
تقترب الإمارات التي تمتلك 5 بنوك بالقطاع المصرفي المصري عبر بنوك تابعة لإمارتي أبوظبي ودبي وصناديقها الاستثمارية، من شراء بنك "HSBC مصر"، وذلك بعد تعثر صفقة شرائها بنك "القاهرة" ثالث أكبر بنك حكومي، لتحصل الدولة الخليجية صاحبة الاستحواذات الأكثر في الأصول المصرية على حصة هي الأكبر في أكبر سوق عربي من حيث السكان.
تفاصيل الخبر، تمثلت في إعلان بنك "HSBC مصر"، الأحد، عن اتفاقية لبيع أعماله في مجال الخدمات المصرفية للأفراد إلى بنك "الإمارات دبي الوطني مصر"، في صفقة متوقع إتمامها بالنصف الثاني من عام 2027، وتشمل قروض وودائع وحسابات الأفراد، دون الكشف عن عدد تلك الحسابات، مشيرا إلى تحقق هذه العملية أرباحا تقارب 300 مليون دولار للمجموعة البريطانية متعددة الجنسيات.
وفي حين قرر "HSBC مصر"، التركيز على الخدمات المصرفية للشركات والاستثمار وإدارة الثروات والانسحاب من قطاع التجزئة المصرفية في توجه يجري بأفرع البنك بكندا وفرنسا وجنوب إفريقيا وسريلانكا وأستراليا والأرجنتين والبحرين وبنجلاديش وغيرها منذ عام 2024، فإن البنك الإماراتي فاز بأصول متمثلة بشبكة الفروع وأجهزة الصراف الآلي، بعد منافسة من بنوك: "التجاري الدولي" و"قطر الوطني" و"كيو إن بي" الأهلي، في صفقة لها تأثيرها على القطاع المصرفي المصري، وفق محللين.
"HSBC مصر"، الذي يعمل في مصر منذ العام 1982، تحت اسم بنك "هونج كونج" المصري، ثم "المصري البريطاني"، ثم "HSBC مصر" ويمتلك أكثر من 40 فرعا، خروجه من السوق المصري، كان قد سبق خطوته تلك بيع "سيتي بنك" محفظة خدمات الأفراد التابعة له للبنك "التجاري الدولي"، في تشرين الأول/أكتوبر 2015، ونقل أصول بقيمة 140 مليون دولار وودائع بقيمة 190 مليون دولار.
وبنك "الإمارات دبي الوطني"، الذي تمتلك إمارة دبي حصة الأغلبية منه عبر مؤسستي "دبي للاستثمارات الحكومية" و"دبي القابضة" بنحو 56 بالمئة، يعمل في 13 دولة بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا وجنوب آسيا، ويخدم 25 مليون عميلا، بإجمالي أصول تقدر بـ360 مليار دولار؛ تمثل الصفقة الحالية ثاني صفقاته بالصيف الجاري، بعد استحواذه في حزيران/يونيو الماضي على 60 بالمئة من بنك "آر بي إل" الهندي مقابل 2.8 مليار دولار، وتتزامن مع محادثات للاستحواذ على بنك "إتش إس بي سي هولدينغز" بتركيا.
وبحسب نشرة "انتربرايز" الاقتصادية، "فمن شأن هذه الصفقة أن تجعل بنك (الإمارات دبي الوطني) سادس أو سابع أكبر كيان للخدمات المصرفية للأفراد في مصر"، ليأتي خلف بنوك: "الأهلي"، و"مصر"، و"التجاري الدولي"، و"القاهرة"، و"كيو إن بي" الأهلي، ليتسع نشاطه بسوق كبيرة تضم 37 بنكا مرخصا، تستحوذ فيه البنوك الخمسة الكبرى على 69.7 بالمئة من أصول القطاع، و67.2 بالمئة من الودائع، و73.1 بالمئة من القروض.
وتسجل ودائع الأفراد لدى "HSBC مصر" نحو 142.8 مليار جنيه مقابل قروض بقيمة 18.9 مليار جنيه خلال الربع الأول من 2026، واستحوذت القروض الشخصية على 13.6 مليار جنيه من الإجمالي، بينما بلغت قروض بطاقات الائتمان 5.2 مليار جنيه.
ويشير محللون إلى دور الصفقة في مضاعفة محفظة البنك الإماراتي المدرج في سوق دبي المالي بقيمة سوقية تصل إلى 52 مليار دولار، إذ يقدر المحلل المصرفي والمالي هاني أبوالفتوح، حجم قاعدة عملاء خدمات الأفراد النشطين لدى "HSBC مصر" بحوالي 330 ألف عميل، مبينا لـ"انتربرايز"، أنها "تتجاوز قاعدة البنك الإماراتي 1.5 مرة"، ملمحا إلى أن "محفظة قروض الأول تعادل نحو 80 بالمئة من حجم محفظة الأخير".
وسجل البنك الإماراتي صافي أرباح بلغ 1.7 مليار جنيه بنهاية آذار/مارس الماضي مقارنة بـ 1.4 مليار جنيه بنهاية آذار/مارس 2025، بنسبة نمو بلغت 22 بالمئة، وعلى مستوى المركز المالي، ارتفع إجمالي الأصول بنسبة نمو بلغت 14 بالمئة، لتصل إلى 237 مليار جنيه، مما يعكس قوة قاعدة الأصول واستمرار التوسع في الأنشطة التشغيلية.
بين الثقة والتنافس والاحتكار
وكما أثارت الصفقات الإماراتية جدلا بالشارع المصري منذ عام 2022، أعادت الصفقة الجديدة حالة الرفض للاستحواذات الإماراتية في مصر تحسبا لتداعيات الأمن القومي والأمن الاقتصادي، إلى الواجهة، كما أثار خروج "HSBC مصر" من قطاع التجزئة المخاوف من تراجع جاذبية السوق المصري، للبنوك العالمية الكبرى.
وبينما يرى مراقبون أن "اندماج محفظة تجزئة (HSBC مصر)، مع (الإمارات دبي الوطني)، تعكس ثقة المستثمر الإماراتي بالسوق المصرية وقدرتها على تحقيق الأرباح؛ في المقابل، يتخوفون من "تركز الملكية لدى دولة واحدة ما يقلل من التنافس ويجعل السوق أكثر خضوعا للسياسات الاقتصادية الخارجية".
ويلفتون إلى أن "استحواذ البنك الإماراتي الجديد يمنحه توسعا كبيرا بقاعدة العملاء والودائع، ويزيد حصة بنوك الإمارات ويعزز قدرة رأس المال الدولة الخليجية على التأثير بالسوق المصرفي ويرفع مخاوف الاحتكار عليه"، مشيرين إلى "ضرورة انتباه الحكومة لوضع سقف لسيطرة دولة واحدة على نسبة حرجة من مدخرات وودائع المصريين، واحتمالات تأثر أسعار الفائدة والخدمات المصرفية".
3 مخاطر بنيوية
وفي قراءته الاقتصادية تحدث الخبير الاقتصادي والأكاديمي المصري الدكتور علي شيخون، لـ"عربي21"، حول ما تمنحه تلك الصفقة للإمارات من فرصة للتحكم والسيطرة في السوق المصري الأكبر عربيا، والحدود الآمنة للملكية الأجنبية في هذا القطاع الحيوي.
وقال: "الخطر الحقيقي ليس بالصفقة منفردة فحصة تجزئة (HSBC مصر) صغيرة نسبيا بسوق يهيمن عليه الأهلي ومصر والتجاري الدولي، إنما بالمسار التراكمي لصفقات الإمارات المصرفية بمصر، فحين تجمع كيانات دولة واحدة (أبوظبي الأول، أبوظبي الإسلامي، أبوظبي التجاري، الإمارات دبي الوطني، المشرق) حصصا متنامية في الائتمان والودائع، مع استحواذات صناديقها السيادية وودائعها الدولارية لدى البنك المركزي المصري تنشأ 3 مخاطر بنيوية".
أولى المخاطر وفق مستشار التطوير المالي والإداري، أن "اتخاذ قرارات ائتمانية مؤثرة بالسوق المصري في مراكز قرار خارج مصر، فإذا تعرضت الإمارات لأزمة أو تغيرت حساباتها السياسية انكمش إقراض هذه البنوك كلها دفعة واحدة، وانتقلت الأزمة من هناك للسوق المصري".
وثانيها: "تآكل الوظيفة التنموية للجهاز المصرفي، لأن البنوك الخليجية بمصر تميل تاريخيا للربح الآمن من أذون الخزانة وتمويل الشركات الكبرى وتجزئة الشرائح العليا وليس تمويل الصناعة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة الذي يحتاجه الاقتصاد فعلا"، بحسب الخبير المصري.
ولفت ثالثا، إلى ما اعتبره "دورة تستحق التأمل"، مبينا أن "هذه البنوك تجذب ودائع بالجنيه من المدخر المصري، وتوظفها بأذون الخزانة، ثم تحول أرباحها دولارا إلى الخارج؛ فالمدخر المصري نفسه يمول أرباحا تخرج بالعملة الصعبة، ويتحول عبء النقد الأجنبي من دين يُسدد وينقضي إلى نزيف دائم لا ينقضي".
سر الإصرار الإماراتي
ورغم تعثر صفقة بنك القاهرة ألمح الخبير المصري إلى أن الإصرار الإماراتي على الصفقة الجديدة "يأتي ضمن خطة معلنة للمجموعات المصرفية الإماراتية للتمدد بالمنطقة، ومصر الهدف الأغلى له فعدد سكان يصل 110 ملايين نسمة، وفوائد مرتفعة تدر أرباحا وفيرة، وأصول صارت رخيصة بالدولار بعد التعويمات المتتالية للجنيه".
وأوضح أن "هذا لا ينفصل عن سباق خليجي على النفوذ المالي بالمنطقة ومصر جائزته الكبرى؛ تتقدمه أبوظبي ودبي بخمسة بنوك، وتنافسهما الدوحة عبر بنك (قطر الوطني الأهلي)، بينما تكتفي الرياض حتى الآن بحصص استثمارية دون تملك بنوك، والصفقات في هذا السباق تثبيت حضور مالي دائم بأكبر سوق عربي".
واستدرك قائلا: "لكن هذا التوسع له وجه آخر فالبنوك الإماراتية تشتري أصولا مصرية بدولار قوي بعد أن فقد الجنيه أكثر من ثلثي قيمته منذ عام 2022؛ فهي تستفيد من أزمة الاقتصاد المصري فتشتري بثمن لحظة الضعف أصولا ستدر أرباحا لعقود، ومعلوم أن الدولة المحتاجة للدولار اليوم ترحب بالبيع مهما كانت كلفته غدا. وتعثر صفقة بنك القاهرة يؤكد المعنى نفسه فالخلاف كان على الثمن لأن المشتري أراد الشراء بسعر الأزمة، والبائع أدرك أن ما يبيعه يساوي أكثر من ذلك بكثير".
وفي 10 حزيران/يونيو 2013، تم استحواذ بنك" الإمارات دبي الوطني" على بنك "بي إن بي باريبا"، (فرع مصر) بقيمة بلغت 500 مليون دولار، ليدخل البنك الإماراتي إلى السوق المصرفي المصري.
وفي 20 تشرين الثاني/يناير 2021، استحوذ بنك "أبوظبي الأول" على كامل حصة بنك "عودة" بـ600 مليون دولار، ما جعل البنك الإماراتي أحد أكبر البنوك الأجنبية العاملة بمصر من حيث الأصول، بـ72 فرعا وبنحو 120 مليار جنيه مصري (8.1 مليار دولار)، حينها.
وفي نيسان/أبريل 2022، استحوذت "القابضة ADQ" (صندوق أبوظبي السيادي) على حصة 18.5 بالمئة من أسهم "البنك التجاري الدولي" (CIB) أكبر البنوك الخاصة في مصر، بقيمة بلغت نحو 911 مليون دولار.
وفي حزيران/يونيو 2025، تعثرت مفاوضات استحواذ بنك "الإمارات دبي الوطني" على كامل أسهم "بنك القاهرة" بسبب خلافات حول التسعير والقيمة النهائية للصفقة مع عرض البنك الإماراتي 1.2 مليار دولار ثم 1.5 مليار دولار، بينما تمسكت الحكومة المصرية بـ1.8 مليار دولار لقاء كامل الأسهم.
تقييم المخاطرة العالية
ويرى شيخون، أنه "لا يمكن الحكم إن كان الثمن عادلا أو مجحفا، لسبب بسيط أن الثمن نفسه لم يُعلن، والمعلن فقط أن (HSBC مصر) سيربح من البيع 300 مليون دولار؛ لكن هناك أسئلة يحق للجهات الرقابية وللرأي العام طرحها: بكم قُدّرت المحفظة المبيعة مقارنة بقيمتها الحقيقية في الدفاتر؟، وكم سيدفع المشتري مقابل ما يحصل عليه جاهزا دون عناء متمثلة في قاعدة عملاء من الشرائح الميسورة، وشبكة فروع وصرافات قائمة؟، وهل حُسبت ودائع العملاء بقيمتها الفعلية، وهي أثمن ما في الصفقة لأنها أموال منخفضة التكلفة يعيد البنك توظيفها بفوائد مرتفعة؟".
ويعتقد أن "في الرقم المعلن نفسه دلالة؛ فإذا كان كل ما سيجنيه (HSBC مصر) من بيع نشاط بناه في مصر على مدى 44 عاما هو 300 مليون دولار، فهذا ثمن متواضع لا يليق بحجم الأصل، وتفسيره أن المشتري خصم من السعر كلفة المخاطر المصرية متمثلة في تقلب سعر الصرف، وصعوبة تحويل الأرباح للخارج، والتضخم. وهذه في ذاتها شهادة مقلقة، فالصفقة تكشف أن العالم يسعّر مصر بسعر المخاطرة العالية، وهذا أخطر ما فيها وأولى بالوقوف عنده من الصفقة ذاتها".
في سابقة في علاقات مصر والإمارات الاقتصادية، ونتيجة لمخالفات جسيمة، وفي تموز/يوليو 2025، فرض البنك المركزي المصري غرامة مالية بلغت 652 مليون جنيه على بنك "أبوظبي التجاري- مصر"، بسبب عدم الالتزام بنسب تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة والمحددة بنسبة 25 بالمئة من إجمالي محفظة القروض.
وفي تشرين الأول/أكتوبر 2025، فرض البنك المركزي المصري غرامة مالية قدرها 21 مليون دولار على بنك "أبوظبي الأول – مصر"، ثالث أكبر بنك أجنبي يعمل في السوق المصرية نتيجة مخالفته القواعد المنظمة لمنح التسهيلات الائتمانية لشركة "بلتون القابضة" التابعة لمجموعة "شيميرا" الإماراتية.
الحدود الآمنة للملكية الأجنبية
وأشار الخبير المصري إلى "مفارقة أن قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي (رقم 194 لسنة 2020) لا يضع سقفا لجنسية الملكية أصلا؛ فالضابط الوحيد موافقة البنك المركزي على تجاوز نسب معينة من رأس المال، وهي موافقة تُمنح حالة بحالة دون معيار معلن للتركز الجغرافي للملكية".
وبين أن "المقارنة الدولية كاشفة؛ فكندا وأستراليا وأمريكا تفرض قيودا فعلية على السيطرة الأجنبية على بنوكها ذات الأهمية النظامية، والسعودية والإمارات نفسها تضبطان تملك الأجانب في بنوكهما بضوابط صارمة، بينما تفتح مصر قطاعها -تحت ضغط الحاجة للدولار- دون إطار معلن".
وأكد أن "الحد الآمن الذي يمكن الدفع به ألا تتجاوز الملكية المرتبطة بدولة واحدة نسبة تحوطية من إجمالي أصول القطاع أو ودائعه (تتراوح الاجتهادات المقارنة بين 15 بالمائة و25 بالمئة)، مع تصنيف البنوك ذات الأهمية النظامية المحلية وإخضاع أي استحواذ عليها لاختبار مصلحة وطنية، واشتراطات توظيف ائتماني محلي، وضوابط متدرجة على تحويل الأرباح في سنوات الشح الدولاري".