Akhbar Alsabah اخبار الصباح

كيف ستتعامل طالبان مع المعارضة المسلحة؟

الحكومة الأفغانية تمر اليوم السبت 5 سنوات على عودة حركة طالبان إلى السلطة في أفغانستان، ولم تعد المعارضة المسلحة للحركة تختصر في جبهة أو قيادة واحدة.

فمنذ سقوط الحكومة السابقة في أغسطس/آب 2021، ظهرت تباعا تشكيلات تحمل أسماء ورايات مختلفة، تعلن مسؤوليتها عن هجمات ضد القوات الحكومية في عدد من الولايات، في حين تزايد حضور هذه الجماعات في الفضاء الإلكتروني بصورة لافتة خلال الأشهر الأخيرة.

وخلف هذا المشهد، يُطرح سؤال: هل يمثل تعدد الجبهات اتساعا حقيقيا للمعارضة المسلحة، أم أنه يعكس تشرذمها وانقسام قياداتها؟

أهمية خاصة
وتكتسب المسألة أهمية خاصة مع عودة المواجهات المباشرة في ولاية بدخشان، حيث خاضت "جبهة الحرية" معارك مع القوات الحكومية في منطقة زيباك بالولاية.

وتؤكد الأمم المتحدة استمرار نشاط جماعات مسلحة مناهضة للحكومة، وتشير إلى أنها لم تتمكن من تشكيل تحد كبير لسيطرة الحركة على الأراضي الأفغانية، ولا تملك مناطق جغرافية ثابتة تخضع لسيطرتها.

وكانت جبهة المعارضة الوطنية، بقيادة أحمد شاه مسعود، أول أبرز تشكيل مسلح يظهر بعد سقوط كابل. ومع انهيار الحكومة السابقة، تدفق مئات من أفراد الجيش والأجهزة الأمنية إلى ولاية بنجشير شمال كابل، حاملين معهم أسلحة ومعدات، للانضمام إلى المعارضة المسلحة الجديدة.

وحاولت الجبهة تحويل الوادي إلى مركز للمواجهة مع طالبان، لكن الحركة تمكنت من السيطرة على مركز الولاية ومعظم مناطقها بعد هجوم واسع، لتتحول المواجهة لاحقا إلى عمليات محدودة وكر وفر في مناطق مختلفة.

ويقول الباحث في الشؤون الأمنية كريم أميني للجزيرة نت إن شخصيات سياسية وعسكرية من الحكومة الأفغانية السابقة حاولت، عقب الانسحاب الأمريكي، تشكيل جبهات مسلحة للضغط على طالبان، "لكنها لم تتمكن من تحويل هذه المشاريع إلى قوة مؤثرة على الأرض".

ويعزو أميني ذلك إلى أن معظم هذه الجبهات تشكلت خارج أفغانستان، مما حدّ من قدرتها على بناء حضور ميداني وحاضنة اجتماعية داخل البلاد. كما أن اعتمادها على الخيار العسكري في مواجهة طالبان "اصطدم بمجتمع أفغاني أنهكته عقود من الحرب، ولم يعد مستعدا للانخراط في دورة جديدة من الصراع".

إخفاق
وبرأي أميني، فإن بعض قوى المعارضة أخفقت كذلك في قراءة التحولات التي طرأت على المجتمع الأفغاني بعد 4 عقود من النزاع، إذ تعاملت مع المعارضة المسلحة وكأنها إرث سياسي وعسكري يمكن استعادته من الخارج، بدل أن تنطلق من أولويات السكان وتصوراتهم لمستقبل البلاد.

ويؤكد أن المجتمع الأفغاني تعب من الحرب، ولذلك لم تجد كثير من هذه الجبهات البيئة المحلية التي تمكنها من تثبيت وجودها، مضيفا أن "المعارضة التي لا تنطلق من الواقع الأفغاني ومن احتياجات الناس ستجد صعوبة في بناء موطئ قدم داخل البلاد، مهما امتلكت من خبرات أو قيادات عسكرية في الخارج".

ولا يتعلق التحدي أمام هذه الجبهات فقط -وفقا له- بقدرتها على تنفيذ عمليات متفرقة، وإنما بقدرتها على استعادة الثقة الداخلية وبناء حاضنة اجتماعية وتقديم مشروع سياسي مقنع، وهي شروط تبدو -باعتقاده- أكثر أهمية من تعدد الرايات أو ارتفاع عدد البيانات التي تعلن مسؤوليتها عن الهجمات.

أعادت المواجهات الأخيرة في بدخشان شمالي أفغانستان النقاش حول مستقبل المعارضة المسلحة. ففي يوليو/تموز الماضي، أعلنت جبهة الحرية الأفغانية مهاجمة مواقع طالبان في منطقة زيباك، وأنها سيطرت على مواقع عسكرية وأوقعت خسائر في صفوف الحركة.

في المقابل، أكدت طالبان التصدي للهجوم ومقتل عدد من المهاجمين، بينما تحدثت الجبهة عن صد هجمات مضادة. واستمرت المواجهات عدة أيام، في تطور لافت مقارنة بالنمط المعتاد لعمليات المعارضة، قبل أن تتراجع حدة القتال.

المعيار الحقيقي
ويقول الباحث الأفغاني المتخصص في الشؤون الأمنية عبد الكريم خان -للجزيرة نت- إن معارك زيباك مهمة، لأنها تختبر قدرة الجبهات المناهضة لطالبان على الانتقال من العمليات الخاطفة إلى مواجهات أطول، لكن لا يمكن اعتبارها تحولا إستراتيجيا قبل رؤية إذا ما كانت ستتكرر في مناطق أخرى.

ويضيف أن المعيار الحقيقي ليس السيطرة على موقع لساعات أو أيام، وإنما القدرة على الاحتفاظ به، وتأمين خطوط الإمداد، وتوسيع شبكة المقاتلين، و"إجبار طالبان على تغيير انتشارها العسكري بصورة مستدامة".

خارج الميدان، تبدو خريطة المعارضة أكثر ازدحاما. فإلى جانب جبهتي المعارضة الوطنية والحرية الأفغانية، ظهرت أسماء مثل جيش الوطن، وحركة الحرية والعدالة، والجبهة المتحدة لأفغانستان، والحركة الخضراء، وجبهة الاستقلال الوطني، وجبهة الجمهورية، والجبهة الديمقراطية الشعبية، وحركة الحرس الوطني، والجبهة الثورية الوطنية لأفغانستان، وجبهة الحرية والديمقراطية، والجبهة الوطنية للمحررين، وغيرها.

وإعلان المسؤولية لا يعني بالضرورة تنفيذ العملية، ففي بعض الحالات، تبنت أكثر من جهة الهجوم نفسه، وفي حالات أخرى أعلنت جماعات موجودة خارج أفغانستان مسؤوليتها عن عمليات نسبت إلى فصائل أخرى.

ويرى الخبير في الإعلام الرقمي والصراعات المسلحة محمد نوري -في حديثه للجزيرة نت- أن وسائل التواصل أصبحت ساحة ثانية للحرب، موضحا أن الجماعات المسلحة تحتاج إلى إثبات وجودها إعلاميا بقدر حاجتها إلى إثباته ميدانيا.

ويضيف أن التحقق من بيانات التبني يتطلب مقارنة الصور ومقاطع الفيديو ومواقع العمليات وشهادات السكان والبيانات الصادرة عن الأطراف المختلفة، لأن البيان وحده لا يمثل دليلا كافيا.

رد الحكومة الأفغانية
من جانبه، يقلّل المتحدث باسم الحكومة الأفغانية، ذبيح الله مجاهد، من أهمية نشاط الجبهات المسلحة المناهضة لطالبان، معتبرا أن حضورها يتركز أساسا في الفضاء الإلكتروني أكثر منه على الأرض.

وقال للجزيرة نت إن الحكومة "تسيطر على كامل الأراضي الأفغانية، وإنها تملك القدرة على التعامل مع أي حركة تمرد أو جماعة مسلحة تظهر في البلاد"، مؤكدا أن هذه الجماعات لا تمثل تهديدا حقيقيا لاستقرار أفغانستان.

ويرى مجاهد أن المجتمع الأفغاني بات أكثر تمسكا بالأمن والاستقرار بعد عقود من الحرب، ولم يعد مستعدا للسماح بعودة من وصفهم بـ"أمراء الحرب" إلى المشهد، معتبرا أن التجربة السابقة جعلت قطاعات واسعة من السكان ترفض العودة إلى مرحلة الصراع المسلح.

وأضاف أن ما تسمى الجبهات المعارضة "نشطة في الفضاء الأزرق"، في إشارة إلى نشاطها عبر منصات التواصل الاجتماعي، لكنه يؤكد أن ذلك لم يترجم إلى وجود عسكري قادر على تغيير الواقع الميداني.

ورغم تعدد الجبهات، فلا تزال طالبان تسيطر على المدن والمؤسسات، وتمتلك أجهزة أمنية وعسكرية منتشرة في الولايات، بينما لم تتمكن أي من الجماعات المناهضة لها من إنشاء منطقة نفوذ مستدامة.

لكن استمرار الهجمات يفرض على الحركة كلفة أمنية، إذ تحتاج إلى نشر قوات في مناطق جبلية ونائية وملاحقة مجموعات صغيرة قادرة على تنفيذ عمليات مفاجئة، ومن هنا ربما لا يكون هدف المعارضة الحالي هو السيطرة على المدن، بل استنزاف طالبان وإبقاء جبهة أمنية مفتوحة.

معادلة مختلفة
ويقول الخبير في الحركات المسلحة رفيع الله كاكر -للجزيرة نت- إن المعارضة لا تحتاج في المرحلة الأولى إلى السيطرة على مساحات واسعة لكي تؤثر في طالبان، لكنها تحتاج إلى الحفاظ على وتيرة عمليات تجعل الحركة مضطرة إلى تخصيص قوات وموارد باستمرار.

ويحذر من أن الاستنزاف وحده لا يتحول إلى تغيير سياسي ما لم يقترن -برأيه- بقدرة المعارضة على بناء قاعدة اجتماعية ومشروع سياسي مقنع.

تبدو المعادلة الأفغانية اليوم مختلفة عن الأشهر الأولى التي أعقبت عودة طالبان للسلطة، فلم تعد المعارضة المسلحة تراهن على مواجهة عسكرية مباشرة واسعة، بل على انتشار مجموعات صغيرة قادرة على العمل في مناطق مختلفة. في المقابل، تحاول طالبان الحفاظ على السيطرة الأمنية ومنع هذه المجموعات من التحول إلى حركة تمرد واسعة.

ويقول الكاتب والمحلل السياسي خالد أحمدي للجزيرة نت إن "المشكلة الأساسية أن المعارضة المسلحة تبالغ في قدرتها على تنفيذ عمليات، لكنها لم تقدم حتى الآن تصورا موحدا لمرحلة ما بعد طالبان. وفي المقابل، فإن الحركة تملك السيطرة لكنها تواجه تحدي الشرعية السياسية والعلاقات الخارجية".

وهكذا، فإن تعدد الجبهات ربما لا يعني بالضرورة أن أفغانستان تتجه إلى "حرب أهلية جديدة"، لكنه يكشف عن أن الصراع لم ينته مع سقوط الحكومة السابقة.
سياسة | المصدر: الجزيرة | تاريخ النشر : السبت 15 اغسطس 2026
أحدث الأخبار (سياسة)
يمكنكم متابعة احدث اخبارنا عن طريق شبكات التواصل الاجتماعى المختلفة
facebooktwitterRss
®أخبار الصباح AkhbarAlsabah.com