Akhbar Alsabah اخبار الصباح

كيف تخترق مسيّرات حزب الله الدفاعات الجوية الإسرائيلية؟

ترسانة حزب الله مما يستدلّ به على العجز الإسرائيلي إزاء الجبهة الشمالية، هو ما سُرّب عن مصدر في الجيش إلى الإعلام، وتحديدًا صحيفة "يديعوت أحرونوت"، تعقيبًا على الاختراق الذي حققته مسيّرة حزب الله "الهدهد" في حيفا، من أن عدم إسقاطها كان لـ"تفادي إحداث حالة من الهلع في المدينة، أو التسبب بأضرار من أثر الصاروخ الاعتراضي".

لا تفضح هذا الادعاء حقيقة أن طائرات أف- 16 الإسرائيلية تدخّلت في عام 2013 لإسقاط طائرة وصلت إلى ميناء حيفا ذاته الذي شوهد في الصور، ولا أن مسيّرة قبلها، اسمها "أيوب"، وصلت حتى مفاعل ديمونا في أقصى الجنوب وأقرّ الاحتلال في حينها أنها ربّما تكون قد التقطت صورًا حساسة للمنشأة النووية، وحسب، بل أن جيش الاحتلال ما زال يتلقّى الضربة تلو الأخرى من مسيّرات حزب الله اللبناني، من قصف قاعدة المطلة بصاروخين موجّهين قبل انقضاض المسيّرة الناقلة على الهدف، إلى ضرب بالون "طال هشمايم" -وأحد مهامه رصد الطائرات بدون طيار- في مفترق غولاني، إلى الإجهاز على بطارية قبة حديدية في ثكنة "راموت نفتالي" في السابع من هذا الشهر.

لكلّ ذلك، يمكن القول إن الحرب الحالية سجّلت إخفاقًا غير مسبوق لما ظلّت تفاخر به إسرائيل على أنه أحد أكثر أنظمة الدفاع في العالم تقدّما، وتشابكًا، وكلفة، من القبة الحديدية، إلى "مقلاع داود" التي دخلت الخدمة حديثًا خلال جولة التصعيد مع حركة الجهاد الإسلامي، ثم إلى سائر ما تملكه من طائرات متفوّقة. كيف إذًا يمكن لطائرات لا يتجاوز ثمن إحداها بضع مئات من الدولارات، وربما يشتريها أشخاص هواة للتسلية، على حد وصف مقال في مجلة Air and Space Power، أن تُعجز نظامًا دفاعيًّا بكل تلك التقانة؟

طُعوم حزب الله الطائرة
يعدّ منطاد "طال يام"، الذي صوّره حزب الله بمسيّرات قبل وبعد الهجوم عليه منتصف مايو/أيار الماضي، أحد أكثر الرادارات تقدّمًا في دولة الاحتلال، وهو مصمّم خصّيصًا للإنذار من تهديدات صواريخ كروز والطائرات بدون طيار. لكن في يوم الهجوم، لم يرسل إشارة واحدة، بحسب تقرير لصحيفة كالكليست الإسرائيلية، وصار هذا المنطاد، بما كلّفه من مئات الملايين، هدفًا سهلًا لمسيّرة رخيصة، اخترقت حتى عمق نحو 70 كيلومترًا داخل إسرائيل.

في تلك الحالة تحديدًا، كما تشرح الصحيفة، استخدم حزب الله طائرات رديفة طُعمًا لاستدراج الدفاعات الجوية، وقد جرى اعتراضها بالفعل، ممهّدًا بذلك الطريق للطائرات الرديفة، والتي كانت تحمل المتفجّرات، لتتابع طريقها إلى الهدف "ضمن رحلة طيران سرّية، مستفيدة من التضاريس".

ولعلّ اللافت في شرح الصحيفة، هو إشارتها إلى تعمّد حزب الله استخدام مجسّمات طائرة لغرض التمويه وحسب، في نموذج قد يعطي صورة مصغّرة عن تكتيك الإغراق الذي قد يلجأ إليه الحزب مستقبلًا، بالذات لدى التصويب على أهداف حساسة، عبر إدماج الطيران المسيّر بالإطلاق الناري الكثيف، ما سيجعل الهجوم أكثر فعالية، كما يقول الباحث في "المؤسسة الدولية للدراسات الاستراتيجية"، فابيان هينز. وبحسب تقرير "كالكاليست"، فقد ساهم استهداف حزب الله الممنهج لكاميرات وأنظمة المراقبة في بداية الحرب في قدرة طائراته على التخفي، إذ إن ذلك، على الأرجح، قلّل من فرص تعرّضها للرصد المبكّر.

المسافة والتضاريس
ويعدّ الرصد المبكّر أحد العوامل الحاسمة في التصدّي لتلك الطائرات، كما يشرح الخبير العسكري إيلياه ماغنير لصحيفة لا أوريانت، مبيّنًا أن حزب الله في وسعه أن يطلق أجسامه الطائرة من مناطق قريبة من الحدود، قد لا تبعد أكثر من كيلومتر واحد من السلك الشائك. ولعلّ ما يؤكد هذا العامل أيضًا، هو قدرة المنظومات الدفاعية الإسرائيلية على اعتراض الصواريخ والمسيّرات الإيرانية التي حلّقت من مسافات بعيدة، وبعد إعلان مسبق.

ويتقاطع طرح الرائد السابق في الجيش الأميركي، برايان كارد، مع ذلك، إذ يقول لمجلة Air and Space Power إن "الاكتشاف المناسب والاعتراض يتطلّبان تجهيزات واسعة الانتشار وذات قدرة على العمل الاستباقي". يصبح هذا الأمر مهمًّا، بحسب كارد، بالنظر إلى أن "الحجم الصغير لتلك الطائرات، وقابليتها للطيران على ارتفاعات منخفضة، يجعلانها أعصى على الاكتشاف من قبل الرادارات، وكذلك التكنولوجيا الرئيسية لمراقبة الحركة الجوية".

وحتى في حال اكتشافها بعد التحليق ببطء وعلى ارتفاعات منخفضة، يظل "من الصعب جدًّا اعتراضها لأن وقت العمل قصير جدًّا.. إنهم يقلعون على بعد 10 كيلومترات شمال الحدود، وعندما تكتشفها وتخصص بطارية متاحة، تصل الطائرة بدون طيار بالفعل وتضرب هدفها"، كما يفسّر مصدر عسكري مسؤول لصحيفة هآرتس.

يضاف إلى ذلك كلّه، وفق حديث مصدر آخر لصحيفة كالكاليست، أن البصمة الرادارية لتلك الطائرات تظلّ منخفضة جدًّا. وبعكس الصواريخ التي ينطلق معظمها ويمضي في مسار ثابت، فإن تلك الطائرات قادرة على التخفي والمناورة، بالذات عبر استغلال التضاريس؛ وفي حالة جنوب لبنان، نزولًا إلى منطقة الجليل، حيث الأحراش الكثيفة والجبال الوعرة، يصبح هذا العامل مؤاتيًا أكثر، وتفقد حتّى الطائرات الحربية المتطوّرة فاعليتها، لأن التحليق على مسافات منخفضة وسط تضاريس صعبة قد يكون مهمّة صعبة وخطرة بالنسبة لها.

صاروخ القبة الحديدية الواحد يكلّف 50 ألف دولار
ولا يتوقّف الأمر عند مسألة اكتشافها؛ تلك الطائرات الصغيرة الحجم، الخافتة الصوت، بمساراتها غير الثابتة، قد تكون أعصى على تحديدها كأجسام معادية في سماء قد تعجّ بالكثير من الأجسام الطائرة، من بينها طائرات الجيش الإسرائيلي نفسه، الطائرات المدنية، وحتى الطيور المهاجرة.

في هذا السياق، يقول مسؤول أمني إسرائيلي رفيع، لصحيفة كالكاليست، إن جنودًا من سلاح المدفعية أطلقوا في وقت سابق طائرة "سكاي رايدر" المسيّرة لمسح المنطقة بالقرب من الحدود، ليتمّ تشخصيها على أنها طائرة تابعة لحزب الله من قبل سلاح الجو، وإسقاطها عبر صاروخ أطلق من القبة الحديدية. ورغم أن جيش الاحتلال لم ينشر بيانات تفصيلية حول مثل تلك الحوادث، إلا أن المسؤول ذاته يكشف للصحيفة أن هذا التشخيص الخاطئ تكرر عدة مرات منذ بدء التصعيد: "يحدث أننا نطلق النار على أسراب من الطيور التي تثير الشكوك حول تسلل طائرات العدو بسبب مزيج من الارتفاع وسرعة الطيران وانخفاض بصمة الرادار"، يعترف المسؤول الأمني، مضيفًا: "وأحيانًا، عندما يكون هنالك شك، نطلق صواريخ القبة الحديدية"، علمًا أن الواحد منها يكلّف نحو 50 ألف دولار.

الهجوم من النوافذ
ليست البصمة الرادارية الخافتة، والبطء، والتحليق على علو منخفض، وحدها من المزايا التي تعطي أفضلية للطائرات المسيّرة، بل أيضًا، كما تقول الباحثة في مركز دراسات الأمن القومي، ليران عنتيبي، أن تلك الأجهزة، المصمم بعضها للسباقات والرياضات التنافسية، قادرة على "إجراء مناورات معقدة بسرعة قد تتجاوز 200 كيلومتر في الساعة".

العامل الآخر الذي يضاف إلى سرعتها، هو دقتها وقابليتها على حمل عبوات ناسفة صغيرة، ما يتيح لها اختراق المباني وتنفيذ هجمات في الداخل. هذا، بحسب عنتيبي، "يجعل التصدّي لها بالصواريخ والطائرات الحربية أمرًا بالغ الصعوبة... فضلا عن أنها رخيصة ومتاحة ويمكن إنتاجها بكميات ضخمة". التطوّر الذي قد يضاف إلى ذلك هو الذكاء الاصطناعي. تلك الخاصية من شأنها أن تمكّنها من مواصلة مسارات الهجوم حتّى من دون اتصال مع المشغّل.

ثغرات مستحيلة
تمضي عنتيبي إلى القول إن الاستعدادية للتعامل مع التحدّيات التي تمثّلها الطائرات المسيّرة كانت غير كافية، ولم يجرِ استيعاب التغيّرات في طبيعة التهديدات الجوية بالعمق الكافي. تضيف أنها ناقشت المسألة قبل سنوات مع موظّفين في قطاع الدفاع الجوي، وكان التصوّر أن الصواريخ هي ما يمثّل التهديد الأبرز. غير أن تدارك الأمر على المدى المنظور، أقلّه في جولة القتال الحالية، يبدو مستحيلًا. بحسب عنتيبي، فإن "تطوير حماية المرافق المهمة، والقواعد، والتجهيزات الحساسة ضد الطائرات بدون طيار، من شأنه أن يكلّف أكثر من مليار"، لكنها تستدرك بأن الأمر أشبه بسباق تسلّح: "كلّما سددنا ثغرة، يبحث الطرف المقابل عن أخرى".

ويتفق مصدر "كالكاليست" الأمني مع ذلك، قائلًا إنه "من المستحيل اقتناء كل شيء لكل تهديد"، منبّهًا إلى أن "الاستثمار في نظام دفاعي ضدّ المسيّرات قد يأتي على حساب ميزانيّات تجهيزات أخرى". ويذهب مسؤولون أمنيون، وخبراء دفاع جوّي، في حديثهم للصحيفة، في الاتجاه ذاته، مخفّضين سقف التوقع من إمكانية إيجاد تكنولوجيا حاسمة للتخلّص من تهديد المسيّرات، كتلك المستخدمة في صواريخ "القبة الحديدية" و"مقلاع داود"، وأن الأمر يتطلّب، في أكثر السيناريوهات تفاؤلًا، الوقت والمراكمة. يلخّص أحدهم واقع الحال للصحيفة بالقول: "ما من نظام دفاعي حديث قادر على التعامل مع هذا التهديد بشكل كامل".

ما هو أبعد من الثغرة الدفاعية
مع وجود تهديد المسيّرات حقيقة قائمة، فإن أثرها في أية معركة قريبة قد يتجاوز توفير الصور والبيانات لحزب الله في الوقت الفعلي، وتمكين قواته من جمع المعلومات الميدانية عن انتشار وحدات العدو ومواقعها. في سيناريو "حرب بلا سقف وبلا ضوابط"، كما قال الأمين العام للحزب، حسن نصر الله، في خطابه الأخير، يمكن تصوّر سيناريو كالذي حذّر منه معهد البحث الأميركي "ألما" قبل عامين من الحرب الحالية: مهاجمة أسراب المسيّرات التي يمتلكها الحزب لمنظومات الدفاع الجوي في شمال إسرائيل، مما قد يؤدّي إلى تحييدها أو يلحق بها أضرارًا بالغة، ومن ثمّ يصبح الشمال كلّه مكشوفًا للرؤوس الحربية الأثقل في ترسانة الحزب.
سياسة | المصدر: العربي الجديد | تاريخ النشر : الجمعة 21 يونيو 2024
أحدث الأخبار (سياسة)
يمكنكم متابعة احدث اخبارنا عن طريق شبكات التواصل الاجتماعى المختلفة
facebooktwitterRss
®أخبار الصباح AkhbarAlsabah.com