
لم تقتصر زيارة قائد "فيلق القدس" في الحرس الثوري الإيراني الجنرال إسماعيل قاآني إلى بغداد، السبت الماضي، على بحث أزمة تشكيل الحكومة بعد زيادة حدة الخلافات بين قوى الائتلاف الحاكم في العراق "الإطار التنسيقي" وأحزابه، إذ كشف عضو سابق في البرلمان العراقي، ومصدر مقرّب من جماعة عراقية مسلحة، عن عقد المسؤول الإيراني لقاءات مع قادة فصائل مسلحة. وبحسب ما ذكر المصدران، اللذان فضّلا عدم ذكر اسميهما، فإن اللقاءات "أفضت إلى تفاهمات حول تشكيل غرفة عمليات للتنسيق العسكري والميداني، تحسباً لاستئناف الحرب مجدداً، مع إجراءات أمنية واسعة نفذتها بعض الفصائل تتعلق بمواقعها الرئيسة والبلدية، وأخرى تقنية تشمل هواتفهم ومصادر الاتصال بشبكة الإنترنت، تحسباً من أي اختراق".
وأجرى قاآني، السبت الماضي، زيارة لبغداد هي الأولى من نوعها منذ الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، في فبراير/ شباط الماضي، وعقد سلسلة من اللقاءات مع قيادات سياسية وزعماء فصائل مسلحة، قبل أن يغادر الأحد عائداً إلى إيران برّاً. وكتب قاآني عقب ذلك رسالة، أول أمس الاثنين، قال فيها إنّ تشكيل الحكومة واختيار رئيس الوزراء "حق للشعب العراقي"، مؤكداً أنّ "مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية" ينبغي لهم عدم التدخل في شؤون العراق، في إشارة إلى الضغوط الأميركية على بغداد في هذا الشأن.
وشدد على أنّ اختيار رئيس الوزراء "يتم حصراً على أساس قرار عراقي"، مضيفاً في رسالته، أنه زار بغداد لإبلاغ شكر شعب إيران ونظامها إلى الشعب العراقي والمرجعية الدينية العليا والمسؤولين في البلاد بسبب تضامنهم ودعمهم لطهران في الحرب. في هذا السياق، كشف اثنان من المسؤولين العراقيين؛ الأول سياسي بارز وعضو سابق في البرلمان عن تحالف "الفتح"، بزعامة هادي العامري، والآخر مُقرب من فصيل عراقي ضمن "الحشد الشعبي"، لـ"العربي الجديد"، عن تشكيل غرفة عمليات مشتركة للتنسيق بين الفصائل عسكرياً وميدانياً، في حال استأنفت الولايات المتحدة وإسرائيل العدوان على إيران.
وقال البرلماني السابق، إنّ زيارة قاآني شملت "بعض الإجراءات المتعلقة بتنسيق الردود والعمليات العسكرية في حال تجدد القتال"، مؤكداً أنّ لقاءات مع كبار قادة الفصائل العراقية تمت خلال الزيارة، كما أنه تمت مقاطعة قيادات فصائلية أخرى من لقاءات قاآني في موقف فُسّر على أنه مقاطعة إيرانية لأي فصيل لم يتدخل بالحرب بشكل مباشر، مبيناً أنّ "غالبية الفصائل المنخرطة ضمن الحرب تقوم بإجراء عمليات مراجعة واسعة، أمنية واستخبارية، لأن استئناف الحرب يعني عودة القصف على مقراتها في العراق أيضاً".
بدوره، أشار المصدر الآخر وهو مقرّب من فصيل مسلح ببغداد، إلى أن 9 فصائل دخلت في غرفة عمليات للتنسيق الميداني، وتجاوز صعوبات التواصل والتنسيق السريع فيما بينها، مضيفاً لـ"العربي الجديد"، أنّ "كتائب حزب الله"، و"النجباء"، و"أنصار الله الأوفياء"، أبرز تلك الجماعات التي دخلت ضمن التنسيق في هذه الغرفة. وتحدث المصدر، عن إجراءات واسعة تجريها الفصائل لتأمين مواقع ومخازن سلاحها، ومقرات إقامة ومبيت أفرادها وقادتها، تشمل ترك المقرات القديمة وأخذ مقرات أخرى جديدة، مع تغيير الهواتف وأجهزة الاتصال، وشمل ذلك حتى السيارات المستخدمة لديها، تحسباً من عمليات اختراق في صفوفها.
وكشف عن إيصال قاآني رسائل إيرانية، بأن التجاوب مع الضغوط الأميركية بشأن تفكيك الفصائل (العراقية) ونزع سلاحها، "سيفهم بأنه خطوة معادية للجهورية الإسلامية"، وفقاً لقوله.
الخبير بالشأن الأمني العراقي، علي السراج، قال لـ"العربي الجديد"، إنّ "استمرار تحليق الطائرات المسيرة في الأجواء العراقية، لا سيما في بغداد ومناطق جنوب ووسط البلاد، يعني أنّ الجانب الأميركي يقوم بعمليات مسح ومراقبة واسعة، وقد تكون ضمن سعي تكوين بنك أهداف جديدة له، في حال عودة الحرب وانتهاء الهدنة بين إيران والولايات المتحدة".
ووصف السراج إجراءات الفصائل الاستباقية بأنها "حق مشروع للدفاع عن نفسها". وأشار إلى أن العلاقة بين العراق والإدارة الأميركية تمرّ في أسوأ حالات الثقة، بعد إخفاق الحكومة والقوى السياسية الشيعية في ضبط تحركات الفصائل أو منع هجماتها، و"هو ما يجعل المواجهة بين الفصائل وواشنطن، تتخطى حلقة الحكومة وتكون مباشرة"، وفق قوله.
وفي وقت سابق، اعتبر قائد جماعة "النجباء"، أكرم الكعبي، أنّ "سياسة الغطرسة الأميركية، لن تنفع مع محور المقاومة"، في إشارة منه إلى التأكيد على رفض أي دعوات لحل الفصائل العراقية أو نزع سلاحها. وبدوره، اعتبر القيادي في منظمة "بدر"، وعضو البرلمان حامد الموسوي "الأجندات التي تسعى واشنطن لتنفيذها في العراق، تهدف لتأمين مصالحها الخاصة على حساب المصلحة الوطنية العليا للعراق". وحذر، في تصريحات صحافية، أمس الثلاثاء، من أنّ "استمرار الهيمنة الأميركية بأساليب مختلفة يعوق استقلال القرار العراقي ويمنع البلاد من بناء شراكات اقتصادية دولية متوازنة"، معتبراً أنّ "الولايات المتحدة تستخدم الضغوط الاقتصادية والسياسية أدوات لفرض إرادتها".