
تزداد أوضاع اللاجئين في مصر سوءاً من حين لآخر، حيث باتت الأغلبية الساحقة منهم محرومين من اللجوء إلى القضاء والمحاكم، أو الحصول على التمثيل القانوني.
وكان وزير العدل المصري أصدر نهاية شهر يوليو/ تموز الماضي الكتاب الدوري رقم 92 لسنة 2026، الذي شدد على ضرورة التزام جميع العاملين بمكاتب ومأموريات الشهر العقاري ومكاتب التوثيق وفروعها، بعدم تقديم أي من خدمات الشهر العقاري أو مكاتب التوثيق للأجانب غير الحاصلين على بطاقات الإقامة أو بطاقات الإعفاء، دون النص على استثناء اللاجئين وملتمسي اللجوء، وهم الأشد احتياجًا للمساعدة القانونية وخدمات وزارة العدل أثناء فترات الانتظار المفروضة عليهم للحصول على الإقامات أو تجديدها.
وقبل ثلاث سنوات، أصدر رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، قراراً بمنح الأجانب المقيمين بصورة غير نظامية مهلة مدتها ثلاثة أشهر لتوفيق الأوضاع وتقنينها، وتم تمديد تلك المهلة عدة مرات.
وعلى الرغم من أن هذا القرار نظريًا لم يكن من المفترض أن يمس حقوق اللاجئين وملتمسي اللجوء، الذين تنظم أوضاعهم القانونية اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، وقانون اللجوء الجديد الصادر في نهاية 2024؛ إلا أن الحكومة بدأت تطبيقه على الجميع في منتصف 2024، ما فتح الباب بالفعل لسلسلة من القرارات التي نزعت عن اللاجئين جملة من الحقوق والخدمات الأساسية التي طالما كانت متاحة لهم في مصر.
وشمل ذلك العديد من الخدمات المدنية والصحية الأساسية، ولكن أهمها على الإطلاق هو الحق في اللجوء لخدمات مكاتب التوثيق وتوكيل محامين، المشار إليه في كتاب وزير العدل الصادر حديثًا؛ ما تسبب في تعميق هشاشة الوضع القانوني للاجئين في مصر، المتدهور بالفعل منذ بدء حملات التوقيف والتفتيش التي تستهدفهم منذ عامين.
وضع خطير
وقالت “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية”، وهي منظمة حقوقية مستقلة، إن الكتاب الدوري الجديد لوزير العدل يرسخ وضعًا خطيرًا يعاني فيه اللاجئون في مصر منذ منتصف 2024 من الحرمان من الوصول لأبسط الخدمات القانونية، بما فيها الحق في التمثيل القانوني واللجوء إلى المحاكم.
وأضافت: “لا تقتصر الهشاشة القانونية المفروضة حديثًا على اللاجئين في مصر على عُسر إتمام إجراءات الحصول على تصاريح الإقامة وغياب التمثيل القانوني في قضايا الإبعاد، ولكنها تكتمل بحرمانهم من أبسط أشكال الحماية القانونية والتي تتمثل في قدرتهم على التماس الحماية من سلطات الدولة في حالات العنف أو الاعتداء التي يتعرض لها الكثيرون منهم، خاصة من النساء والأطفال والفئات الأكثر استضعافًا”.
ووفقًا لمذكرة وجهها إلى الحكومة المصرية أربعة من المقررين الخواص لمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة ونشرت في يناير/ كانون الثاني الماضي، ففي الأشهر الثلاثة الأولى فقط من عام 2025، وثقت المنظمات الإنسانية في مصر 647 حالة عنف قائم على النوع الاجتماعي في مجتمعات اللاجئين.
وفي شهر أبريل/ نيسان 2025 وحده، تم الإبلاغ عن 168 حادثة عنف قائم على النوع الاجتماعي في جميع أنحاء مصر. وكانت أكثر الانتهاكات شيوعاً ضد النساء هي الاعتداء الجسدي (41 حادثة)، يليه الاغتصاب (30 حادثة). أما أكثر الانتهاكات شيوعاً ضد الفتيات فكانت الاعتداء الجنسي (16 حادثة)، يليه الاعتداء الجسدي والاغتصاب.
في حين تقول نفس المذكرة إنه في الشهر نفسه تم رصد 41 حالة عنف قائم على النوع الاجتماعي ضد الأطفال تشمل حوادث اعتداء جنسي وجسدي.
ولا يستطيع الأغلبية من هؤلاء الضحايا اللجوء إلى الشرطة أو المحاكم كما ينبغي بسبب العوائق القانونية المستحدثة، وقرارات الامتناع عن تقديم الخدمات الأساسية للمهاجرين غير الموثقين، فينتهي بهم الأمر في أفضل الأحوال بتقديم الشكاوى إلى منظمات الإغاثة والمساعدة الإنسانية.
مزيد من التضييق
كما بدأت المحاكم في مصر منذ منتصف 2024 الامتناع عن قبول الدعاوى المرفوعة من قبل اللاجئين، وتم توثيق هذا الرفض في مجلس الدولة في دعاوى متعلقة بوقف قرارات الترحيل، وفي المحاكم المدنية التي رفضت دعاوى متعلقة بالزواج والطلاق.
وفي ديسمبر/ كانون الأول 2024، أصدرت مصلحة الشهر العقاري في وزارة العدل المنشور الفني الذي ينص على أن تمتنع مكاتب التوثيق عن توثيق العقود الإيجارية إذا كان أحد طرفيها أجنبي الجنسية إلا بعد التحقق من حصوله على إقامة سارية، ولا ينص المنشور على أي استثناءات للاجئين أو للمعفيين من الإقامة.
وحسب المبادرة المصرية، فإن القرار والمنشورات الفنية والمكاتبات الوزارية المكملة له، تحرم عمليًا الأغلبية الساحقة من اللاجئين في مصر من اللجوء إلى القضاء والمحاكم، وهو حق دستوري تكفله المادة 97 من الدستور للكافة، لا يستطيعون بدونه حتى الدفاع عن نفسهم وعن شرعية وقانونية تواجدهم على الأراضي المصرية
وتابعت: “تزداد خطورة هذه القرارات المتعاقبة وآثارها السلبية الفادحة في ضوء الحملة الأمنية الموسعة التي تشنها الدولة المصرية على اللاجئين بشكل عام، وضد المهجرين من السودان بشكل خاص منذ العام 2024”.
ولفتت إلى أنه منذ ذلك الوقت، وأجهزة الأمنية المصرية تشن حملات عشوائية لتوقيف المهاجرين واللاجئين في الشوارع والأماكن العامة، بل وفي المنازل والمدارس وأماكن العمل، تحت ذريعة التحقق من الإقامات. وعلى مدار السنتين الماضيتين، قامت الأجهزة الأمنية باحتجاز وترحيل الآلاف بغض النظر عن موقفهم القانوني، فقد وثقت المنظمات الحقوقية العديد من حالات الاحتجاز والترحيل للعديد من الأشخاص الذين يحملون بطاقات لجوء، بل وإقامات سارية.
حملات توقيف
وفي النصف الأول من عام 2026 فقط، ألقت قوات الأمن القبض على 8000 من اللاجئين وطالبي اللجوء، طبقًا لتقديرات المؤسسات المعنية بالحماية – ويعتقد أن الرقم الحقيقي أكبر من ذلك بكثير.
وتم احتجاز الكثيرين في أماكن احتجاز مكدسة بالفعل وفي ظروف غير إنسانية، ما تسبب في وفاة 20 على الأقل من اللاجئين في أماكن الاحتجاز بنهاية يونيو/ حزيران 2026.
وقالت المبادرة: “أوضاع اللاجئين المستقرة في مصر منذ عقود طويلة تشهد تدهوراً غير مسبوق، لم تشهد انتهاكات بهذا الحجم أو الكم، وعلى الرغم من أن مؤسسات الحماية تجد صعوبة في توثيق أعداد المُرحَّلين، لكن المعلومات التي وثقتها مؤسسات الحماية تشير إلى أن أعداد اللاجئين وملتمسي اللجوء المرحلين شهريًا منذ مطلع العام الجاري تزيد عن الألف، في حين تسبب تنامي شعور بانعدام الأمان في مصر والخطر الدائم بالاحتجاز والترحيل – ضمن عوامل أخرى- في عودة ما يزيد على 600 ألف من السودانيين إلى السودان بحلول منتصف 2026، وفقًا لتقديرات منظمة الهجرة الدولية، بالرغم من أن الحرب ما زالت محتدمة، والكارثة الإنسانية ما زالت متفاقمة، إضافة إلى أن انعدام الأمن الغذائي الذي يصل في بعض المناطق إلى حد المجاعة لا يزال مستمرًا”.
وقد بدأت الحكومة بالتوازي مع هذه الحملة الموسعة في التضييق على اللاجئين في الخدمات الحكومية الأساسية، بما فيها الخدمات القانونية التي بدونها لا يستطيعون اللجوء إلى القضاء حتى للدفاع عن شرعية تواجدهم على الأراضي المصرية، رغم أن هذه القرارات التنظيمية -التي لا ينبغي أن تطبق على اللاجئين في الأساس- كان من المعروف سلفًا أنها ستؤدي إلى إقصاء أغلب اللاجئين من الخدمات التي كانوا يحصلون عليها بدون عوائق في العقود الماضية، لأن 80% منهم على الأقل، بحسب تقدير منظمات معنية بحقوق اللاجئين، يعيشون في حالة من عدم الانتظام القسري بسبب طول فترات الانتظار المحددة للحصول على الإقامات، والتي وصلت إلى 19 شهرًا في أقل تقدير بحلول عام 2025.
وقد تأخرت مواعيد النظر في طلبات الإقامة للاجئين المسجلين في مصر إلى حد أن بعضهم حدد له موعد النظر في طلبه سنة 2029. في حين تقدر المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أن ما يقرب من 83% من الأشخاص المسجلين لدى المفوضية، قد دخلوا إلى الأراضي المصرية بشكل غير نظامي بسبب القيود الإجرائية المفروضة على الدخول القانوني إلى مصر منذ بدء الحرب في السودان.
وطالبت المبادرة وزير العدل بإصدار قرار فوري، يقر صراحة بحق اللاجئين وملتمسي اللجوء في مصر في إصدار التوكيلات للمحامين، والتعامل مع خدمات الشرطة والقضاء والتوثيق الأساسية أثناء فترة انتظارهم للحصول على بطاقات الإقامة أو تجديدها، محذرة من استمرار إخضاع اللاجئين وطالبي اللجوء لقرارات سلبت من الأغلبية الساحقة منهم معظم حقوقهم القانونية وقدرتهم على النفاذ إلى الخدمات الحكومية الأساسية، أو التماس الحماية عند التعرض للعنف أو الجرائم.
وشدد على ضرورة السماح بإصدار التوكيلات والتعامل مع خدمات الشرطة والقضاء والتوثيق الأساسية لكافة اللاجئين الموجودين في مصر، بغض النظر عن فترات الإقامة المنتظرة أو عن وضعهم القانوني. وتطالب أيضًا بإصدار قرارات وزارية تنص صراحة على استثناء اللاجئين من قرارات وقف الخدمات المقدمة للأجانب.
خلت اللائحة التنفيذية لقانون لجوء الأجانب في مصر حيز التنفيذ، يوم الجمعة الماضي، وسط مخاوف حقوقية من غياب وضوح كافٍ بشأن آليات انتقال الاختصاصات من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين وعدم صدور توضيحات رسمية تضمن استمرارية الحماية الدولية خلال المرحلة الانتقالية.
ورغم أن قانون لجوء الأجانب الجديد صدر بالفعل في كانون الأول/ ديسمبر 2024، وأصبح نافذًا من اليوم التالي لنشره، لكن بدء العمل بلائحته التنفيذية يفتح الطريق أمام تطبيق نظام جديد ينقل للمرة الأولى مسؤوليةَ تسجيل طالبي اللجوء وفحص طلباتهم ومنحَ صفة اللاجئ إلى السلطات المصرية.
ففي الوقت الذي تقول الحكومة إن القانون الجديد ولائحته يهدفان إلى تنظيم أوضاع اللاجئين والأجانب بشكل أكثر وضوحاً، وأن تولي الدولة إدارة هذا الملف قد يسهم في ضبط الوجود الأجنبي وتعزيز حماية الحقوق والواجبات لجميع الأطراف، عبرت منظمات حقوقية عن خشيتها من أن يؤدي قانون اللجوء الجديد إلى مزيد من التضييق على اللاجئين، خاصة أن الشهور الماضية شهدت حملات استهداف للاجئين وترحيلهم من مصر.
وتنص اللائحة على أن تحل اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين، وهي الهيئة التي أنشأها القانون محل المفوضية تتولى في فحص طلبات اللجوء والبت فيها خلال مدة لا تتجاوز ستة أشهر بالنسبة للأشخاص الذين دخلوا البلاد بصورة قانونية، فيما تمتد المهلة إلى سنة واحدة بالنسبة لمن دخلوا بصورة غير قانونية.