اخبار مصر
Akhbar Alsabah اخبار الصباح
فيديوهات مصرية

لماذا ألغيت إشتراكي بنتفليكس؟

نتفليكس قمت بإلغاء اشتراكي مع نتفليكس للأبد إن شاء الله. خطوة تأخرت كثيراً رغم البداية المبكرة نسبيا لتبلورها في رأسي. كانت البداية قبل سنة ونيف، حين قررت أن 11 يورو شهرياً مبلغ مقبول لمشاهدة المسلسلات والأفلام الأجنبية، وكان هذا تحت تأثير أقوى أنواع الدعاية: إطراء الأصدقاء على الشبكة ومسلسلاتها، ونقاشاتهم حول الحبكات والأحداث الموجودة في أحدث المسلسلات، وعزز هذا إعلانات جاذبة للجديد منها والتي تنتشر بوضوح في أنحاء المدينة التي أعيش بها.

لمن لا يعرف، فنتفليكس هي شركة أمريكية متخصصة بعرض الأفلام والمسلسلات على شبكة الأنترنت. بعض هذه الأعمال يتم شراؤها من منتجيها الأصليين، والبعض الآخر يتم إنتاجه خصيصا من قبل منتجين متعاقدين مع نتفليكس، التي تحتكر حق عرض أعمالهم على منصتها ويتم تسميتها بأعمال نتفليكس الأصلية. وحول النوع الثاني يدور هذا المقال.

عند اشتراكي، كنت مدركاً أن بعض المسلسلات تحتوي على بعض المشاهد الإباحية بما فيها تلك ذات الطبيعة الشاذة. لكن تصوري وقتها كان أن هذه الشبكة تعنى بالأرباح فقط، فهي تقدم خدمة عرض الأفلام والمسلسلات المتنوعة، لذلك سأجد الغث والسمين، وما علي إلا حسن اختيار العروض المناسبة لي وغير المتعارضة مع ثقافتي وديني. وإذا ما صادفني بين الحين والأخر مشهد غير لائق، فما علىّ إلا تقديم الأحداث أو غض البصر حتى انتهاء المشهد كما تعودنا دوماً في شوارع المدن الغربية أو مع الأفلام الأجنبية القديمة في شاشة التلفاز.

لكن ومع مرور الوقت، واستمرار تنقلي بين العروض، بدأت ألحظ خطاً واضحاً يزداد ويصبح أكثر جراءة باضطراد، مفاده إقحام وحشر المشاهد الإباحية بالذات ذات الطبيعة الشاذة (فعل قوم لوط، السحاق، زنا الأقارب، العلاقات الثلاثية، وغيرها) في كل مسلسل جديد يذيع صيته بالدعاية له. بل ولاحظت كما لاحظ الكثير غيري في وسائل التواصل الاجتماعي وحلقات النقاش الشبابية اقحام هذه المشاهد في المسلسلات بما لا يخدم أي هدف فني أو درامي إلا الصدمة والتطبيع مع مختلف أنواع الانحرافات الجنسية، وصار هذا الاتجاه لا يخفى على أي شخص يتابع مسلسلات نتفليكس الأصلية.

بل إن خبر قرب تحويل أشهر عمل روائي للدكتور أحمد خالد توفيق رحمه الله (أحد أشهر الكتاب لدى فئة الشباب) إلى مسلسل من إنتاج نتفليكس، قوبل بالكثير من القلق الذي تخللته سخرية القراء والمحبين لأعمال الدكتور من تحويل علاقات الصداقة الوثيقة بين الشخصيات الرئيسية في الرواية إلى علاقات شاذة! فأحد المسلسلات التي اشتهرت الشبكة من خلالها تعرض قصة بطلة في سجن نساء، وتعرض بشكل فج مشاهد إباحية شاذة بين شخصيات المسلسل. ومسلسل آخر بلغت شهرته الآفاق في الشوارع الغربية، يعرض أكثر من مرة نقاشات وحوارات بين الابن / الابنة ذات التوجه الجنسي المماثل لقوم لوط مع آبائهم المعارضين لفعلهم (الأمر المعتاد غربياً ولا غرابة فيه مؤخرا). إلا أن الصادم والغريب استدعاء الأبناء للنصوص الدينية المسيحية في حججهم وإفحامهم ابائهم الذين يتقبلون الأمر بعد أحداث درامية تجعل المشاهد يتنفس الصعداء مبتسماً لانتصار الحب، وبالنصوص الدينية أيضاً!

لا يحتاج المرء أن يكون حاصلاً على الدكتوراة في علم النفس أو خبيراً بفنون البروباغاندا حتى يستوعب أن الذي يحصل هنا عملية غرس منظم لقيم موجهة، تتمثل بإغراق المشاهد بسيل من اللقطات الصادمة حتى يتطبع عليها، وتتحول من أفكار ومشاهد صادمة إلى غير صادمة، وتواصل التطور فتصبح عادية، ثم تصير بعدها مقبولة، وأخيراً تنتهي بكونها طبيعية بل ومستحبة.

ثم بدأ الوضع يتطور بالنسبة للمشاهد المسلم والشرقي، فقد بدأت بعض أشهر المسلسلات بإدخال شخصيات شرقية ومسلمة في هذه الدائرة. فمثلاً ثمة مسلسل صدر منه موسم جديد مؤخراً تمثل إحدى شخصياته الرئيسية مسلمة فلسطينية ترتدي الحجاب وتنخرط في علاقات جنسية متعددة. وطبعا تتنوع هذه العلاقات مع رجال من دينها ومن غير دينها، وتكمن الحبكة الدرامية القوية في صديقها الجديد، الذي تكتشف أنه يخونها مع أخيها! وهذا ليس إلا غيضاً من فيض ومثال يبرز ليس إلا بين كمية مكثفة من الأفكار والمشاهد الإباحية التي تتوزع بين زنا المحارم، والعلاقات الجنسية الثلاثية، ودون ذكر المشاهد الإباحية الواضحة التي تتضمن رجلين وأكثر، فلا تكاد تخلو حلقة منها، وفي سياقات تدعو للتعاطف مع كل هذا وتفهم وتقبل كل ما يتعلق به من أفكار وأفعال.

وليس هذا الاتجاه حكراً على المسلسلات الجديدة فحسب، بل حتى المسلسلات القديمة نسبياً والتي بدأت قبل وقت طويل، صار من اللازم حشر ثيمات صادمة وشاذة تتجاوز العلاقات الشاذة بين الجنس الواحد في الحلقات والمواسم الجديدة. والأمر ليس مقتصراً على المسلسلات والأفلام فقط حتى نبررها -بكثير من الجهد والتنازل- بالورود في سياق الحبكات الدرامية واللوازم الفنية، بل إن الامر وصل إلى إقحام المشاهد الإباحية بمختلف أنواعها في الوثائقيات! فمن تلك التي تتناول الدولة العثمانية، إلى تلك التي تعنى بالتاريخ الروماني، لا تكاد تخلو حلقة وثائقية من مشهد إباحي واحد على الأقل. ما يدفع للتساؤل حول دوافع إقحام هذا المقدار من المشاهد خاصة في الفترة الأخيرة.

ولو اقتصر الأمر على المسائل المتعلقة بالهوية الجنسية وحدها لنحى النقاش منحنى آخر، ولكن الجانب الأخطر متعلق بغرس الرسائل التشكيكية والتحقيرية من الأديان بشكل أكثر منهجية وازدياد مع مرور الزمن. لا شك أن ثيمة السخرية من كل ما هو مقدس ومتعلق بالذات الإلهية موجود في الغرب منذ زمن طويل، بل يمكن تتبع هذا إلى فترة الثورة الفرنسية كظاهرة اجتماعية في أوروبا. الجديد هنا هو ازدياد الجراءة على هذا الفعل بالإفراط في انتاج العروض والثيمات التي تعلي من شأن الشياطين وإبليس وتجبر المشاهد على التعاطف معهم والتفهم لموقفهم في حبكات تستدعي القصص الدينية المتعلقة بالخلق وإعادة سردها في أضواء جديدة، وكذلك السخرية المستمرة من الذات الإلهية وإطلاق النكات عليها وتصويرها بطرق ساخرة وباعثة على الازدراء. جانب جديد آخر يتمثل في التسلل ببطء ولكن بثقة لجر المعتقدات الإسلامية، بعد أن كانت هذه السخرية والتناول النقدي مقتصراً على الدين المسيحي فقط. أبرز مثال على ذلك مسلسل المسيح الذي يصور فيه شخصية تعبر عن المسيخ الدجال في الفكر الإسلامي، وكذلك مسلسل (جن) الأردني الذي آثار ضجة في الشارع العربي والأردني لما احتواه من مشاهد مضادة للعادات والعقائد العربية والإسلامية.

وحتى بالنسبة للمعتقدات المسيحية، فلم تسلم من محاولة رفع سقف الحط منها بمحاولة انتاج مسلسل يصور فيه المسيح -عليه السلام- كشخص يمارس أفعال قوم لوط! الأمر الذي آثار عاصفة من الغضب ودفع ملايين المسلمين والمسيحيين لتوقيع عرائض تطالب نتفليكس بوقف إنتاج المسلسل. ولعل استجابة نتفليكس ووقفها إنتاج المسلسل، يشير إلى جدوى الضغوط -ولو بشكل محدود- في تثبيط وإبطاء عجلة (تحرريتهم) التي تفوق باقي المؤسسات والجهات التحررية في العالم كله.

خلاصة الأمر، في عالم تراجعت فيه أهمية الجوانب الروحية للأديان الرئيسية، حتى صار أقرب إلى الموت روحياً، تستمر مؤسسات ذات توجه أيديولوجي واضح في محاولة القضاء على المصادر الروحية الإلهية للإنسان، واستبدالها بمنتجات بشرية تعلي من شأن المادة وتبرزها، وتعظم من قيم وأفكار تتعارض بشكل واضح مع القيم التي دعت وتدعوا إليها الأديان السماوية. ومما لا شك فيه أن شبكة نتفليكس هي إحدى رؤوس الحربة في نشر هذه الأيديولوجية رغم أنها ليست الوحيدة بالطبع. ومما يثير الاستغراب أن عدداً كبيراً من الشباب الرافضين وبشدة لهذه الأيديولوجية مستمرون بدعم هذه الشبكة مادياً عبر اشتراكاتهم الشهرية، ما يمكنها من مواصلة نشر الأعمال التي تهدم القيم الدينية السماوية بشكل فعال.

ربما تثمر حملة مقاطعة واسعة إلى إثارة انتباه مسؤولي نتفليكس، ودفعهم للحد أو التقليل من المحتوى المحارب للقيم الدينية ولو بشكل محدود كما نجحت حملة وقف إنتاج المسلسل المسيء إلى المسيح عليه السلام. في الطرف المقابل تتردد وجهة نظر أكثر واقعية مشيرة إلى ضعف إمكانية نجاح حملة مقاطعة كهذه في تغيير سياسات نتفليكس، لكن على الأقل المساهمة في حماية عقول أبنائنا من الأجيال اليافعة من تشرب قيم مضادة للقيم الدينية السماوية عموماً، والإسلامية خصوصاً.
سياسة | المصدر: الجزيرة | تاريخ النشر : الأربعاء 15 إبريل 2020
أحدث الأخبار (سياسة)
موقع أخبار الصباح على الفيسبوك
Akhbar Alsabah
أخبار الصباح على التويتر
خدمة آخر الأخبار
إرسل لنا بريدك الإليكتروني
للحصول على آخر أخبار مصر
يمكنكم متابعة احدث اخبارنا عن طريق شبكات التواصل الاجتماعى المختلفة
facebooktwitterRss
2020®أخبار الصباح AkhbarAlsabah.com