Akhbar Alsabah اخبار الصباح

دستور مع وقف التنفيذ في عهد قيس سعيّد

دستور الجمهورية الثانية في تونس تحل الذكرى الثامنة للمصادقة على دستور الجمهورية الثانية في تونس اليوم، 27 يناير/ كانون الثاني، وسط أزمة سياسية متعددة المطبّات، تعمّقت معالمها منذ انقلاب 25 يوليو/ تموز الماضي، بتعليق الرئيس التونسي قيس سعيّد العمل بغالبية أبواب هذا الدستور.

وتختلف تقييمات الأحزاب السياسية لهذا الدستور والأزمات التي تلته، بين من يرى عطباً في بنوده، وبين من يردّ ذلك للممارسات السياسية والصراع على السلطة.
نقمة قيس سعيّد على دستور الثورة

مرّ دستور 2014 بمخاض طويل من المناقشات والحوارات والجدل داخل اللجان التأسيسية قبل المصادقة عليه وختمه في جلسة عامة حضرتها الأحزاب والمنظمات والبعثات الدبلوماسية، في 27 يناير 2014، من قِبل رئيس الجمهورية وقتها المنصف المرزوقي ورئيس البرلمان مصطفى بن جعفر ورئيس الحكومة علي العريض.

ونجح دستور 2014 في تأمين الانتقال السياسي في البلاد بمختلف المحطات الانتخابية، على الرغم من عدم استكمال مؤسساته وأركانه من الهيئات الدستورية، إذ فشل الفاعلون السياسيون على امتداد 8 سنوات في استكمال البناء الدستوري الضامن لتوازن السلطات ولحماية النظام الجمهوري الديمقراطي الذي يؤسس له دستور 2014.

لكن سعيّد لطالما انتقد هذا الدستور واعتبره سبباً في تعطيل البلاد وفي اختلال السلطات وتعثر التنمية، قائلاً في أكثر من مناسبة إنه صيغ على مقاس الأحزاب التي وضعته، متهماً بالخصوص حركة النهضة وحلفاءها.

وأقدم سعيّد في 25 يوليو الماضي على إعلان حالة الاستثناء، معتمداً البند 80 من الدستور، ومعطلاً بذلك البرلمان ومقيلاً حكومة هشام المشيشي. ثم عمد في 22 سبتمبر/ أيلول الماضي إلى تعليق غالبية أبواب الدستور، مبقياً على البابين الخاصين بالحقوق والحريات، ما اعتبرته غالبية الأحزاب والمنظمات انقلاباً على الدستور وانفراداً بالسلطات.

بعدها، أعلن سعيّد في 14 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، عن مواعيد سياسية لتعديل نظام الحكم واستبدال الدستور وإجراء انتخابات في نهاية العام الحالي، تنطلق باستشارة إلكترونية لجمع مقترحات تتم صياغتها وتجميعها من هيئة صياغة لم يكشف عنها بعد، ويُعرض النص على استفتاء في 25 يوليو/ تموز المقبل.

لكن غالبية مكونات الطيف السياسي والمدني في تونس رفضت المسار الذي أعلنه سعيّد لتعديل المنظومة الدستورية والسياسية بشكل منفرد، وسط تحذيرات من عودة الاستبداد إلى البلاد.
ثغرات في الدستور التونسي

وتتباين وجهات النظر اليوم بين الأحزاب والأطياف السياسية المختلفة في تونس حول تقييم هذا الدستور وبنوده منذ إقراره.

القيادي في حركة النهضة، عضو مجلس الشورى محسن السوادني، أكد في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن "الدستور التونسي على قدر جيد من التماسك والتكامل بين بنوده، إذ ساهمت في وضعه أفضل النخب الوطنية والعالمية، وحصل على إجماع عالٍ جداً داخل المجلس التأسيسي، وكان محلّ إشادة عالمية بارزة".

وأضاف أن هذا الدستور "صيغ على خلفية تحصين الحكم من الاستبداد وسدّ المنافذ على عودة الحكم الفردي".

لكن السوداني استدرك بأن هذا الدستور "ينطوي على بعض الثغرات، وهي لا تظهر إلا بعد الممارسة، من بينها أن السلطة موزّعة بشكل يحدّ من نجاعة القرار وسرعته وقوته، كما أن وضع القوات المسلحة تحت إمرة شخص واحد يحمل محاذير التوظيف الفردي لتلك الأجهزة".

وعن الأزمة السياسية في البلاد، قال السوداني إنها "تعود إلى أسباب عديدة، منها ما يتعلق بالدستور، ومنها ما يتعلق بعوامل أخرى، من بينها القانون الانتخابي الذي لا يمكن أن يفرز إلا مشهداً مشتتاً لا يساعد على الحكم الناجع والمستقر"، معتبراً أن "التشظي السياسي والبرلماني أصبح قدراً محتوماً بسبب هذا القانون".

ورأى السوداني أن سعيّد "اعتلى سدة الحكم بفضل الدستور وأقسم على احترامه، وأدى اليمين أمام البرلمان، ثم أقدم على ما يخالف ذلك تماماً، فيما كان بوسعه أن يدعو إلى حوار وطني ويشرف عليه".

وأشار إلى أن الرئيس "تجاهل مبادرة الحوار التي قدمها الاتحاد العام التونسي للشغل، وأقدم على إجراءات عمّقت أزمة البلاد وفاقمت مشاكلها ووضعتها على تخوم الانهيار".

من جهتها، قالت النائبة عن حزب التيار الديمقراطي منيرة العياري، لـ"العربي الجديد"، إن "موقف التيار الديمقراطي يقوم على أن الدستور فيه بعض الهنات والنواقص، وتحدثنا حتى قبل 25 يوليو عن ضرورة تحسينه وتعديله، واستغربنا عدم تقديم الرئيس أي مبادرة لتعديل الدستور في سنتين من حكمه".

وأردفت "نحن مؤمنون بأن الدستور ليس سبباً في الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد منذ 2014"، معتبرة أن "الممارسات السياسية هي السبب، فتطبيق الدستور لم يكن في المستوى الكافي للحكم عليه، لأنه لم يتم تطبيق أجزاء مهمة منه ولم يتم احترامه، خصوصاً عدم إرساء المحكمة الدستورية والعديد من المؤسسات الدستورية الأخرى".

ورأت العياري أنه "لم يتم احترام الدستور منذ 2014، وحتى الرئيس سعيّد لم يحترمه، مثلما حدث في تطبيقه للبند 80 الخاص بإعلان الحالة الاستثنائية"، مشيرة إلى أن المرسوم 117 الذي أصدره بعد ذلك لا يحترم نص الدستور كما يجب.

واعتبرت أن "مسار تعديل الدستور من سعيّد ليس واضحاً، فالتواريخ والرزنامة المقترحة ليس فيها مضمون واضح، والاستشارة الوطنية ارتجالية وغير مدروسة".
مشاكل النظام السياسي في تونس

أما نائبة رئيس حزب آفاق تونس ريم محجوب، فرأت في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن "هناك مشكلة مزدوجة في دستور 2014 جعلته لا يصمد خلال 8 سنوات".

وأوضحت أن "هناك مشكلة في النظام السياسي الهجين الذي يقسم السلطة التنفيذية إلى رأسين، إلى جانب مشاكل القانون الانتخابي الذي خلق تشتتاً في المشهد، بالإضافة إلى الأشخاص الذين مارسوا الحكم ووظفوه لخدمة مآرب شخصية بعيدة كل البعد عن أهداف الثورة واستحقاقاتها".

ورأت محجوب أن "المشكلة التي تعيشها البلاد عميقة ولا يمكن أن تنسب لجهة من دون جهة أخرى، وتحميل المسؤولية لنص الدستور"، لافتة إلى أن حزب آفاق تونس ضد "سير رئيس الجمهورية المنفرد بالرأي ومحاولة تغيير الدستور بهذه الطريقة".

أما رئيس كتلة حزب تحيا تونس، عضو مبادرة اللقاء الوطني للإنقاذ مصطفى بن أحمد، فأشار في تصريح لـ"العربي الجديد"، إلى أن "هناك إشكالاً في طبيعة النظام السياسي، إذ يقوم على سلطة متعددة الرؤوس نظراً لعدم ملاءمته للواقع التونسي وللإرث السياسي والثقافي بالنسبة للشعب التونسي الذي اعتاد على سلطة يرمز لها رئيس وقبله باي (وال)".

وأضاف: "ليس من السهل ألا يجد الشعب هذا الرمز وهذه المرجعية، ولكن ما عدا ذلك فهو كباقي الدساتير يحمل نقاطاً إيجابية حول الحريات والسلطة القضائية وحول حرية الضمير والمساواة"، مشيراً إلى أن "نقاط الضعف تستحق بعض التعديل".

ورأى بن أحمد أنه "يمكن اعتبار الدستور سبباً في ما وصلت إليه البلاد في 25 يوليو، خصوصاً جانب تشكيل الحكومة بتسبّبها في تعطيل ونزاعات وعبر اختيارات تكون هزيلة"، وأضاف "في ما عدا تنظيم العلاقة بين السلطات الذي تعتريه مشكلة، فلا علاقة للدستور بالممارسة والعجز السياسي وعجز الأحزاب".

ولفت القيادي في حركة الشعب عبد الرزاق عويدات، في تصريح لـ"العربي الجديد"، إلى أنه "تم إعداد الدستور التونسي بناء على تجربة سابقة، وهي تجربة دستور 1959"، مشيراً إلى أن "ما يميز دستور 2014 هي الحريات التي ناضل من أجلها الشعب، وكان الهاجس الذي يحدو الجميع هو إحداث سلطة بعيداً عن الاستبداد، من خلال التفكير في خلق توازن بين الرئاسات (رئيس الجمهورية والحكومة والبرلمان)، لدرجة أن كل رئيس أصبح أقدر على التعطيل منه على البناء".

ورأى أن "الصلاحيات الممنوحة لكل رئيس تجعله غير قادر على الإنجاز إلا بمساعدة الآخر، وعندما تكون عقلية التعطيل أكثر من البناء لن تتقدّم البلاد"، وبيّن أن من بين الهنات "أن تركيبة المجلس الأعلى للقضاء والمحكمة الدستورية هي زوجية وليست فردية ويتعطل اتخاذ القرارات في حال تساوي الأصوات".

وأعلن عويدات أن "حركة الشعب تؤيد وجهة نظر الرئيس سعيّد التي تعتبر الدستور عنصر تعطيل، وهو رأينا ويمكن أن نكون مخطئين في هذا التقييم"، وتابع "نعتبر أنه لا بد من تعديل الدستور، وهذا ضروري وحتمي للخروج من الأزمة والعطالة، فمنذ 2011 وحتى 2021 لم يضف شيء في تونس إلا على مستوى الحريات".

ورأى عويدات أن "آلية تعديل الدستور يجب أن تكون على قاعدة حوار حقيقي بين المؤمنين بالتعديل والمساندين لـ25 يوليو"، مستدركاً بأن "خيار الاستشارة الإلكترونية غير مجدٍ أمام تعدد الأجوبة، وهي ليست آلية علمية وشفافة، وأيضاً بسبب محدودية الإمكانيات اللوجستية وتغطية الإنترنت حتى يتمكن كل التونسيين من المشاركة".

وأكد أن "حركة الشعب تعتبر أن الحوار ضروري بين المؤمنين بـ25 يوليو، والمخرجات تعرض على استفتاء تشارك فيه جميع الأطراف بمن فيهم النهضة ومواطنون ضد الانقلاب".

وتابع "إذا تم التصويت في الاستفتاء بنعم يتم اعتماده، وإذا فازت لا فيجب على رئيس الجمهورية الاستقالة والعودة إلى دستور 2014 وتتم في إطاره انتخابات رئاسية جديدة".

لكن القيادي في حزب ائتلاف الكرامة زياد الهاشمي رأى في حديث مع "العربي الجديد"، أن "عدم صمود دستور 2014 هو نتيجة عدم استكمال المؤسسات الحامية له على غرار المحكمة الدستورية".

واعتبر أنه "لم تكن هناك رغبة سياسية من قِبل برلمان 2014 لاستكمال الهيئات الدستورية، والتي للمفارقة لو كانت موجودة لما تم الانقلاب على الدستور وإرادة الشعب من قِبل سعيّد الذي استغل هذا الفراغ المؤسساتي في الدولة واستفرد بتأويل الدستور".

وتابع: "ليس بالدستور أعطاب، ولكن كما تقول العرب: ما ذنب القانون إذا أخطأ القاضي. فالإرادة السياسية كانت غائبة في فترة برلمان 2014 ومن بعدها من قِبل سعيّد ابتداء من العام 2019، إذ عطّل جميع المحاولات لاستكمال الهيئات الدستورية وعلى رأسها المحكمة الدستورية، بالتنسيق مع حزامه البرلماني المتكون من عبير موسي والتيار الديمقراطي وحركة الشعب".

ورأى أنه "باستهداف دستور البلاد، استهداف للتجربة الديمقراطية، والخطير استهداف مؤسسات الدولة، وهذا ما شرع في تنفيذه سعيّد منذ الانقلاب عبر تفكيك الدولة التونسية من الداخل بحل جميع الهيئات الدستورية والتهديد بحل كل من يخرج عن فلك سلطة الانقلاب كالهيئة العليا للانتخابات".

من جهته، قال عمر السيفاوي، المتحدث باسم حزب حراك تونس الإرادة، الذي يرأسه شرفياً المنصف المرزوقي، إن "دستور 2014 تمت المصادقة عليه بعد نقاشات طويلة ومجهود كبير وبأغلبية ساحقة، وقد تضمن كل مقومات انتقال ديمقراطي سليم تؤسس لدولة المؤسسات".

وأضاف السيفاوي في حديث مع "العربي الجديد"، أنه "تم الاستئناس فيه بالدساتير المقارنة وتضمن مبادئ تقدمية، وهو ما يفسر استهدافه من قبل الثورة المضادة والأطراف المتضررة من ثورة 2011 ومن الانتقال الديمقراطي، وهي أطراف تسحب البلاد إلى الخلف وتبحث عبر استهداف الدستور عن مسح كل آثار الثورة".

ولفت إلى أنه "عندما استُهدف الدستور هوجم في الجانب المتعلق بتنظيم السلطات وطبيعة النظام السياسي، وكانت الهجمات على أنه فرّق السلطات وفتتها وأثّر على إدارة البلاد، وهي مغالطة واضحة، لأن الدستور قائم على التوازن والمراقبة المتبادلة بين السلطات وبصلاحيات واضحة من خلال نظام برلماني معدل".

ورأى أنه "لا علاقة للدستور بالأزمات التي عاشتها البلاد، فبعد 2014 كانت السلطات جميعها بيد جهة وحيدة هي حزب نداء تونس، الذي ترأس الجمهورية والحكومة والبرلمان، وعلى الرغم من ذلك غرقت البلاد في الصراعات".

وتابع: "ما يجري استهداف للانتقال الديمقراطي من الأطراف الداخلية التي كانت مسنودة من أطراف إقليمية متوجسة من النموذج الديمقراطي التونسي الذي استلهمت منه الشعوب العربية".
سياسة | المصدر: العربي الجديد | تاريخ النشر : الخميس 27 يناير 2022
أحدث الأخبار (سياسة)
يمكنكم متابعة احدث اخبارنا عن طريق شبكات التواصل الاجتماعى المختلفة
facebooktwitterRss
2022®أخبار الصباح AkhbarAlsabah.com