Akhbar Alsabah اخبار الصباح

لماذا ينقلب السيسي على أباطرة البلطجة في مصر؟

كبار البلطجية في مصر بعد نحو 3 أشهر من القبض على ما يوصف بـ"إمبراطور العالم السفلي" في مصر صبري نخنوخ وعدد من رجاله في 2 حزيران/يونيو الماضي بتهم البلطجة إثر اقتحامهم معرض سيارات بالقاهرة والتعدي على العاملين فيه، جرى توقيف جديد لأحد أهم رجال نخنوخ في مصر.

الأحد الماضي، جرى القبض على صاحب شركة "دولار للحراسات الخاصة والإنتاج الفني" إسماعيل دولار، الذي شارك في 4 أعمال درامية ونال لقب "أفندينا" و"الريس" و"الجلاد"، بتهم البلطجة والتشاجر واستعراض القوة وتهديد عدد من مستأجري مجموعة كافيهات شهيرة في حي المقطم بالقاهرة، ومحاولة قطع التيار الكهربائي عنها بهدف الضغط على المستأجرين لرفع القيمة الإيجارية.

دولار، الذي شارك أيضاً في مسلسلات: "الكبير أوي" و"دكتور أمراض نسا" و"السيدة الأولى"، وبمتابعة صفحته عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يغلب عليها لقاءاته مع فنانين ومطربين، مع إبراز دوره في افتتاح كافيهات ومطاعم في حمايتها، وسط ظهور يكشف عن ثراء كبير، فيما يبدو حرصه على إظهار دعم رئيس النظام عبد الفتاح السيسي، بجانب انتقاده الحاد لجماعة الإخوان المسلمين.

توقيف دولار وحبسه 24 ساعة على ذمة التحقيقات و4 آخرين من رجاله، أحدث حالة من الجدل، بعد إحالة النيابة العامة المصرية نخنوخ و10 متهمين آخرين إلى محكمة الجنايات منتصف حزيران/يونيو الماضي، بتهم تكوين تشكيل عصابي، والبلطجة، واستعراض القوة، والسرقة بالإكراه، والابتزاز، والتلويح بالعنف ضد مواطنين، مع التحفظ على أمواله المنقولة والأسهم والصكوك والسندات والخزائن والودائع والمحافظ الإلكترونية والأصول العقارية.

ذلك التتابع الذي يجري بحق "معلمي مصر" يرى فيه محللون "مرحلة جديدة في علاقة الدولة الرسمية ودولة البلطجية، والانتقال من مرحلة التعايش والاستفادة المباشرة لكل طرف، إلى محاولة الطرف الأقوى وهو النظام فرض سيطرته وسطوته وتحجيم كبار رجال العالم السفلي".

وتساءل مصريون "حول سر انقلاب الجمهورية الجديدة على دولة البلطجية في مصر، وأسباب تخلص السيسي، الآن، من كبار رجاله في تنفيذ العمليات القذرة والمشاركين في جرائم قتل المتظاهرين بثورة يناير 2011، وفض اعتصام رابعة والنهضة 2013، وحول ما إذا كان السيسي لم يعد بحاجة إلى دولة البلطجية، أم أنه يمارس معهم لعبة (قرصة الأذن) التي سيتبعها عودة للبلطجية ولكن بشروط النظام".

تحت السيطرة
وفي قراءته للمشهد، يرى السياسي والبرلماني المصري السابق، ممدوح إسماعيل، أن "السيسي لن يستغني عن البلطجية لأنهم سلاحه المدني في الشوارع"، مؤكداً لـ"عربي21"، أنه "يعمد إلى تحجيم قوى البلطجية حتى لا تخرج عن السيطرة، وذلك بتوقيف نماذج صارخة منهم حتى تكون عبرة للآخرين، وإلا فلت الأمر تماماً".

المحامي بالنقض، قال إن "من تم القبض عليهم لا يمثلون إلا رمزين لعالم البلطجة السفلي حيث يوجد مئات الآلاف من البلطجية غيرهم بالشارع"، موضحاً أن "قوة البلطجية بالشارع جاءت بالأساس بسبب دعم السيسي، وتفوقت على قوة الشرطة، وبالتالي لابد من ضبط توازن القوة التي يستند إليها في حكمه".

وتتابعت مؤخراً عمليات سقوط شبكات فساد في مصر مرتبطة بأسماء بلطجية في ثوب رجال أعمال إلى جانب إعلاميات، تربطهم أعمال العالم السفلي من تجارة المخدرات إلى غسيل الأموال وتجارة العملة وغيرها.

وفي واقعة القبض على نخنوخ، تم توقيف رجل الأعمال أحمد الحداد زوج الممثلة هاجر أحمد، بتهمة التورط في عمليات غسيل أموال وشراء ممتلكات المقاول المعارض محمد علي، وتحويل الأموال له إلى مقر إقامته في إسبانيا.

وهي الوقائع التي سبقها القبض على الإعلامية والمنتجة الفنية سارة خليفة، و28 آخرين، خلال نيسان/أبريل 2025، في قضية اتجار وتصنيع المخدرات وغسيل الأموال، لتقرر محكمة جنايات القاهرة في آب/أغسطس الجاري، إحالة أوراقها و12 آخرين إلى المفتي.

إعادة ضبط وإخضاع
وفي تقديره للموقف، يعتقد الناشط السياسي والمعارض المصري معاذ عبد الكريم، أن "قرار القبض على بعض أبرز زعماء البلطجة في مصر يبدو قراراً مركزياً يتجاوز مجرد الملاحقة الجنائية لقضايا فردية، وقد يكون جزءاً من عملية أوسع لإعادة إحكام السيطرة على شبكات النفوذ غير الرسمية، ولا سيما نفوذها الاقتصادي والأمني والاجتماعي".

وفي حديثه لـ"عربي21"، يرى عبد الكريم أن "مثل هذه المجموعات، التي راكمت خلال السنوات الماضية المال والعلاقات والنفوذ، يمكن أن تتحول من أداة في يد السلطة إلى مراكز قوة مستقلة، وهو ما يجعلها مصدر قلق لأي نظام يسعى إلى احتكار أدوات القوة والنفوذ".

وقال إنه "من هذا المنظور، قد يكون الهدف من ملاحقة بعض رموز هذه الشبكات ليس القضاء على (دولة البلطجية) بالضرورة، وإنما إعادة ضبطها وإخضاعها بالكامل لإرادة السلطة؛ فالرسالة التي تصل إلى بقية أصحاب النفوذ هي أن الحماية ليست دائمة، وأن من يخرج عن الإطار المرسوم له يمكن أن يجد نفسه في مواجهة أجهزة الدولة في أي وقت".

وأضاف المعارض المصري: "هنا يصبح الخوف نفسه أداة للسيطرة؛ إذ يدرك الجميع أن نفوذهم وأموالهم وعلاقاتهم لا توفر لهم حصانة مطلقة؛ ومن ثم قد يسعى بعضهم إلى تأكيد ولائه للسلطة، سواء من خلال تقديم الأموال، أو تنفيذ ما يُطلب منه، أو الامتناع عن أي نشاط يتجاوز الحدود المسموح بها".

ولفت إلى أن "أهمية هذا التحليل تزداد إذا أخذنا في الاعتبار الاتهامات والوقائع التي ارتبطت ببعض هذه الشبكات خلال مراحل سابقة، ومنها الاعتداء على ناخبين ومتظاهرين، وترويع بعض المعارضين، واستخدام القوة والتهديد ضد رجال أعمال أو شخصيات لم تكن السلطة راضية عنها".

وختم بالقول: "وبذلك يمكن النظر إلى بعض هؤلاء الأشخاص باعتبارهم شركاء سابقين في منظومة غير رسمية من النفوذ والقوة، ثم تحولوا لاحقاً إلى عبء محتمل عندما أصبح حجم نفوذهم أكبر من المطلوب".

تعاون ومنح نفوذ ثم تنكر
وتأتي تلك التطورات بحق أباطرة عالم الليل وأصحاب النفوذ والمال والأعمال والسلطة، برغم أن رئيس النظام عبد الفتاح السيسي هو من أطلق يد كثير منهم في الشارع المصري مثل: دولار، ويحيى الصعيدي، ولؤي دعبس، وعادل شحاتة، وغيرهم، كما أطلق سراح نخنوخ بعفو صحي في أيار/مايو 2018، مُنهياً سجنه بعد 6 سنوات في إدانات استوجبت إجمالي عقوبات بـ28 عاماً.

وأدخلت الجهات الأمنية تغيرات في شكل وهيئة وصورة كبار البلطجية، كما سمحت لتلك الأسماء بممارسة أعمالهم تحت ستار شركات حراسة مُقنَّنة رسمياً، بل وقيام بعضهم بالمشاركة في الأعمال الدرامية مثل لؤي دعبس ودولار وغيرهما، مع علم الجهاز الأمني بتنوعاته (مخابرات عامة، وحربية، وجهاز الشرطة، والأمن الوطني) أنهم رعاة البلطجة والأعمال المنافية للقانون مثل توزيع وانتشار المخدرات والسلاح.

وفي آذار/ مارس 2013، نقل رئيس حزب "الوسط" المصري أبو العلا ماضي، عن الرئيس الراحل محمد مرسي، قوله إن المخابرات العامة شكلت تنظيماً مكوناً من 300 ألف بلطجي، يعملون بإمرة ضباط أمن الدولة (الأمن الوطني حالياً).

وفي تشرين الأول/أكتوبر 2023، اعترف السيسي بتعاونه المسبق مع البلطجية، حين قال إنه يمكن منح 100 ألف شخص من ذوي الظروف الصعبة "باكتة بانجو، و20 جنيهاً، وشريط ترامادول" لينزلوا الشوارع لإحداث فوضى، موضحاً أنه نظراً لارتفاع الأسعار، يمكن زيادة المبلغ إلى 1000 جنيه للشخص الواحد، مبيناً أن التكلفة الإجمالية لإنزال مليون شخص على مدار 10 أسابيع هي مليار جنيه.

وفي وقت مبكر من حكم السيسي، خلال عام 2014، دشن إسماعيل دولار شركة "دولار وأصحابه"، التي تحولت لاحقاً إلى "دولار للحراسات الخاصة" لتتوسع لاحقاً وتضم الإنتاج الفني إلى أعمالها.

في ذات السياق، وفي 25 أيلول/سبتمبر 2023، وبرعاية جهات سيادية مصرية جرى تحويل صورة نخنوخ، من البلطجي إلى هيئة رجل الأعمال، مع توليه إدارة مجموعة شركات "فالكون" للأمن والحراسة ونقل الأموال.

وفي ذات الإطار، يأتي تحويل السيناوي إبراهيم العرجاني، صاحب السوابق الجنائية في تجارة السلاح والمخدرات إلى رجل أعمال، عبر شركات تعمل في قطاعات عديدة باسم "العرجاني جروب".

ويرى متابعون لهذا الملف أن "ما يجري هو تنكر من السيسي لأدوار دولار وقبله نخنوخ ومن على شاكلتهم في مواجهة ثوار 25 يناير 2011، وبموقعة (الجمل) الشهيرة بميدان التحرير، حين كان السيسي يعمل من الميدان كرئيس للمخابرات الحربية"، وهي الوقائع التي أكدها القيادي بجماعة الإخوان المسلمين المعتقل الدكتور محمد البلتاجي، وتم توقيف نخنوخ على إثرها آب/أغسطس 2012.

وشارك نخنوخ، ودولار، وغيرهما في حملة ترشح السيسي بالانتخابات الرئاسية 10 كانون الأول/ديسمبر 2023، والتي فاز فيها بولاية ثالثة تنتهي في 2030، قبل حصار البلطجية مقرات الشهر العقاري لمنع أنصار المعارض أحمد الطنطاوي من تحرير توكيلات له للترشح بمواجهة السيسي، والاعتداء على الطنطاوي نفسه 15 آب/أغسطس 2023.

غضب شعبي وتهديد بالبلطجية
وتأتي عمليات تقليم أظافر كبار رجال العالم السفلي في توقيت مثير للجدل، ووسط تصاعد حالة الغضب الشعبي من نظام السيسي، ومن أداء حكومته، ومن قرارات حكومية لا تتوقف برفع أسعار السلع والخدمات، وآخرها الكهرباء الشهر الجاري بنسبة 12 بالمئة، وتقليص الدعم، ووسط دعوات للتظاهر للإطاحة بالنظام الحالي.

وهي الأوضاع التي دفعت إعلاميين مقربين من النظام، وعلى طريقة السيسي، لاستدعاء البلطجية وتهديد المصريين؛ ففي 6 آب/أغسطس الجاري، حذر البرلماني والإعلامي مصطفى بكري الشعب المصري من إطلاق البلطجية والمسجونين عليهم لقتلهم ونهبهم والاستيلاء على أملاكهم، حال الخروج والتظاهر ضد السيسي.

بكري، وعبر برنامجه الأسبوعي بفضائية "صدى البلد"، قال: "لو الناس خرجت، وخربت بلدها، الدمار سيصل لكل البيوت"، مضيفاً: "البلطجية والحرامية سيخرجون من جحورهم ومن السجون وأقسام الشرطة"، مؤكداً أنهم "سيسيطرون وينهبون ويقتلون ويدخلون البيوت ويستولون عليها، ويطردونك من بيتك".

بلطجة في كل شبر
ونتيجة للظهور المتتابع لكبار البلطجية في صورة رجال أعمال عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إلى جانب ظهور أعمال البلطجة في الأعمال الدرامية بشكل مكثف، جرى تجنيد آلاف الشباب للقيام بالأعمال القذرة من تجارة مخدرات إلى سلاح ودعارة وغسيل أموال، مع انتشارهم في شكل فردي وعبر عصابات بكل حي وشارع وقرية؛ لتسود حالة من الاضطراب والخوف وعدم الأمان بالشارع.

ويشهد القطر المصري من شماله إلى جنوبه بشكل يومي أعمال عنف ومواجهات جماعية مسلحة بالشوارع تصل حد القتل بالرصاص نهاراً، والذبح بالسكين أمام المارة، وقتل أقارب وجيران في شجار، وعمليات انتقام لوجود خلافات في غياب ردع القانون والقضاء، وسط شكاوى الأهالي في كل مكان من انتشار البلطجة والسرقة والمخدرات.

ورصدت "عربي21" بعض نماذج لأعمال البلطجة، وبينها: واقعة قتل بالرصاص نهاراً بمدينة السادات بمحافظة المنوفية، وجريمة ذبح وقعت في شارع مصطفى كامل بمدينة الإسكندرية، وقتل رجل أعمال وتقطيعه ووضعه في الثلاجة، وحرق بلطجية لمواطنين في حي عين شمس بالقاهرة، ومواجهة بين عشرات الشباب بكل أنواع السلاح، وغيرها.

الوضع المخيف مع انتشار البلطجية، اعتبره استشاري الإدارة الاستراتيجية الدكتور محمد زويل، في مقال له في "عربي21"، "يحمل مخاطر كبيرة"، منها: "إضعاف هيبة المؤسسات الرسمية، وتشويش مبدأ سيادة القانون، وخلق مراكز قوة مستقلة بمرور الزمن وتحويل النفوذ الشخصي إلى بديل عن الكفاءة المؤسسية".
سياسة | المصدر: عربي 21 | تاريخ النشر : الأربعاء 26 اغسطس 2026
أحدث الأخبار (سياسة)
يمكنكم متابعة احدث اخبارنا عن طريق شبكات التواصل الاجتماعى المختلفة
facebooktwitterRss
®أخبار الصباح AkhbarAlsabah.com