
أعاد انحسار مياه النيل في السودان المخاوف من تدهور الزراعة وشبح مجاعة، وسط جدل متجدد حول دور سد النهضة الإثيوبي في التحكم بالتدفقات، وما إذا كان غياب اتفاق ملزم بين الدول الثلاث (إثيوبيا، السودان، مصر) سيقود إلى أزمة أعمق في المستقبل. فالمشاهد التي تداولها السودانيون لانخفاض منسوب النهر بدت أكثر من مجرد ظاهرة طبيعية موسمية؛ إذ ارتبطت مباشرة بالتحكم في التصريف من السد، لتثير قلقاً شعبياً ورسمياً.
وزارة الري السودانية أكدت يوم الجمعة الماضي أن الانخفاض مؤقت، ولكنه يعكس تغيراً في هيدرولوجيا النهر (حركة المياه ودورتها) بفعل تشغيل سد النهضة، وهو ما ينسجم مع ما أشار إليه خبراء مصريون بأن صور الأقمار الاصطناعية أظهرت بالفعل حجزاً للمياه مع بداية موسم الفيضان. هذه المعطيات دفعت وزير الري المصري الأسبق محمد نصر الدين علام إلى التحذير من أن انخفاض فيضان هذا العام بدأت علاماته في السودان، داعياً إلى تنسيق عاجل بين إثيوبيا والسودان ومصر لتقليل الضرر وتعظيم الفائدة من الكهرباء التي يولدها السد.
ظهور الكثبان الرملية في مجرى النيل
بدأت آثار نقص المياه تعم السواد الأعظم من مواطني ولاية الخرطوم بعد أن ظهرت الكثبان الرميلة داخل مجرى النيل قبالة جزيرة توتي، ما دعا السلطات المحلية في الخرطوم إلى تنفيذ خطوات لمعالجة نقص الإمداد المائي في منطقتي الشجرة والحماداب في جنوب الخرطوم، بالتنسيق مع هيئة مياه الولاية، بهدف إعادة استقرار الخدمة خلال الفترة المقبلة. فيما كثفت الولاية جهودها لإعادة تأهيل الآبار، واستبدال الأنابيب القديمة، وتشغيل بعض الآبار بالوقود والطاقة الشمسية لتعويض النقص في الإمداد.
وطمأنت محلية الخرطوم في بيان المواطنين بأن معالجة مشكلة المياه مستمرة في عدد من المحطات، فيما تتواصل أعمال صيانة الشبكات الداخلية وتشغيل الآبار ذات الإنتاجية العالية. وأضافت أن مساهمات المجتمع المحلي أسهمت في حفر آبار جديدة وتأهيلها، ما ساعد في الحد من تأثير الأزمة على السكان في عدد من المناطق.
وتواجه عدة مناطق في ولاية الخرطوم نقصاً في المياه خلال الأسابيع الأخيرة، بعد خروج محطتي بحري وصالحة عن الخدمة نتيجة انخفاض منسوب النيل، وفق ما أعلنت السلطات، ما أدى إلى ضعف الإمداد أو انقطاعه في عدد من الأحياء.
وأطلق مزارعون تحذيرات من فشل الموسم الزراعي الحالي بسبب النقص الحاد في المدخلات الزراعية وانخفاض معدلات المياه. وتأتي هذه الأزمة في وقت تتشابك فيه التعقيدات اللوجستية الدولية مع العراقيل البيروقراطية الداخلية، ما يهدد الأمن الغذائي للبلاد ويدق ناقوس الخطر.
تحذيرات من تدهور الزراعة وتفشي المجاعة
سبق أن حذر اتحاد مزارعي الجزيرة والمناقل من أن أي انخفاض في المياه سيؤثر بدوره على المشاريع الزراعية الرئيسية، من بينها مشروع الجزيرة والرهد وامتداد المناقل. غير أن وزارة الزراعة والري طمأنت المزارعين بأن الوضع تحت السيطرة، وقالت في بيان سابق لها إن عمليات الإمداد المائي تسير بصورة جيدة بالتنسيق مع القائمين على أمر بوابات خزان الروصيرص.
ومع تفاقم الأوضاع، قالت وزارة الزراعة والري إن تراجع تصريف سد النهضة الإثيوبي أدى إلى انخفاض مؤقت في مناسيب نهر النيل بعد تسجيل هبوط واضح في الوارد المائي خلال الأيام الماضية. وأوضحت إدارة الخزانات أن وارد بحيرة الروصيرص انخفض بين 7 و9 يوليو/ تموز من 207 ملايين إلى 129 مليون متر مكعب يومياً، وأضافت أن تراجع الوارد انعكس على التصريف خلف خزان الروصيرص بانخفاض بلغ 100 مليون متر مكعب يومياً، وعلى خزان سنار بنحو 82 مليون متر مكعب يومياً خلال الفترة من 7 إلى 10 يوليو.
يرى مراقبون واقتصاديون أن استمرار هذه الأزمة لن تتوقف أضراره عند حد الخسائر المادية للمزارعين فحسب، بل سينعكس سلباً وبشكل مباشر على نجاح الموسم الزراعي بأكمله. وتتزايد المخاوف من أن يؤدي هذا التراجع الحاد في الإنتاجية إلى تفشي شبح المجاعة في البلاد، ما يهدد حياة ملايين المواطنين، لا سيما الأطفال والفئات الأكثر هشاشة في المجتمع، والذين سيكونون الضحية الأولى لنقص الغذاء وسوء التغذية.
أما وكيل وزارة الري الأسبق أحمد محمد آدم فأكد، في حديثه لـ "العربي الجديد"، أنه قبل عملية ملء سد النهضة التي بدأت في عام 2021، كانت المياه ومناسيبها عالية على طول مجرى النهر أثناء فترة الفيضان (يوليو/ تموز - سبتمبر/ أيلول)، ومع بداية الملء، حصلت ظاهرة إلهية وهي ارتفاع مناسيب بحيرة فيكتوريا، وزادت إيرادات النيل الأبيض بصورة غير عادية وبلغ الإيراد السنوي حوالي 60 مليار م3 مقارنة مع المتوسط السنوي البالغ حوالي 28 مليار م3 فقط، وبذا تم التعويض في النقص الحاصل في إيراد النيل الأزرق، ولذا فالمناطق الواقعة شمالاً لم تتأثر بسد النهضة، بل إن الزيادة في إيراد النيل الأبيض أدت إلى زيادة التوليد الكهربائي في سد مروي.
وحسب آدم، استمر هذا الحال طوال فترة الملء (2021-2025)، وبعد اكتمال ملء سد النهضة، كان الإيراد اليومي الواصل من النيل الأزرق في حدود 160 مليوناً إلى 170 مليون م3، ولكن هذا العام انحسر الإيراد الواصل من النيل الأبيض، ومع قلة الإيراد اليومي الوارد من النيل الأزرق بسبب سد النهضة، ظهرت المشكلة وشعر بها المواطنون شمال سد مروي. وأكد أن سد النهضة يقوم بحبس مياه النيل الأزرق ويتم تخزين مياه الفيضان.
فخ سد النهضة
الخبير الدولي في القانون الدولي للموارد المائية والعضو السابق في وفد السودان المفاوض أحمد المفتي يقول لـ"العربي الجديد": "أساساً سد النهضة يتسبب في انحسار للمياه غير مسبوق في مرحلة ملئه لأنه يحول دون انسياب المياه كما كان في السابق، وبعد أن يكتمل امتلاؤه، فإن أي أمطار تصب وإثيوبيا في غير حاجة لها فسوف تجعلها تنساب لتحدث فيضانات. كما أن تشغيل السد وتوليد الكهرباء يؤثر على المياه المنسابة أسفل النهر إلى السودان، خاصة عندما لا يحدث ذلك بتنسيق مع السودان، لأن السودان كان يدير سدوده قبل سد النهضة بمتابعة لصيقة للفيضان الطبيعي معروفة تدفقاته فيتحكم في المياه؛ وعندما يكون الفيضان أكثر من المتوسط، تحدث فيضانات محدودة ومقدور عليها، وإذا كان الفيضان أقل من المتوسط، تحدث انحسارات مقدور عليها كذلك".
ويتابع: "أما ملء وتشغيل خزان بسعة أكثر من 60 مليار م3 (أكثر من الإيراد السنوي) من دون تنسيق مسبق مع دول أسفل النهر، فإنه من الطبيعي أن يحدث كوارث، انحساراً أو فيضاناً، وذلك بخلاف إدارة السد العالي التي تحول المياه الزائدة عن سعة السد العالي، وهي أكثر من ضعف سعة سد النهضة (160 مليار م3)، والتي يصرف الفائض منها عبر قناة توشكى ولا يدعه يسبب فيضانات على امتداد النيل، وفي حالة ضعف الهطول المطري، يُستخدم مخزون السد العالي من المياه لسد النقص، وهكذا حسن إدارة السدود.
ويضيف: لذلك فإن مطلب السودان ومصر حالياً هو اتفاق قانوني ملزم للملء والتشغيل، ولكن هنالك مطالب أخرى عديدة ظللنا نشير إليها، ومن بينها: أمان السد والأمن المائي الذي نصت عليه اتفاقية عنتيبي التي صادقت عليها إثيوبيا ولكنها رفضت النص عليه في إعلان مبادئ سد النهضة لسنة 2015 ولم يعترض السودان على ذلك. إذاً، الأمر يتعلق بإجراءات تشغيل سد النهضة أحادياً، ولا أعتقد أن إثيوبيا تخطر السودان مسبقاً، ولذلك فإن الطلب الملح للسودان هو إبرام اتفاق قانوني ملزم للملء والتشغيل".
ويقول المفتي إن المنسوب قطعاً سوف يعود إلى معدلاته الطبيعية، ولكنه سرعان ما يتجاوزها ويصبح فيضاناً أكثر ضرراً من الانحسار، وأضاف: "لا أعتقد أنه يوجد تنسيق، وإلا لما بقي السودان يطالب بالاتفاق القانوني الملزم".
وانتقد المفتي بيان وزارة الزراعة التي تقول فيه إن السودان يستفيد من سد النهضة أكثر من إثيوبيا، وقال: "حتى الآن لم تهتم بالأمن المائي وأمان السد، فماذا تتوقع منها؟"، ويقول إنها "تظل تغرق الناس بالأرقام لتسهل المغالطة، لكن لنتذكر أنها هي التي وعدت الناس بكهرباء مستدامة ورخيصة من سد النهضة، فأين هي تلك الكهرباء الآن؟ صفر كبير".
انخفاض منسوب النيل
من جانبه، يقول المختص السوداني في شؤون المياه إبراهيم شقلاوي إن ما كشفته الأيام الماضية من تعثر محطات مياه (بحري وأبو سعد والمنارة) بولاية الخرطوم، وتراجع كفاءة طلمبات الري على امتداد النيل الأزرق والنيل الرئيسي، بالتزامن مع الجدل المتجدد حول سد النهضة، يعكس خللاً مؤسسياً في إدارة أحد أهم الموارد السيادية والتنموية للبلاد، بعد أن فقد الملف كثيراً من ثقله الاستراتيجي داخل هيكل الدولة، وتراجع حضوره في أولويات صانع القرار.
ويؤكد شقلاوي أن الأمن المائي لم يعد ملفاً فنياً يقتصر على حسابات المناسيب وتشغيل الخزانات، بل أصبح أحد أعمدة الأمن القومي والسيادة الوطنية؛ فالدول التي تفقد السيطرة على إدارة مواردها المائية تفقد مواردها الاقتصادية، بجانب أنها تتنازل عن جزء من استقلال قرارها السياسي، لذلك فإن قراءة ما يحدث اليوم ينبغي ألا تتوقف عند انخفاض منسوب النيل، وإنما عند الرسائل التي يحملها هذا الانخفاض إلى قيادة الدولة.
وأشار شقلاوي إلى بيان وزارة الزراعة والري بشأن استقرار الموقف المائي لطمأنة المواطنين، وقال إن البيان نفسه كشف عن حقيقة مزعجة، وهي أن السودان دخل بالفعل مرحلة هيدرولوجية جديدة فرضتها المتغيرات في حوض النيل، وفي مقدمتها تشغيل سد النهضة؛ فالبيان الذي أكد أن الموقف المائي مستقر ومطمئن، وأرجع الانخفاض في مناسيب النيل إلى تراجع تصريفات السد، حمل ضمنياً اعترافاً بأن إدارة النهر لم تعد كما كانت، وأن السودان أصبح يتعامل مع واقع مائي جديد يحتاج إلى أدوات مختلفة ورؤية أكثر استباقية.
ويؤكد أن مركز الأزمة يبقى لدى المواطن؛ فالمزارع والأسرة لا يقرآن مؤشرات المناسيب وتقارير التشغيل، بل يقيسان بمدى وصول المياه إلى الحقل والمنزل، لذلك فإن الشفافية في تفسير الأزمة وإعلان مسارات المعالجة ليست إجراءً إعلامياً، بل جزء من منظومة الأمن المائي وبناء الثقة.