
أثارت وثيقة متداولة بشأن مبادرة لتأسيس حزب سياسي في المغرب تحت اسم "حزب الوحدة" بالعربية، و"الليكود" بالعبرية، جدلا سياسيا ودستوريا، بسبب إعلانها اعتماد مرجعية يهودية واستنادها إلى محطات من مسار استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية، فضلا عن استحضارها خطابا للملك محمد السادس تحدث فيه عن ضمان حرية ممارسة الشعائر الدينية وكونه "أمير جميع المؤمنين، على اختلاف دياناتهم".
وفيما أثار الباحث المغربي إدريس الكنبوري تساؤلات بشأن توظيف مفهوم إمارة المؤمنين في البلاغ المتداول، معتبرا أن العبارة الملكية تتعلق بضمان الحرية الدينية ولا تعني نقل المؤسسة الدينية الإسلامية إلى ديانات أخرى، حذر رئيس المرصد المغربي لمناهضة التطبيع أحمد ويحمان من توظيف الهويات الدينية والثقافية في مشاريع سياسية مرتبطة بالتطبيع.
وتتجاوز القضية، وفق النقاش الذي أثارته، مجرد الإعلان عن مبادرة حزبية، لتطرح أسئلة بشأن حدود التعددية السياسية والدينية، وحظر تأسيس الأحزاب على أساس ديني في الدستور المغربي، ودلالات استدعاء المؤسسة الملكية في سياق مشروع يحمل مرجعية يهودية ويستخدم اسما مطابقا لاسم حزب بنيامين نتنياهو في إسرائيل.
مبادرة غامضة.. وهل يتعلق الأمر فعلا بتأسيس حزب؟
بدأ الجدل عقب تداول بلاغ منسوب إلى أصحاب مبادرة سياسية جديدة، يتحدث عن وضع الحسين بنمسعود ملفا لدى وزارة الداخلية بشأن تأسيس تنظيم يحمل اسم "حزب الوحدة ذو الأسس الديمقراطية والمرجعية اليهودية"، مع اعتماد تسمية "الليكود" باللغة العبرية.
وكانت وسائل إعلام مغربية قد تحدثت عن إيداع الملف وتسلم وصل بشأنه، وهو ما فتح نقاشا حول مدى قانونية المبادرة، قبل أن تنقل وسائل إعلام أخرى، مساء الأربعاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر، عن مصدر مطلع نفيه وجود ترخيص بتأسيس حزب سياسي بهذه المرجعية.
وبحسب ما نقلته صحيفة "جورنال24" عن المصدر، فإن الوثيقة المتداولة لا تمثل ملفا قانونيا مكتملا لتأسيس حزب، وإنما مراسلة إدارية من صفحة واحدة، موقعة من شخص واحد، أودعت لدى وزارة الداخلية في 3 تشرين الثاني/نوفمبر، مشيرا إلى أن تسلم وصل بإيداع المراسلة لا يعني قبول مضمونها أو ترتيب أثر قانوني عليها.
ويعني ذلك أن الحديث عن حزب تأسس بالفعل أو حصل على اعتراف قانوني يظل سابقا لأوانه، وأن المبادرة، وفق المعطيات المتاحة، لم تتجاوز مرحلة تداول الوثيقة والمراسلة الإدارية، في انتظار أي توضيح رسمي بشأن مآلها.
كما أن هوية الجهات التي تقف وراء المبادرة لا تزال غير واضحة، خصوصا أن البلاغ المتداول يتحدث عن "الموقعين أسفله" دون أن يتضمن توقيعات ظاهرة لأعضاء مؤسسين، وهو ما يضيف إلى الغموض المحيط بالمشروع.
"الليكود".. دلالة سياسية تتجاوز التسمية
من أبرز عناصر الجدل اعتماد اسم "الليكود" بالعبرية، وهو الاسم الذي يحمله الحزب الإسرائيلي الذي يقوده بنيامين نتنياهو، ويعد أحد أبرز مكونات اليمين القومي الإسرائيلي.
ولا يبدو اختيار هذه التسمية تفصيلا لغويا عاديا، بالنظر إلى الحمولة السياسية التي اكتسبها الاسم في إسرائيل، وإلى ارتباط الحزب بسياسات حكومات نتنياهو، خصوصا تجاه الفلسطينيين والأراضي الفلسطينية المحتلة.
وتزداد حساسية المسألة مع استحضار الوثيقة المتداولة الإعلان الثلاثي الموقع بين المغرب والولايات المتحدة وإسرائيل في كانون الأول/ديسمبر 2020، والذي أعلن استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية، إلى جانب الإشارة إلى زيارة رئيس الكنيست الإسرائيلي إلى المغرب عام 2024.
وتطرح هذه المعطيات تساؤلات حول الرسالة التي يريد أصحاب المبادرة إيصالها من خلال الجمع بين اسم "الوحدة" بالعربية و"الليكود" بالعبرية، وما إذا كان المقصود تقديم المشروع باعتباره تعبيرا سياسيا عن مسار التقارب المغربي الإسرائيلي.
لكن لا تتوفر، حتى الآن، أدلة موثقة تثبت وجود ارتباط تنظيمي أو مؤسساتي بين المبادرة المتداولة وحزب الليكود الإسرائيلي، كما لا يكفي التشابه في التسمية أو استحضار محطات التطبيع لإثبات وجود تنسيق بين الطرفين.
الكنبوري: هل يصبح الملك أمير المؤمنين للمسلمين والمسيحيين واليهود؟
ومن أبرز المواقف التي رافقت الجدل تدوينة للباحث المغربي إدريس الكنبوري على صفحته في موقع "فيسبوك"، تناول فيها ما وصفه بإشكالية توظيف مفهوم إمارة المؤمنين في البلاغ المتداول بشأن المبادرة.
وانطلق الكنبوري من استناد الوثيقة إلى الخطاب الملكي الذي ألقاه الملك محمد السادس في 30 آذار/مارس 2019، خلال استقباله البابا فرانسيس بالرباط، حين قال: "وبصفتي ملك المغرب، وأمير المؤمنين، فإنني مؤتمن على ضمان حرية ممارسة الشعائر الدينية. وأنا بذلك أمير جميع المؤمنين، على اختلاف دياناتهم".
واعتبر الباحث أن هذه العبارة تحتاج إلى قراءة في سياقها الدستوري والديني، متسائلا عما إذا كان المقصود منها أن الملك يمارس صفة أمير المؤمنين بالمعنى الديني والمؤسساتي نفسه بالنسبة إلى المسلمين والمسيحيين واليهود، أم أنها تتعلق بضمان حقوق أتباع الديانات المختلفة في ممارسة شعائرهم داخل المغرب.
وفي هذا السياق، يرى الكنبوري أن مفهوم إمارة المؤمنين يرتبط بنظام ديني وتاريخي له خصوصيته في الإسلام، بما يتضمنه من بيعة شرعية وعلاقة بين الإمام والأمة، ولا يجد، بحسب قراءته، نظيرا مطابقا له في المرجعيتين المسيحية واليهودية.
وأشار إلى أن البيعة في التصور الإسلامي تمثل تعاقدا سياسيا وشرعيا، بينما لا تحمل الكلمة في الاستعمال العبري الدلالة نفسها، إذ تشير إلى المعبد اليهودي، كما أن التصور المتعلق بالصلاة خلف الإمام لا ينطبق على أتباع الديانات الأخرى.
ومن هذا المنطلق، يرفض الكنبوري، في قراءته، تفسير العبارة الملكية باعتبارها توسيعا للصفة الدينية لأمير المؤمنين لتشمل أتباع الديانات الأخرى بالمعنى الاصطلاحي نفسه، ويرى أن المقصود هو ضمان حرية ممارسة الشعائر الدينية وحماية المواطنين اليهود والمقيمين المسيحيين.
ويستند في ذلك إلى الفصل الثالث من الدستور المغربي، الذي ينص على أن الإسلام دين الدولة، ويضمن للجميع حرية ممارسة شؤونهم الدينية، معتبرا أن الجمع بين هذا المقتضى وبين تفسير يجعل إمارة المؤمنين صفة دينية مشتركة بين الديانات الثلاث يحتاج إلى توضيح مؤسساتي.
كما انتقد الكنبوري، في تدوينته، غياب توضيح رسمي يشرح دلالات العبارة الملكية منذ صدورها، معتبرا أن تركها دون تفسير أتاح، بحسب تقديره، توظيفها في قراءات سياسية وإيديولوجية مختلفة.
وربط الباحث بين المبادرة المتداولة وما وصفه بنتائج مسار التقارب مع إسرائيل، منتقدا توظيف خطاب التعايش بين الديانات الإبراهيمية في سياقات سياسية لا يتفق معها.
وتبقى هذه الملاحظات قراءة فكرية ودينية للكنبوري، في حين أن النص الرسمي للخطاب الملكي يربط بوضوح بين صفة أمير المؤمنين وضمان حرية ممارسة الشعائر الدينية، ويشير إلى حماية اليهود المغاربة والمسيحيين القادمين من الخارج والمقيمين في المغرب.
ماذا يقول النص الدستوري؟
لا ينفصل الجدل الذي أثارته تدوينة الكنبوري عن الإشكال القانوني المتعلق بالمرجعية الدينية للحزب المقترح؛ إذ ينص الفصل السابع من الدستور المغربي صراحة على أنه "لا يمكن أن تؤسس الأحزاب السياسية على أساس ديني أو لغوي أو عرقي أو جهوي"، أو على أي أساس تمييزي أو مخالف لحقوق الإنسان.
ويكرس القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية المقتضى نفسه، من خلال المادة الرابعة التي تقضي ببطلان تأسيس أي حزب يقوم على أساس ديني أو لغوي أو عرقي أو جهوي.
ولم يؤد تعديل القانون التنظيمي بموجب القانون رقم 54.25، المنشور في الجريدة الرسمية في 29 كانون الثاني/يناير 2026، إلى إلغاء الحظر الدستوري المتعلق بتأسيس الأحزاب على أساس ديني.
ويقتضي ذلك التمييز بين أمرين: حق المواطنين المغاربة اليهود في المشاركة السياسية وتأسيس الجمعيات والانخراط في الأحزاب، وهو حق لا ينتقص منه الدستور، وبين إنشاء تنظيم حزبي يجعل الانتماء الديني أساسا لتعريف هويته السياسية والتنظيمية.
وبالتالي، فإن الإشكال القانوني لا يتعلق بكون مؤسسي المبادرة يهودا أو غير يهود، وإنما بما إذا كانت المرجعية اليهودية المعلنة تمثل أساسا دينيا لتأسيس الحزب، أم مجرد توصيف ثقافي أو تاريخي لا يحدد شروط العضوية والانتماء السياسي.
وتظل الإجابة عن ذلك مرتبطة بالاطلاع على النظام الأساسي والبرنامج السياسي والوثائق التأسيسية الفعلية، وليس بالاعتماد على عنوان المبادرة وحده.
ويحمان: المبادرة تستدعي مساءلة أوسع
من جهته، اعتبر أحمد ويحمان، رئيس المرصد المغربي لمناهضة التطبيع، أن الوثيقة المتداولة تستدعي النظر في خلفياتها السياسية والفكرية، وعدم التعامل معها باعتبارها مجرد مبادرة حزبية معزولة.
وفي تدوينة بعنوان "في الحزب اليهودي بالمغرب"، قال ويحمان إن الجمع بين اسم «الوحدة» بالعربية و"الليكود" بالعبرية، إلى جانب اعتماد المرجعية اليهودية واستحضار محطات العلاقات المغربية الإسرائيلية، يثير أسئلة بشأن الرسائل التي يراد تمريرها من خلال المبادرة.
وربط ويحمان القضية بما يعتبره محاولات لتوسيع حضور التطبيع في المجالات السياسية والثقافية والفكرية، داعيا إلى التمييز بين اليهود المغاربة، باعتبارهم مكونا أصيلا من الهوية الوطنية، وبين الصهيونية بوصفها مشروعا سياسيا.
كما دعا إلى مساءلة المؤسسات والبرامج والأنشطة التي يقول إنها تسهم في تأطير بعض المبادرات المرتبطة بالتقارب مع إسرائيل، وإلى إخضاع التمويلات العمومية الموجهة إلى مشاريع ثقافية وبحثية ذات صلة بالتاريخ والهوية لمعايير الشفافية والافتحاص.
غير أن هذه الطروحات تظل مواقف وتقديرات سياسية منسوبة إلى ويحمان، ولا تشكل في حد ذاتها أدلة على وجود روابط تنظيمية أو تمويلية بين أصحاب المبادرة وجهات إسرائيلية.
التطبيع وسياق ما بعد 2020
وتأتي المبادرة المتداولة في سياق لا تزال فيه العلاقات المغربية الإسرائيلية تثير انقساما سياسيا وشعبيا داخل المملكة، منذ الإعلان الثلاثي الموقع بين المغرب والولايات المتحدة وإسرائيل في كانون الأول/ديسمبر 2020، والذي أفضى إلى استئناف العلاقات الرسمية بين الرباط وتل أبيب.
ورغم ما أتاحه هذا المسار من تعاون دبلوماسي واقتصادي وأمني، فإنه واجه رفضا من قوى سياسية ومدنية وحقوقية مغربية، وازدادت حدة الاعتراضات بعد اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023، حيث شهدت مدن مغربية احتجاجات متواصلة للمطالبة بوقف الحرب وإنهاء التطبيع.