
في 14 أبريل/نيسان 2026، وقفت رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني أثناء جولتها في معرض فينيتالي الدولي للنبيذ بمدينة فيرونا الإيطالية، لتعلن أن حكومتها قررت تعليق التجديد التلقائي لاتفاقية التعاون الدفاعي مع إسرائيل، التي تشمل تبادل المعدات العسكرية والأبحاث التكنولوجية بين القوات المسلحة في البلدين، والتي شكَّلت لسنوات إطارا لعقود دفاعية كبرى، من بينها صفقات حصلت بموجبها إسرائيل على مروحيات إيطالية.
اللافت أن إعلان ميلوني جاء مقتضبا وعلى هامش الحدث؛ إذ قالت: "في ضوء الوضع الراهن قررت الحكومة تعليق التجديد التلقائي لاتفاقية الدفاع مع إسرائيل"، قبل أن تستأنف جولتها بين أجنحة المعرض، كما لو أن القرار مجرد تفصيل عابر في يوم عمل مزدحم. لكن هذه العبارة، التي اتسمت بهدوء ظاهري، تقطع خيطا امتد لأكثر من عقدين، وتضع حكومة يمينية أوروبية -كانت حتى أسابيع قليلة تُعدّ من أقرب حلفاء تل أبيب في القارة- في موقع غير معتاد بالنسبة لها.
فقبل 23 عاما، تحديدا في يونيو/حزيران 2003، وقف أرييل شارون رئيس وزراء إسرائيل آنذاك في القدس إلى جوار رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلسكوني، المعلم السياسي لميلوني نفسها، ليعلن إنه "فخور بكونه صديق إسرائيل الأكثر حزما وصدقا وقربا". وكانت ثمرة تلك الزيارة مذكرة التفاهم الدفاعية التي صادق عليها البرلمان الإيطالي عام 2005، ودخلت حيز التنفيذ عام 2006، لتتجدد تلقائيا كل خمس سنوات. وعلى مدى عقدين، لم تنسحب منها أي حكومة إيطالية، يمينية كانت أم يسارية، ما يجعل قرار اليوم لافتا، فضلا عن صدوره عن حكومة ترأسها ميلوني، بكل سجلها الداعم لإسرائيل، إذ دافعت عن حق إسرائيل المزعوم في "الرد" على هجمات طوفان الأقصى في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وقاومت لأشهر طويلة موجة الانتقادات الأوروبية لحرب غزة.
على الجانب الآخر، سارعت وزارة الخارجية الإسرائيلية إلى التقليل من أهمية القرار، معتبرة أن تعليق مذكرة تفاهم قديمة "لم تتضمن أي محتوى جوهري" لا يؤثر على أمن إسرائيل. في الوقت الذي قرأت فيه الدوائر السياسية الأوروبية الخطوة بوصفها إشارة إلى تصاعد الضغوط الداخلية على الحكومات الغربية في ما يتعلق بعلاقاتها العسكرية مع تل أبيب. فقد جاء القرار الإيطالي عقب تصاعد الانتقادات الداخلية، بعد استهداف الجنود الإيطاليين ضمن قوات اليونيفيل (UNIFIL) الرابضة في جنوب لبنان، وتزايد الضغوط البرلمانية والإعلامية لمراجعة صادرات السلاح، في ظل التزامات قانونية تُقيِّد توريد الأسلحة إلى مناطق النزاع.
وبين التقليل الإسرائيلي والتفسير الأوروبي والدافع الإيطالي، يطرح القرار سؤالا يتجاوز حدوده الإجرائية: هل نحن أمام خطوة رمزية عابرة، أم بداية إعادة تعريف للعلاقة الدفاعية بين إيطاليا وإسرائيل وربما بين أوروبا كلها والدولة العبرية؟ وما الذي تغيَّر تحديدا بين لحظة برلسكوني وشارون عام 2003، ولحظة ميلوني في فيرونا عام 2026؟
سلاح مقابل سلاح
تقتضي الإجابة على هذه الأسئلة العودة أولا إلى ماهية هذه المذكرة واستعراض ما أتاحته عمليا؛ إذ تمثل في جوهرها آلية لتبادل المشتريات الدفاعية، بحيث ترتبط كل صفقة سلاح بين البلدين بصفقة مقابلة، في نموذج أقرب إلى المقايضة الإستراتيجية منه إلى التجارة العسكرية التقليدية. وقد تجسَّد هذا المنطق بوضوح في أول اختبار فعلي للمذكرة بين عامي 2011-2012، حين أُبرمت صفقة تبادلية كبرى تضمَّنت شراء إسرائيل 30 طائرة تدريب إيطالية من طراز "إم-346" (M-346) -تُعرف في إسرائيل باسم "لافي" (Lavi)- من تطوير شركة ليوناردو (Leonardo) الإيطالية، في صفقة قُدِّرَت قيمتها آنذاك بنحو مليار دولار. وقد سُلِّمت هذه الطائرات بين عامي 2014.2016.
في المقابل، حصلت إيطاليا على منظومتين تنتميان إلى فئة المراقبة والاستطلاع. الأولى، قمر استطلاع فضائي من طراز "أوبتسات-3000" (OPTSAT-3000)، الذي تصفه شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية -المُصنِّعة له- بأنه يمتلك "أكثر القدرات التصويرية تقدُّما في العالم". أما الأخرى، فتتمثل في طائرتي إنذار مبكر من طراز "جي-550 كايو" (G550 CAEW) من تطوير الشركة نفسها. وتعد هذه الطائرات مراكز قيادة طائرة مُزوَّدة برادارات متقدمة ومنظومات استخبارات إلكترونية، ما يوفر وعيا كاملا بالوضع الميداني ومراقبة مستمرة بزاوية 360 درجة لجميع التهديدات الجوية والبحرية، وقُدِّرت القيمة الإجمالية لهذه الصفقات بنحو 550 مليون دولار.
أما الصفقة التبادلية الثانية فكانت عام 2020، وتمحورت حول مروحيات التدريب الخفيفة "119 كيه إكس" من إنتاج شركة ليوناردو الإيطالية؛ حيث حصلت إسرائيل في المجمل على 12 مروحية ضمن حزمة تدريب متكاملة، تشمل بنية تحتية وعقود دعم طويلة الأمد. وتتميّز هذه المروحية بكونها خفيفة منخفضة التكلفة التشغيلية، عالية المناورة، ومُزوَّدة بأنظمة ملاحة رقمية، ما يجعلها مناسبة لتدريب الطيارين، إضافة إلى مهام المراقبة والاستطلاع والنقل الخفيف والإخلاء الطبي.
في المقابل، حصلت إيطاليا على صواريخ وقاذفات سبايك المضادة للدروع من شركة رافائيل (Rafael) الإسرائيلية للأنظمة الدفاعية، وقد مرَّ جزء من هذه الترتيبات عبر برنامج المبيعات العسكرية الأجنبية "إف إم إس" التابع لوزارة الحرب الأمريكية، مع إنتاج بعض المنصات في منشآت الشركة في فيلادلفيا. ورغم ضخامة هذه الصفقات، ينبغي وضعها في سياقها الصحيح؛ إذ تُظهِر بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام أن إيطاليا تُعدّ ثالث أكبر مُورِّد أسلحة لإسرائيل، بعد الولايات المتحدة وألمانيا، لكن بحصة محدودة لا تتجاوز 1% من وارداتها الدفاعية ما بين عامي 2020.2024، مقابل 66% للولايات المتحدة و33% لألمانيا.
في السياق ذاته، تشير طبيعة الصفقات الكبرى إلى أن صادرات روما إلى تل أبيب تتركز في منصات لا تستخدم مباشرة في مهام القصف والقتال، مثل مروحيات التدريب والإخلاء الطبي، وهو ما تستند إليه روما في خطابها الرسمي؛ إذ أكَّد وكيل وزارة الدفاع جورجيو سيللي أمام لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان في أبريل/نيسان 2024، أن مراجعة "تراخيص التصدير المعتمدة قبل السابع من أكتوبر" أظهرت أن المواد المعنية "لا يمكن استخدامها ضد شعب غزة".
غير أن هذا الطرح يتهاوى عند فحص الصفقات الثانوية؛ إذ يشير مشروع إنفيستيغيت البحثي المختص في رصد وتوثيق تورط الشركات الدولية في انتهاكات حقوق الإنسان، إلى أن شركة ليوناردو (Leonardo) زوَّدت البحرية الإسرائيلية بمدافع بحرية من طراز أوتو ميلارا 76/62 سوبر رابيد (Oto Melara 76/62 Super Rapid) عيار 76 ملم، التي تُركَّب على سفن الحرب والفرقاطات من فئات ساعر (Sa’ar). وقد دخلت إحدى هذه السفن (تحديدا فئة ساعر 6) الخدمة العملياتية لأول مرة في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2023، خلال الهجمات الإسرائيلية على غزة.
ويُعدُّ أسطول ساعر (Sa’ar) العمود الفقري للبحرية الإسرائيلية، وقد لعب دورا محوريا في فرض الحصار البحري على قطاع غزة منذ عام 2007، ما يكشف أن تأكيد الحكومة الإيطالية أنها لم تُصدِّر أسلحة هجومية يمكن استخدامها ضد المدنيين، يستند إلى تعريف ضَيِّق يستثني المُكوِّنات والأنظمة الفرعية المدمجة داخل منظومات قتالية أكبر، وهو تمييز قانوني بيروقراطي لا يصمد أمام الواقع العملي.