
نعى الديوان الأميري في قطر في بيان، صباح اليوم الأحد، أمير البلاد السابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي توفي عن عمر ناهز 74 عاماً. والشيخ حمد بن خليفة آل ثاني هو الأمير الخامس لدولة قطر، وأحد أبرز القادة في تاريخ قطر الحديث، إذ ارتبط اسمه بمرحلة التحوّل الكبرى التي نقلت الدولة من بلد خليجي صغير ومحدود التأثير إلى لاعب إقليمي ودولي بارز، فتوليه دفّة الحكم في 1995 كان نقطة تحوّل استراتيجية، بدأت بعدها رحلة صعود قطر إلى موقع عالمي. ويُنظر إلى الأمير الوالد الذي يطلق عليه القطريون لقب "دفّان الفقر"، كمهندس صعود قطر الحديث، ففي أقل من عقدين من حكمه، أصبحت قطر قوة مؤثرة إقليمياً ودولياً في مجالات الطاقة والدبلوماسية والإعلام والرياضة. إذ أسس لسياسة خارجية نشطة واقتصاد قوي ومؤسّسات تعليمية وإعلامية مؤثرة، ما جعل قطر لاعباً بارزاً في الساحة الدولية.
وُلد الشيخ حمد في 1 يناير/ كانون الثاني 1952 في الدوحة. نشأ في أسرة الحكم، وتلقّى تعليمه الأساسي في قطر قبل أن يلتحق بالأكاديمية العسكرية الملكية في بريطانيا ساندهيرست، حيث تلقى تدريباً عسكرياً متقدّماً قبل تخرجه عام 1971. بعد عودته انضم إلى القوات المسلحة القطرية، وتدرّج في الرتب العسكرية، حتى أصبح قائداً عامّاً للقوات المسلحة برتبة لواء. بويع عام 1977 ولياً للعهد. ترأس في الثمانينيات المجلس الأعلى للتخطيط، الذي يضع السياسات الاقتصادية والاجتماعية الأساسية لقطر. وبدءاً من 1992، بدأ بتسلم المسؤولية تدريجيّاً عن إدارة شؤون البلاد اليومية، بما في ذلك تطوير موارد النفط والغاز الطبيعي في قطر.
تولّى الشيخ حمد بن خليفة الحكم في قطر في 27 يونيو/ حزيران 1995، لتبدأ مرحلة جديدة من الإصلاحات والتحديث الشامل للدولة، فخلال فترة حكمه (1995 ـ 2013)، قاد مشروعاً واسعاً لبناء دولة حديثة، ارتكز على عدة محاور رئيسية:
النهضة الاقتصادية: تطوير قطاع الغاز الطبيعي، وتحويل قطر إلى أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم.
الانفتاح الإعلامي: إطلاق شبكة قناة الجزيرة عام 1996، التي أصبحت من أبرز الشبكات الإعلامية العالمية.
التعليم والبحث العلمي: إنشاء المدينة التعليمية واستقطاب جامعات عالمية إلى الدوحة.
وفي محور السياسة الخارجية النشطة، لعبت قطر دور الوسيط في نزاعات إقليمية ودولية عديدة، منها النزاعات في لبنان والسودان وأفغانستان وفلسطين.
وفي محور تحديث البنية التحتية أُطلقت مشاريع كبرى في النقل والطاقة والاقتصاد.
ومن أبرز القرارات والإصلاحات التي ارتبطت بعهده:
انتخابات المجلس البلدي المركزي بدءاً من 1999
وإقرار الدستور الدائم لقطر في 2004
وتعزيز دور المرأة في التعليم والعمل والمناصب العامة
وتحويل قطر إلى مركز عالمي للطاقة والاقتصاد والاستثمار
ودعم الرياضة بقوة، حيث فازت قطر في عهده بحق استضافة بطولة كأس العالم بكرة القدم 2022، ليكون الحدث الأول من نوعه في منطقة الشرق الأوسط.
وفي خطوة نادرة في العالم العربي، أعلن الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في 25 يونيو/ حزيران 2013 تسليم الحكم لنجله الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في انتقال سلس للسلطة.
حسّ إنساني عميق
جمع الشيخ حمد بن خليفة بين القيادة السياسية والإحساس الإنساني العميق، فقد تميزت فترة حكمه وما قبلها بقرارات ومواقف تُظهر اهتمامه المباشر بالشعب، ودعمه الشباب، والفنون، والرياضة، والثقافة، والتعليم، إلى جانب مبادراته الإنسانية في الداخل والخارج. وتعكس مواقفه الإنسانية جانباً شخصيّاً عميقاً من قيادته. وكان يحرص على زيارة المدارس والجامعات، ويجلس مع الطلاب ساعاتٍ للاستماع لمشكلاتهم وأفكارهم، ويشجّع الشباب على تطوير مهاراتهم والمشاركة في العمل الوطني، مؤكّداً أن الشباب مستقبل قطر. وكان يحرص على حضور التدريبات والبطولات الرياضية أحياناً من دون دراية الإعلام لتشجيع الرياضيين، ويتابع ملفات الأسر الفقيرة ويرسل دعماً شهريّاً أو مساعدات عاجلة، ما ساهم في تحسين حياة أسر عديدة، وإعطائها شعوراً بالأمان والاهتمام الشخصي.
وكثيراً ما كان يقوم بزيارات عفوية إلى الأسواق الشعبية يلتقي فيها مع المواطنين والمقيمين. كما أنه شجّع الفنانين والأدباء، وموّل معارضهم وشراء أعمالهم، واهتمّ بإبراز الهوية الثقافية القطرية محليّاً وعالميّاً، وأشرف على إرسال مساعدات عاجلة إلى المتضرّرين من الحروب والأزمات الإقليمية، مثل اللاجئين الفلسطينيين واللبنانيين، وتأكد شخصيّاً من وصول المساعدات إلى المستحقين. كما ساهم في إنشاء برامج تدريب الكوادر الطبية، وموّل مشاريع صحية لتوفير رعاية طبية للمواطنين، ودعم الطلاب المتفوقين وقدّم لهم منحاً لمواصلة تعليمهم في الخارج. كما دعم رجال الأعمال الصغار والمشاريع الناشئة، وآمن بأن الابتكار والشباب قوة المستقبل الاقتصادي للبلاد.
دعم كبير لفلسطين ولبنان
لعبت قطر في عهد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني دوراً محوريّاً في دعم الأوضاع الإنسانية والسياسية، بعد التصعيد العسكري في الأراضي الفلسطينية ولبنان في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، حيث عانت غزّة من حصار متواصل واحتياجات إنسانية كبيرة. وواجه لبنان أزمات أمنية وسياسية بعد الحرب الإسرائيلية في 2006. وكان الشيخ حمد الزعيم العربي الوحيد الذي زار غزّة في أكتوبر/ تشرين الأول عام 2012، وتأكد هناك من وصول المساعدات الإنسانية من قطر، حيث شدّد على تقديم مساعدات غذائية وطبّية عاجلة، وفتح قنوات دعم للمستشفيات والمدارس. وكان الهدف المعلن من تلك الزيارة الاستثنائية التخفيف عن السكّان المدنيين، وإظهار التضامن القطري مع الشعب الفلسطيني، حيث موّلت قطر مشاريع البنية التحتية للمستشفيات والمدارس والطرق ومحطة الكهرباء، ودعم الأسر الفقيرة والأيتام عبر صندوق قطر للتنمية، وإنشاء مشاريع سكنية لتخفيف أزمة الإسكان.
وكان الشيخ حمد بن خليفة الزعيم العربي الوحيد الذي زار جنوب لبنان، بعد الحرب العدوانية الإسرائيلية عليه عام 2006، حيث التقى المسؤولين اللبنانيين لتنسيق جهود المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار، وزار المناطق المتضرّرة بشكل مباشر، مؤكّداً أهمية دعم المدنيين بعيداً عن الصراعات السياسية، ودعم إعادة بناء المنازل والبنية التحتية، وأمر بتمويل المستشفيات والمراكز الطبية، ودعم مشاريع تعليمية للأطفال المتضرّرين. وأظهرت زيارتاه غزّة ولبنان التزام قطر تجاه الشعوب المتضرّرة، وأكدتا قدرة الدولة على لعب دور مؤثر في حل الأزمات الإنسانية والسياسية.
قطر في الربيع العربي
أدّى الشيخ حمد بن خليفة دوراً بارزاً في أثناء الربيع العربي (2011)، وكان موقفه من الأزمة السورية من أكثر المواقف العربية وضوحاً. فمع اندلاع الاحتجاجات في أواخر 2010 وبداية 2011 في عدة دول عربية، في تونس ومصر وسورية وليبيا، اتخذت قطر سياسة داعمة للتغيير السياسي في بعض الدول، وكان هذا عبر الدعم السياسي والدبلوماسي والإعلامي، بدعم مطالب الشعوب في الإصلاح والتغيير. كما لعبت قطر دوراً نشطاً في جامعة الدول العربية لدعم مواقف ضاغطة على الأنظمة التي استخدمت العنف ضد المتظاهرين. وأسهمت شبكة الجزيرة الإعلامية في تغطية الاحتجاجات في تونس ومصر وليبيا وسورية بشكل مكثف. وبعد سقوط نظام الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في أعقاب ثورة 25 يناير 2011، برزت قطر أحد أبرز الداعمين للاقتصاد المصري في مرحلة الانتقال السياسي التي شهدتها البلاد بين عامي 2011 و2013.
ومع اندلاع الاحتجاجات في سورية في مارس/ آذار 2011 ضد نظام بشار الأسد، كان الشيخ حمد من أوائل القادة العرب الذين دعوا إلى موقف عربي قوي، حيث قادت قطر تحرّكاً داخل جامعة الدول العربية لتعليق عضوية سورية عام 2011، ودعمت مبادراتٍ لإرسال مراقبين عرب إلى سورية، ودعمت المعارضة السورية، واستضافت اجتماعاتٍ لها، وساعدت في تشكيل أطر سياسية، مثل الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية. وفي يناير/ كانون الثاني 2012، دعا الشيخ حمد علناً إلى إرسال قوات عربية إلى سورية لوقف العنف، في خطوة غير مسبوقة من زعيم عربي. ومع تفاقم الأزمة الإنسانية، قدّمت قطر مساعدات كبيرة للاجئين السوريين في دول الجوار، مثل الأردن وتركيا ولبنان، إضافة إلى دعم مشاريع إغاثية داخل سورية عبر منظمات دولية وإنسانية، وظلت محافظة على مواقفها الداعمة الشعب السوري وثورته، ورفضها التعامل مع نظام بشار الأسد، واعتمدت السفارة السورية في الدوحة الوحيدة ممثلة للشعب السوري، حتى نجح في إسقاط بشار الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024.
وبرزت قطر أحد أبرز الفاعلين العرب في ليبيا التي اندلعت الثورة فيها عام 2011. ومع بداية الاحتجاجات في فبراير/ شباط 2011، تبنّت موقفاً داعماً للمعارضة الليبية، وسعت إلى حشد موقفٍ عربيٍّ ودوليٍّ ضد نظام القذافي، ولعبت دوراً مهماً داخل جامعة الدول العربية لدعم قرار طلب فرض منطقة حظر جوي فوق ليبيا، والذي مهّد لاحقاً لتدخّل عسكري دولي بقيادة حلف شمال الأطلسي. كما كانت قطر من أوائل الدول العربية التي اعترفت بالمجلس الوطني الانتقالي الليبي ممثلاً شرعياً للشعب الليبي.
غيّرت عشرة قرارات اتخذها الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، في أثناء توليه الحكم في بلاده، مسار دولة قطر الحديثة
الاستثمار الكامل في حقل غاز الشمال أكبر حقل غاز طبيعي في العالم، وإنشاء صناعة الغاز الطبيعي المسال، ما جعل قطر لاحقاً أكبر مصدّر للغاز المسال عالمياً. إنشاء شبكة الجزيرة الإعلامية 1996، الأمر الذي وضع قطر على خريطة الإعلام العالمي، وأوجد لها تأثيراً إعلامياً وسياسياً غير مسبوق. تأسيس جهاز استثماري عالمي؛ صندوق قطر للاستثمار، وهو صندوق ثروة سيادي تأسس عام 2005 لإدارة أصول الدولة وتنميتها محليّاً وعالميّاً، واستثمار فوائض الغاز. وهو من أكبر الصناديق السيادية في العالم، والذي وصلت أصوله عام 2025 إلى 580 مليار دولار. إنشاء مؤسّسة قطر، والتي نتج عنها تأسيس المدينة التعليمية التي استقطبت فروع جامعات عالمية، مثل جورجتاون وكارنيغي ميلون. إصدار الدستور الدائم، وكان من نتائجه تطوير المؤسّسات السياسية، وتعزيز سيادة القانون. بناء سياسة خارجية نشطة ساهمت في اعتماد قطر وسيطاً دوليّاً شارك في وساطاتٍ عديدة، وحل النزاعات الدولية الإقليمية، ما عزّز نفوذها السياسي. تطوير قطاع الطيران، حيث أصبحت الخطوط الجوية القطرية من أفضل شركات الطيران العالمية، وباتت الدوحة معها مركز عبور عالمياً. بناء بنية تحتية حديثة، وإقامة مشاريع كبرى، كالطرق والجسور والموانئ، ما مهّد للمدن الجديدة، كاللؤلؤة ولوسيل. التوجه نحو الرياضية العالمية، وأبرزها استضافة بطولة كأس العالم 2022، وكانت أول بطولة تقام في المنطقة. والقرار التاريخي العاشر تسليم الشيخ حمد بن خليفة سدة الحكم إلى نجله الشيخ تميم بن حمد في انتقال سلس للسلطة حافظ على استقرار الدولة.