
إن فكرة غزو إيران وإسقاط نظامها أقرب إلى الوهم الاستراتيجي، ففي كل موجة تصعيد بالشرق الأوسط يعود سؤال قديم بصيغة جديدة: هل يمكن “إنهاء” إيران عسكريًا كما أُنهي نظام صدام؟ وهل تكرار تجربة الاحتلال في أفغانستان وارد؟
الجواب الأقرب للواقعية: إيران حالة مختلفة؛ ليست سهلة الاحتلال كأفغانستان، ولا قابلة للانهيار السريع كعراق 2003.
وأي تصور لإسقاط النظام بالقوة يمر عبر حقل ألغام سياسي-عسكري شديد التعقيد.
1) خطأ المقارنة: العراق 2003 ليس نموذجًا يُستنسخ
غزو العراق عام 2003 كان ممكنًا لاعتبارات عدة:
- عزلة دولية خانقة لنظام صدام بعد سنوات من العقوبات والحصار.
- تفوق جوي مطلق للتحالف مع قدرة على شلّ القيادة والسيطرة بسرعة.
- جغرافيا مفتوحة نسبيًا تسهّل حركة القوات البرية.
والأهم: تفكك الدولة بعد سقوط الرأس؛ إذ انهارت البنية بسرعة ثم دخلت البلاد في فوضى أمنية وسياسية.
أما إيران، فحتى لو افترضنا تفوقًا جويًا للخصوم عليها ، فإن “سيناريو قطع الرأس” لا يضمن انهيار الدولة. النظام الإيراني ليس شخصًا واحدًا ولا جهازًا واحدًا؛ بل شبكة مؤسسات أمنية وعسكرية وإدارية ممتدة، قادرة على الاستمرار حتى تحت ضربات قاسية.
2) لماذا الغزو البري لإيران بالغ الصعوبة؟
إذا كان احتلال أفغانستان استنزافًا، فإن غزو إيران قد يكون “استنزافًا مضاعفًا” لأسباب موضوعية:
أ) الحجم والعمق الاستراتيجي
إيران بلد كبير المساحة والسكان مقارنة بأفغانستان والعراق. هذا يعني ببساطة: خطوط إمداد أطول، جبهات أكثر، وحاجة لقوات أكبر بكثير لضبط الأرض.
ب) الجغرافيا ليست صديقة للغزاة
الجبال الوعرة، والممرات الطبيعية، والتضاريس المتنوعة تخلق “مناطق قتل” للقوات المتقدمة، وتجعل السيطرة البرية مكلفة.
في الحروب الحديثة، الجغرافيا ليست مجرد خرائط؛ هي عامل يضاعف الخسائر ويبطئ الحسم.
ج) ايران دولة مركزية وأجهزة صلبة
اما أفغانستان فعانت تاريخيًا من ضعف المركز وسيادة البُنى القبلية، مما جعل الاحتلال صعبًا “إداريًا”.
أما إيران، فعلى العكس، تمتلك دولة مركزية، وبنية أمنية وعسكرية كثيفة. وهذا لا يجعلها سهلة؛ بل يجعلها أصعب، لأن الخصم لا يواجه فراغًا، بل يواجه دولة تمتلك أدوات تعبئة وضبط ومقاومة منظمة.
3) الدرس الأفغاني: أمريكا ربحت المعارك في أفغانتسان، لكنها خسرت النهاية
الخطأ الأمريكي في أفغانستان لم يكن نقص القوة النارية؛ بل كان خللًا في تحديد الهدف من ذلك الغزو:
- فشل إسقاط النظام في افغانستان.
- تعثر بناء دولة مستقرة موالية لامريكا.
- فشل تحويل النصر العسكري إلى نظام سياسي متماسك.
هذه الفجوة بين “الإنجاز العسكري” و”المكسب السياسي” هي بيت القصيد.
اما في إيران فالمشكلة أكبر، حتى لو نجحت ضربات واسعة في تدمير منشآت أو إضعاف قدرات، يبقى السؤال: من يحكم إيران بعد ذلك؟
إن فتح باب “تغيير نظام” في بلد كبير ومعقد قد يطلق ديناميكيات فوضى أو حرب أهلية أو تفكك مؤسساتي—وهي نتائج قد تكون أخطر من بقاء الخصم نفسه.
4) إسقاط النظام الإيراني: أصعب من إسقاط دولة، لأنه صراع شرعية
وإسقاط النظام الايراني لا يتم فقط بإسقاط قيادته، او اغتيال مرشده، أو تدمير مواقع. بل يلزم أحد ثلاثة مسارات، وكلها مُكلفة:
- احتلال بري طويل، ستكون كلفته باهضة.
- ضغط اقتصادي أو سياسي أو خلق انقسام نخبوي: لا يُصنع بسهولة من الخارج، وقد يستغرق سنوات، وقد ينتج فوضى لا نظامًا بديلًا.
- واذا فكرت أمريكا في خطة تسوية سياسية داخلية تُعيد تشكيل النظام: فهذا سيحتاج شروطًا محلية معقدة أكثر من حاجته لصواريخ.
والأهم، عندما يشعر نظام أنه يواجه “تهديداً وجودي”، غالبًا ما ينتقل إلى عقيدة البقاء، تعبئة داخلية، تشدد أمني، وتوسيع ساحات الرد خارج الحدود.
5) إيران: قوة ردّ إقليمي حتى دون تفوق جوي
في الميزان التقليدي قد تبدو قوى كبرى متفوقة جوًا وتقنيًا، لكن إيران تراهن على نوع آخر من القوة:
- قدرات صاروخية و مسيرات لخلق كلفة على القواعد والبنى الحيوية.
- نفوذ إقليمي وشبكات حلفاء لفتح جبهات متعددة بدل جبهة واحدة.
- ضغط بحري واقتصادي عبر تهديد مسارات الطاقة والتجارة، ما يرفع الثمن عالميًا بسرعة.
النتيجة: قد يتحول الصراع من “حرب تدمير قدرات” إلى “حرب كلفة”؛ ومن يربح في حروب الكلفة ليس من يضرب أكثر، بل من يتحمل أكثر دون أن ينهار سياسيًا واقتصاديًا.
6) ما الذي يمكن فعله إذن؟ حدود القوة وأولوية الردع
السيناريو الأكثر واقعية في أي مواجهة كبرى مع إيران عادة يكون:
- ضربات محدودة/واسعة لأهداف عسكرية أو نووية،
- ثم ردود إيرانية محسوبة لفرض كلفة،
- ثم عودة إلى الردع والتفاوض غير المباشر لأن سقف التصعيد الكامل يحمل مخاطرة انفلات إقليمي.
و خلاصة لهذا المقال، فمن يظن أن ما وقع في العراق لصدام سنة 2003، يمكن أن يقع لإيران بنفس الطريقة يتجاهل اختلافات جوهرية في الحجم، الجغرافيا، بنية الدولة، وطبيعة أدوات الرد.
ومن يظن أن تجربة أفغانستان كانت مجرد “خطأ تكتيكي” يتجاهل أنها كانت درسًا قاسيًا لأمريكا، في أن النصر العسكري لا يساوي مكسبًا سياسيًا.
إيران ليست “حصنًا لا يُهزم”، لكنها خصم يصعب إخضاعه بالاحتلال، ويصعب إسقاط نظامه بالقوة دون أن تنزلق المنطقة إلى ساحة حرب وفوضى، أكبر من أي نصر معلن.
وفي عالم السياسة الواقعية، السؤال ليس: هل يمكن اسقاط النظام في إيران؟ بل: السؤال الجوهري هو هل يمكن تحمّل تكلفة خسارات الاقليم ككل ما بعد اسقاط النظام؟