
تعثرت جهود الحكومة العراقية في إقناع جميع الفصائل المسلحة بعدم التدخل في الحرب الدائرة في المنطقة، فيما تواجه عدة مدن عراقية منذ أيام تصعيداً أمنياً لافتاً، أبرزها أربيل وبغداد والأنبار وبابل، عبر اعتداءات جوية تنفذها طائرات أميركية.
وتنفذ فصائل مسلحة عمليات قصف لمواقع ومنشآت أميركية في مطار بغداد الدولي، وقاعدة حرير بمدينة أربيل وكذلك القنصلية الأميركية فيها. وأعلنت عدد من الفصائل العراقية انخراطها العسكري المباشر في دعم طهران ضمن هذه المواجهة، بينما فضلت فصائل أخرى الاكتفاء بالدعم السياسي والإعلامي من دون الانخراط في عمليات عسكرية، ما يعكس تبايناً لافتاً في الحسابات السياسية والعسكرية داخل هذا المعسكر.
وقال مسؤول عسكري عراقي لـ"العربي الجديد" إن مواقع تابعة لفصائل مسلحة أغلبها لـ"كتائب حزب الله"، تعرضت لنحو 10 هجمات خلال الأيام الماضية، ما أسفر عن سقوط أكثر من 20 قتيلاً وجريحاً من عناصر الفصائل المنتسبين أيضاً لما يعرف بالـ"الحشد الشعبي".
ويظهر جلياً عودة الأسماء البديلة لبعض الفصائل، مثل "سرايا أولياء الدم"، و"أصحاب الكهف"، و"المقاومة الإسلامية"، و"الكفيل"، وغيرها وهي واجهات لفصائل مسلحة نافذة بالعراق، تستخدمها في العادة للمناورة السياسية وحسابات داخلية في العراق، من بينها توسيع جبهة المشاركين في الانخراط في الحرب.
غير أن الفصائل الأبرز في العراق التي أعلنت دخولها الحرب رسمياً إلى جانب إيران، هي "كتائب حزب الله"، و"حركة النجباء"، و"كتائب سيد الشهداء"، و"حركة أنصار الله الأوفياء"، وهي جماعات مسلحة تمتلك تاريخاً طويلاً من العمل ضمن الفصائل المنضوية في إطار ما يعرف بـ"المقاومة الإسلامية في العراق"، وترتبط سياسياً وأيديولوجياً بمحور إقليمي تقوده إيران. وقد بّررت هذه الفصائل مشاركتها بما وصفته بـ"الدفاع عن محور المقاومة".
في المقابل، اختارت فصائل عراقية أخرى، رغم تبنيها الخطاب نفسه تقليدياً، عدم الانخراط العسكري المباشر في هذه المواجهة. ومن أبرز هذه الفصائل "عصائب أهل الحق"، و"كتائب الإمام علي"، و"حركة جند الإمام"، وكذلك الجناح العسكري لمنظمة "بدر"، إلى جانب فصائل أخرى. وقد اكتفت هذه الجهات بإعلان مواقف سياسية داعمة لإيران، إلى جانب نشاط إعلامي وتعبوي، من دون إعلان مشاركة عسكرية مباشرة في العمليات الجارية.
ويطرح هذا التباين في المواقف تساؤلات عديدة حول أسباب الانقسام داخل الفصائل التي لطالما ظهرت في خطاب موحد تحت شعار "المقاومة". ويرى مراقبون أن هذا الانقسام يعود إلى مجموعة من العوامل المعقدة، من بينها اختلاف الحسابات السياسية المرتبطة بالوضع الداخلي العراقي، والضغوط الحكومية والدولية، إضافة إلى تباين المصالح التنظيمية والعلاقات مع مؤسسات الدولة العراقية، فضلاً عن تقدير كل فصيل لمستوى المخاطر المحتملة في حال التورط في مواجهة عسكرية واسعة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وقال مصدر في "هيئة تنسيقية المقاومة في العراق"، وهي المظلة الجامعة للفصائل الحليفة لإيران في العراق، لـ"العربي الجديد"، إن "الجانب الإيراني طلب بشكل مباشر فتح جبهات، وهناك من استجاب من الفصائل وهناك من زال بلا موقف فعلي على الأرض"، مضيفاً أن المتأخرين في التحرك، يرون أنها مواجهة غير محسوبة بالنسبة لهم مع الولايات المتحدة. وفي المقابل، ترى الفصائل التي تبنت خيار الدخول في الحرب أن ما يجري يمثل معركة مصيرية تتعلق بمحور المقاومة في المنطقة، و"المسألة لا تحتمل تفسيرات أو مناورات سياسية".
وبين المصدر، الذي طلب عدم ذكر اسمه، أن "هذا التباين في المواقف لا يعكس خلافاً جوهرياً بين الفصائل بقدر ما يعكس اختلافاً في تقدير المرحلة والظروف السياسية والأمنية، فبعض الفصائل تأخذ في الاعتبار تعقيدات الوضع الداخلي العراقي وحساسية المرحلة الحالية". وأضاف أن "عدداً من الفصائل المرتبطة بالعمل السياسي والمؤسسات الرسمية في العراق تفضل في الوقت الراهن عدم الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة قد تؤدي إلى تداعيات داخلية أو ضغوط دولية إضافية على البلاد، في حين ترى فصائل أخرى أن طبيعة الصراع الحالي تتطلب موقفاً عسكرياً مباشراً".
ورأى الخبير في الشؤون الاستراتيجية محمد علي الحكيم، لـ"العربي الجديد"، أن "هذا التباين في المواقف يعود إلى جملة من العوامل السياسية والعسكرية والداخلية، أبرزها حسابات المصالح داخل العراق، وضغوط الحكومة العراقية، إضافة إلى تقديرات المخاطر المرتبطة بإدخال البلاد في صراع إقليمي واسع". وأوضح أن الفصائل العراقية ليست جميعها مرتبطة بالمستوى نفسه من التنسيق أو العلاقة مع إيران، إذ توجد فصائل أكثر قرباً من طهران سياسياً وعسكرياً، في حين تركز فصائل أخرى على الدور الداخلي ضمن هيئة الحشد الشعبي والعملية السياسية في العراق". ولفت إلى أن "المشهد الحالي يشير إلى أن الفصائل المسلحة في العراق ليست كتلة واحدة في قراراتها العسكرية، بل هي مجموعة قوى متعددة المصالح والحسابات، الأمر الذي يجعل موقفها من الحرب الإقليمية يتراوح بين المشاركة المباشرة، والدعم غير المباشر، والحياد الحذر".
ويشهد العراق تصاعداً كبيراً على مستوى الضربات الجوية التي تنفذها مقاتلات وطائرات مسيرة من داخل الأجواء العراقية، وتستهدف مواقع ومقار فصائل مسلحة وأعضاء بارزين فيها. ورغم أن الهجمات والغارات الجوية في العراق بدأت منذ اليوم الثاني للحرب على إيران، لم تتبنّ أيٌّ من الولايات المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي هذه العمليات أو تعلق عليها، رغم تأكيد مسؤولين عراقيين أنها غارات أميركية.
ودخلت عدة فصائل عراقية مسلحة على خط الحرب الدائرة في المنطقة، بإعلان مشاركتها إلى جانب إيران، في خطوة تمثل تحولاً لافتاً في مسار الأزمة التي تشهدها المنطقة، وتضع العراق أمام احتمالات أمنية وسياسية معقدة في ظل فراغ دستوري وحكومة تصريف أعمال. وأعلنت جماعة "المقاومة الإسلامية في العراق"، وهي مظلة لعدة فصائل مسلحة، عن تنفيذها عشرات العمليات بالطائرات المسيرة ضد "قواعد العدو في العراق والمنطقة".