
يتجه العالم نحو صدمة غاز قاسية بسبب الاعتداءات الإيرانية الأخيرة على رأس لفان، بعد أكثر من أسبوعين من وقف الإنتاج القطري للغاز وإعلان القوة القاهرة في مطلع مارس/ آذار، بسبب الهجمات الإيرانية المتكررة، وذلك وسط إغلاق طهران مضيق هرمز الحيوي والمركزي لنقل الغاز إلى دول العالم. ويقع حقل الشمال للغاز في شمال شرق قطر في المياه الضحلة من الخليج، ويمتد تحت قاع البحر ضمن ما يُعرف جيولوجياً ببنية "القبّة الشمالية" في المنطقة البحرية المقابلة لرأس لفان. والحقل جزء من تركيب جيولوجي واحد هائل مشترك بين قطر وإيران.
وتقع منشآت التسييل والتصدير الرئيسة المرتبطة بالحقل في مدينة رأس لفان الصناعية، التي تطورت خلال العقود الماضية لتصبح واحدة من أكبر مراكز صناعات الغاز المسال والبتروكيماويات في العالم، والتي استهدفتها الصواريخ الإيرانية يومي الأربعاء والخميس الماضيين، ما أدى إلى تعطيل وحدتين من أصل 14 وحدة لمعالجة الغاز الطبيعي المسال، بالإضافة إلى إحدى محطتي تحويل الغاز إلى سوائل، وحسب وزير الدولة لشؤون الطاقة، والرئيس التنفيذي لشركة قطر للطاقة، سعد بن شريدة الكعبي، ستؤدي أعمال الإصلاح إلى توقف إنتاج 12.8 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً لمدة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات. وكشف الكعبي أن الهجمات الإيرانية عطلت 17% من قدرة قطر على تصدير الغاز الطبيعي المسال، ما تسبب في خسائر تقدر بنحو 20 مليار دولار من الإيرادات السنوية، ويهدد الإمدادات إلى أوروبا وآسيا.
والحرب الإيرانية لم تنته بعد، وكلما طال إغلاق مرافق الغاز القطرية تتعقد الأزمات حول العالم. وقال شاول كافونيك، محلل الطاقة في شركة إم إس تي ماركي لـ "بلومبيرغ": "نحن الآن على وشك الوصول إلى سيناريو أزمة غاز كارثية. حتى بعد انتهاء الحرب، قد يستمر انقطاع إمدادات الغاز الطبيعي المسال لأشهر أو حتى سنوات، وذلك بحسب المدة اللازمة لإصلاح الأضرار".
بحسب مورغان ستانلي، فإن أي انقطاع في إمدادات الغاز الطبيعي المسال لأكثر من شهر "يؤدي سريعاً إلى عجز كبير". وإذا امتد هذا الانقطاع إلى ثلاثة أشهر، فسيكون أكبر انقطاع في إمدادات الغاز الطبيعي المسال في تاريخ هذه الصناعة الذي يمتد لنصف قرن. وفيما تبدو الأزمة شديدة على الدول الآسيوية التي تعتمد أساساً على الغاز القطري، قال فرانسيسكو بلانش، رئيس قسم أبحاث السلع والمشتقات العالمية في بنك أوف أميركا: "سنحتاج في نهاية المطاف إلى مزيد من ترشيد الطلب لعدم كفاية الغاز".
وأضاف: "المخزونات في أوروبا منخفضة للغاية بعد فصل شتاء بارد. ويجب إعادة بناء هذه المخزونات خلال الشهرين أو الأشهر الثلاثة المقبلة، وعندها سيبدأ الضغط بالظهور". وتواجه أوروبا وآسيا خطر التنافس على الإمدادات الشحيحة، مما يزيد من احتمالية نشوب حرب أسعار بين حوضي المحيط الأطلسي والهادئ.
وتأتي هذه التأثيرات الضخمة كون حقل الشمال يُعد أكبر حقل غاز غير مصاحب للنفط في العالم، ويضم زهاء 10% من الاحتياطيات المؤكدة للغاز طبيعياً على مستوى العالم وفق تقديرات رسمية. وتشير بيانات فنية إلى أن الحقل يحتوي على أكثر من 900 تريليون قدم مكعبة قياسية من الغاز القابل للاستخراج في الجانب القطري فقط، وهو ما يمنح قطر قاعدة إنتاج يمكن أن تمتد لعدة عقود قادمة. في فبراير/ شباط 2024 أعلنت شركة قطر للطاقة المملوكة للدولة، اكتشاف كميات إضافية "هائلة" في القطاع الغربي من الحقل، قدرت بنحو 240 تريليون قدم مكعبة إضافية، ما رفع الاحتياطيات الغازية للدولة من نحو 1760 إلى أكثر من 2000 تريليون قدم مكعبة، مع زيادة في احتياطيات المكثفات من 70 مليار برميل إلى أكثر من 80 مليار برميل.
ويُغذي حقل الشمال مجمعات الغاز في رأس لفان بكميات تقارب ستة مليارات قدم مكعب قياسية يومياً ضمن مشروع التوسعة الشرقي، مع خطط لرفع الطاقة التصميمية لإنتاج الغاز في المجمع إلى أكثر من 171 مليار متر مكعب سنوياً في نهاية 2026. وتُترجم هذه الكميات إلى صادرات من الغاز الطبيعي المسال جعلت من قطر أحد أكبر المصدرين عالمياً، مع دور متزايد في أمن الطاقة لآسيا وأوروبا.
وتعود قصة حقل الشمال إلى عام 1971، ويقول نائب رئيس الوزراء القطري ووزير الطاقة والصناعة الأسبق لأكثر من 20 سنة، عبدالله بن حمد العطية، في حديث سابق لـ"العربي الجديد" إن "شركة شل هي التي اكتشفت حقل الشمال، وكانت توقعاتها بأن يكون الحقل بترولياً، فلما ظهر أنه غاز كانت صدمة كبيرة للشركة التي أرجعت الامتياز للدولة، وقالت إن الغاز ليس له أهمية، وخرجت من المشروع، واستمر الوضع نحو 20 عاماً، إلى أن عادت الشركة في فترة التسعينيات، بعد أن ظهرت أهمية الغاز في إنتاج الطاقة".
بدأ الإنتاج الفعلي من الجانب القطري في مطلع التسعينيات من القرن الماضي، من خلال مشروع "ألفا" الذي مثّل أول استغلال تجاري للغاز والمكثفات من الحقل. وتتابعت مراحل التطوير مع إنشاء شركتي "قطرغاز" و"راس غاز" ومجمعات الغاز المسال في رأس لفان، لتتحول قطر خلال سنوات قليلة من منتج محدود إلى لاعب محوري في سوق الغاز المسال العالمية.