Akhbar Alsabah اخبار الصباح

لماذا تُعد الهجمات على حقول الغاز تصعيدا خطيرا في مسار الحرب؟

الهجمات على حقول الغاز في تحول نوعي خطير، انتقلت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران من استهداف المنشآت العسكرية إلى ضرب قلب إنتاج الطاقة نفسه، بعد أن استهدفت إسرائيل حقل بارس الجنوبي -أكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم- في ما وصفته صحيفة الغارديان البريطانية بأنه "تصعيد كبير له عواقب محتملة طويلة الأمد".

فلماذا يُعد استهداف حقول الغاز أخطر من ضرب المواقع العسكرية؟ وما الذي دفع إسرائيل لعبور هذا الخط الأحمر؟ وكيف رد الإيرانيون؟ وما السيناريوهات المحتملة لهذا التصعيد الخطير؟

من العسكري إلى الطاقة
وتشير صحيفة غارديان إلى أن "الضربات التي شنها كلا الجانبين على ما تسمى منشآت إنتاج الغاز في الأيام الأخيرة تمثل تصعيدا كبيرا في الحرب، مع عواقب محتملة طويلة الأمد".

وتضيف الصحيفة أن هذه الضربات شكلت سابقة في استهداف المنشآت المرتبطة بإنتاج الطاقة بشكل مباشر في الصراع، بدلا من المواقع المرتبطة بشكل عام بصناعة النفط والغاز.

واستهدفت إسرائيل منشأة إنتاج إيرانية لحقل غاز بارس الجنوبي أمس الأربعاء، وهو أكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم تتقاسمه إيران مع قطر عبر الخليج.

ويمثل الحقل نحو ثلث احتياطي الغاز الطبيعي في أكبر حقل غاز بحري في العالم، ويسهم بأكثر من 40% من إجمالي إمدادات الغاز الإيرانية، مما يجعله عنصرا محوريا في دعم الاقتصاد للبلاد.

وتقدر احتياطاته القابلة للاستخراج بنحو 14 تريليون متر مكعب، وينتج قرابة 1.5 مليون متر مكعب يوميا من الغاز، يُوجه معظمه للاستهلاك المحلي، خاصة في محطات الكهرباء والصناعات الثقيلة.

في المقابل، استهدفت إيران -أول أمس الثلاثاء- حقل شاه للغاز في أبوظبي، الذي ينتج 1.28 مليار قدم مكعب قياسي من الغاز يوميا، ويساهم بنحو 20% من إمدادات الغاز في الإمارات، و5% من احتياجات العالم من الكبريت المحبب المستخدم في الأسمدة الفوسفاتية، حسب غارديان.

كما ضربت إيران مدينة رأس لفان الصناعية في قطر، التي تعالج نحو 20% من إمدادات الغاز العالمية، وفق وكالة رويترز.

وأفادت شركة قطر للطاقة بوقوع "أضرار جسيمة" بعد أن أصابت الصواريخ الإيرانية المدينة، مع اندلاع "حرائق كبيرة" في عدة منشآت للغاز الطبيعي المسال.

لماذا هذا التصعيد خطير؟
تحذر صحيفة غارديان من أنه "بينما قد يؤدي وقف الأعمال العدائية إلى عودة شحنات الغاز والنفط المعلقة في غضون أشهر، يُرجّح الخبراء أن أي ضرر كبير يلحق بالإنتاج نفسه قد يكون له تأثير يمتد لسنوات".

ونقلت الصحيفة عن شاول كافونيك، المحلل في شركة "إم إس تي فايننشال"، قوله لصحيفة فايننشال تايمز إن "أي هجوم يؤدي إلى توقف إنتاج بضعة ملايين من البراميل سيكون له أثر بالغ، لأنه يعني استحالة إعادة ملء المخزونات حتى بعد انتهاء الحرب".

وأضاف كافونيك أن "استهداف منشأة للغاز الطبيعي المسال سيكون الأسوأ، لأنه قد يستغرق إصلاحها عدة سنوات".

وتستشهد غارديان بـ"درس من تداعيات غزو العراق عام 2003″، مشيرة إلى أن "إصلاح البنية التحتية المتضررة لإنتاج الطاقة استغرق وقتا أطول بكثير من المتوقع".

وتوضح أنه "على الرغم من تمكن المقاولين من الوصول إلى المصانع العراقية وإنفاق ملياري دولار على مشاريع النفط، فإن الإنتاج استغرق أكثر من عامين للعودة إلى مستويات ما قبل الحرب".

وارتفعت أسعار النفط بشكل حاد بعد هجوم بارس الجنوبي، إذ زادت أسعار العقود ‌الآجلة ⁠لخام ⁠برنت ⁠بأكثر من ⁠7 دولارات ‌لتصل إلى 114.83 دولارا للبرميل ⁠بعد إفادة مؤسسة ⁠البترول ⁠الكويتية بأن ⁠طائرة ⁠مسيرة استهدفت ‌وحدة تشغيلية ‌في ‌مصفاة ميناء الأحمدي.

وارتفعت أسعار الغاز في أوروبا بنسبة 35% اليوم الخميس مع استهداف ضربات جديدة بنى تحتية للطاقة في المنطقة بما في ذلك منشأة راس لفان الرئيسية للغاز في قطر.

كما تجاوزت أسعار الديزل في الولايات المتحدة 5 دولارات للغالون لأول مرة منذ موجة التضخم عام 2022، بحسب غارديان.

لماذا الآن؟
وامتنعت الولايات المتحدة وإسرائيل سابقا عن استهداف منشآت إنتاج الطاقة الإيرانية في الخليج في محاولة لتجنب رد إيراني ضد صناعات النفط والغاز لدى جيرانها، بحسب غارديان.

لكن يبدو أن هذا التحفظ انتهى، إذ أفادت صحيفة وول ستريت جورنال وموقع أكسيوس بأن ترمب "كان على علم مسبق بخطة إسرائيل لاستهداف الجزء الإيراني من أكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم، ودعمها".

وأعلنت إيران، بعد هجوم بارس الجنوبي، أن مواقع النفط والغاز الإقليمية التابعة لدول الجوار أصبحت "أهدافا مباشرة ومشروعة" ويجب إخلاؤها فورا.

وتعهد ترمب بألا تشن إسرائيل أي هجمات جديدة على حقل بارس الجنوبي، إلا إذا ارتكبت إيران "حماقة جديدة" بمهاجمة دولة قطر، مضيفا أنه في هذه الحالة، ستقوم الولايات المتحدة الأمريكية، سواء بمساعدة أو موافقة إسرائيل أو بدونها، بتفجير حقل بارس الجنوبي بالكامل.

وأفادت وكالة رويترز بأن إدارة ترمب تدرس نشر آلاف الجنود الأمريكيين لتعزيز عملياتها في الشرق الأوسط، في إطار استعدادات الجيش الأمريكي لخطوات محتملة جديدة في الحرب ضد إيران.

وكشفت تقارير صحفية أمريكية عن خطة عسكرية للاستيلاء على جزر إستراتيجية في الخليج، باستخدام وحدة مارينز قوامها 2200 جندي، في إطار مساع لإعادة فتح مضيق هرمز الذي أغلقته إيران فعليا منذ اندلاع الحرب قبل 3 أسابيع.

وحددت وول ستريت جورنال 3 جزر رئيسية قد تستهدفها العملية، وهي جزيرة خارك وتمثل 90% من النفط الإيراني، وجزيرة قشم وتمثل البوابة الإستراتيجية وتقع عند مدخل المضيق، وجزيرة كيش، حيث ترسو قوارب هجومية إيرانية صغيرة تسهم في تعطيل حركة السفن بالمضيق.

دول الخليج: المتضرر الأكبر
واتهمت قطر إسرائيل بشن هجوم "خطير وغير مسؤول" على حقل بارس الجنوبي، مشددة على أن ذلك يُعرّض أمن الطاقة العالمي للخطر، كما نددت بإيران لما وصفته بالانتهاك الصارخ للقانون الدولي.

وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية ماجد الأنصاري أن "استهداف منشآت حقل بارس بإيران -الذي يمتد لحقل غاز الشمال بقطر- خطوة خطرة، وتهديد لأمن الطاقة العالمي ولشعوب المنطقة والبيئة".

وقالت الإمارات إن هجوم بارس الجنوبي "يشكل تهديدا للطاقة العالمية ولأمن واستقرار المنطقة".

وأشارت صحيفة غارديان إلى أن "إنتاج الطاقة في الخليج لطالما حظي بأهمية اجتماعية وسياسية ودبلوماسية تتجاوز بكثير مجرد العائد الاقتصادي".

فإنتاج الطاقة يمثل أساس "العقد الاجتماعي" والاستقرار، وضرب هذه المنشآت يهدد مستويات المعيشة واستمرار مشاريع التنويع الاقتصادي، بحسب غارديان.

السيناريوهات المحتملة
حرب طاقة إقليمية شاملة: أصدرت إيران "تحذيرات بالإخلاء" قبل هجماتها على عدة منشآت نفطية على دول الجوار، وهذا يشير إلى استعداد إيراني لتوسيع دائرة الاستهداف لتشمل جميع منشآت الطاقة الخليجية.

أزمة غير مسبوقة: ومع إغلاق مضيق هرمز فعليا -الذي استوعب 38% من تجارة النفط الخام المنقولة بحرا في العالم خلال الأسبوع الذي سبق اندلاع الحرب (وفق وكالة تجارية تابعة للأمم المتحدة)- وتدمير منشآت الإنتاج، فإن العالم قد يواجه أزمة طاقة غير مسبوقة.

تدخل بري أمريكي: تدرس إدارة ترمب إرسال قوات برية للاستيلاء على جزيرة خارك، التي تمثل نقطة لمرور 90% من صادرات النفط الإيرانية، وجرز أخرى داخل مضيق هرمز من أجل إعادة فتح الملاحة في المضيق وإرغام إيران على الاستسلام، وهو ما قد يُحول الحرب إلى صراع بري طويل الأمد.

كارثة بيئية: حذرت دولة قطر من أن استهداف حقل (بارس/الشمال) يشكل تهديدا للبيئة، إذ قد يؤدي تدمير منشآت الغاز إلى تسربات ضخمة وكوارث بيئية طويلة الأمد.

ويمثل التحول من استهداف المنشآت العسكرية إلى ضرب قلب إنتاج الطاقة نقطة تحول خطرة في الحرب، تنذر بأضرار قد تمتد لسنوات، ويدفع العالم كله ثمنها من تضخم وارتفاع أسعار.

وفي ظل غياب أي أفق لوقف التصعيد، فإن المنطقة والعالم، يتجهان -على ما يبدو- نحو أزمة طاقة واقتصادية وبيئية قد تستمر لسنوات طويلة، حتى بعد انتهاء الحرب.
سياسة | المصدر: الجزيرة - محمد داود | تاريخ النشر : الخميس 19 مارس 2026
أحدث الأخبار (سياسة)
يمكنكم متابعة احدث اخبارنا عن طريق شبكات التواصل الاجتماعى المختلفة
facebooktwitterRss
®أخبار الصباح AkhbarAlsabah.com