الحقيقة؟ يُفترض أننا مئات الآلاف. أولئك الذين يواصلون الصراخ ضد الاحتلال والأبارتهايد في الضفة، رغم المجزرة (السابع من أكتوبر)، وبسببها. إسرائيل لا تريد أن تصغي إلى الحقيقة التي نكشفها ونعكسها وننشرها. إسرائيل التي تسدّ أذنيها تشمل أيضاً معظم الإسرائيليين الممثَّلين في أحزاب المعارضة. حتى (غادي) أيزنكوت، (ويائير) لبيد، (ونفتالي) بينيت و(أفيغدور) ليبرمان لا يريدون معرفة الحقيقة حول جرائم الحرب التي ارتكبتها إسرائيل في غزة. وكذلك مشاهدو القناة 12، وكذلك قرّاء يديعوت أحرونوت. معظم الجمهور في إسرائيل يريد إسكات النقاش، ويعتقد أن الإسرائيليين الذين يثيرونه يتعاونون مع آلية كراهية معادية للسامية ويخونون جنود الجيش".