Akhbar Alsabah اخبار الصباح

كوارث في مدارس تونس الحكومية

مدارس تونس عدد من المدارس في تونس ليست في أفضل حال. ويمكن وصف أوضاع بعض المدارس الحكومية بـ "الكارثة"، في ظل غياب الخدمات الأساسية، ما يؤثّر على العملية التعليمية فيها. إضافة إلى ذلك، فإن كم النواقص قد يشكل خطراً على حياة التلاميذ.

تُعاني المدرسة الابتدائية "السفاية" في منطقة حاسي الفريد (40 كلم عن القصرين)، من نقائص عدة، أهمّها عدم وجود نوافذ وأبواب، ما يؤدي إلى دخول الأمطار إلى الصفوف، ما يؤثّر على التلاميذ والعملية التعليمية. وكثيراً ما تصبح ساحة المدرسة عبارة عن وحل وطين، بعد أن تختلط مياة الأمطار بالتراب، ما يُعيق وصول التلاميذ إلى صفوفهم. "لكن أكثر ما يثير القلق هو عدم وجود سور خارجي للمدرسة يحمي التلاميذ من الكلاب الشاردة التي تهدد حياتهم"، كما تقول المدرّسة ندى الغضباني عن واقع مدرستها الصعب.

ويصل غالبية التلاميذ إلى مدرستهم سيراً على الأقدام، فيقطعون خمسة إلى سبعة كيلومترات للوصول إلى صفوفهم، وقد أنهكهم التعب، وتزداد معاناتهم حين تهطل الأمطار. تضيف الغضباني لـ "العربي الجديد" أنّه في ظل غياب مياه صالحة للشرب، كثيراً ما يلجأ مدير المدرسة إلى جلب مياه توضع في خزان كبير، يعتمد عليه المدرسون والتلاميذ لشرب المياه. لكن عندما يفرغ الخزان، يبقون من دون مياه، مشيرة إلى أنّ كلّ هذه الظروف تؤثّر على مدى استيعاب التلاميذ، خصوصاً في أيام البرد.

وتبين الغضباني أن المدرسة تضم ثلاثة أقسام، بني أحدها مؤخراً. وعادة ما يدرس التلاميذ ضمن فريقين، الأول يدرس صباحاً والثاني مساء بسبب النقص في عدد الصفوف. وتشير إلى أن بعض التلميذات الصغيرات في الصف الأول يأتين في الصباح الباكر، ولا يغادرن المدرسة إلّا مساء رغم انتهاء حصصهن، خوفاً من الكلاب الشاردة، فينتظرن أشقائهن الأكبر سناً ليعدن معهم مساء، من بينهن ذكرى (6 أعوام). وفي أحيانٍ أخرى، يتولى مدير المدرسة نقلهن بواسطة سيارته الخاصة، خوفاً على حياتهن.

كذلك تشير المدرّسة إلى أنه رغم بقاء التلاميذ في المدرسة وقتاً طويلاً، إلا أنه لا وجود لمطعم يشترون منه الطعام لسد جوعهم ريثما يعودون إلى البيت. في بعض الأحيان، يجلب التلاميذ معهم بعض الأطعمة من بيوتهم. من جهة أخرى، يعاني التلاميذ بسبب الانقطاع المتكرّر للتيار الكهربائي، مؤكدة أنه سبق أن قدموا طلبات عدة لصيانة المدرسة، من دون تلقي ردود تذكر.

وهذه ليست المدرسة الوحيدة في تونس التي تعاني من مشاكل عدة. ويكشف مدرّس آخر فضّل عدم الكشف عن هويته، أن المدرسة التي يدرس فيها في حي ميمون في القصرين، والتي تعود إلى عام 1985، تعاني بدورها من صعوبات عدة، منها الجدران المتصدعة والنوافذ القديمة، إضافة إلى غياب ملعب رياضي. ويضطر التلاميذ إلى السير كيلومترات عدّة بحثاً عن فضاء مناسب لقضاء الوقت واللعب. لكن الأخطر هو ما تواجهه مدرسة "المعتمدية" في عين دراهم، التي يعود تاريخ بنائها إلى عام 1905. مؤخّراً، أخليت بشكل فوري بسبب الأخطار المحدقة بهم كون المبنى مهددا بالانهيار.

ثلاثة أشهر بلا مياه للشرب

وتعطّلت الدروس في المدرسة الابتدائية "السد" في معتمدية السبالة في ولاية سيدي بوزيد، في السادس من فبراير الجاري، بعدما عمد أولياء التلاميذ إلى إخراجهم من المدرسة وتنفيذ وقفة احتجاجية في مقر المعتمدية للمطالبة بتوفير المياه الصالحة للشرب في مدرستي "السدّ" و'الخشوم". واستنكر الأهالي تواصل انقطاع المياه الصالحة للشرب لمدة ثلاثة أشهر في منطقة السد، خصوصاً في المدارس، وأعربوا عن خوفهم من انتشار الأمراض المعدية في صفوف التلاميذ.


وفي 10 فبراير الجاري، نفذ أهالي تلاميذ المدرسة الابتدائية أولاد بركه فوسانة في القصرين، وقفة احتجاجية على خلفية تردي الأوضاع وانتشار مرض التهاب الكبد الفيروسي، بعد تسجيل أربع إصابات، إضافة إلى إصابات أخرى سجلت سابقاً، بسبب وجود فضلات بشرية في بئر تقع في المدرسة، وغياب شبكات الصرف الصحي. ومنع الأهالي أبناءهم من الدراسة، ما أجبر الإطار التربوي على إغلاقها، بحسب النقابة الأساسية للتعليم في القصرين.

لا بيوت راحة

ويكشف الكاتب العام لنقابة التعليم الثانوي، لسعد اليعقوبي، لـ "العربي الجديد"، أنّه تلقى اتصالاً من تربوي ليعلمه أن مؤسسة تربوية في الجهة ليس فيها بيوت راحة، ويضطر التلاميذ والمدرسون إلى قضاء حاجتهم خارج المدرسة في المقاهي والمطاعم. ويسأل: "كيف لمقاول أو مسؤول عن التجهيز أن يبني مدرسة من دون بيوت راحة"؟. ويشير إلى أن هذه المدرسة حديثة البناء، لكن الاستهانة بالمؤسسات التربوية الحكومية في تونس بلغت درجة لا تطاق. يضيف أن أكثر من 450 مؤسسة تربوية في تونس تحتاج إلى تدخلات عاجلة وهي غير مؤهلة للتدريس، والعديد منها من دون ميزانية وهي عاجزة عن القيام بأية إصلاحات.

والأخطر بالنسبة إليه، أن التلاميذ، خصوصاً في المناطق المهمشة كتالة وعين دراهم شمال غرب تونس، والقصرين وسيدي بوزيد وسط غرب تونس، لا يجدون طعاماً في المدرسة، علماً أنهم يقطنون بعيداً عن المدرسة، ولا يمكنهم العودة إلى المنزل لتناول وجبات الفطور، ما يعرض صحتهم لمخاطر عدة. وتعاني هذه المناطق النائية من نقائص فادحة، لتتجمّع الظروف السيئة مع الفقر والعوامل المناخية الصعبة، إضافة إلى البنية التحتية المهترئة، لتكون النتيجة أوضاعاً كارثيّة في عدد من المدارس التونسية.

ويؤكد اليعقوبي أنهم كثيراً ما طالبوا كنقابات بتكافؤ الفرص بين الجهات، وتدخل الدولة لصيانة المدارس التي تعد أوضاعها كارثية ، معتبراً أنّ المساعدات التي يقدمها المجتمع المدني لبعض المدارس تبقى غير كافية. ولا يمكن للمجتمع المدني القيام بمهام الدولة، إذ إنها مطالبة بالتدخل العاجل وتوفير الاعتمادات اللازمة لمثل هذه المدارس، ويقتصر دور المجتمع المدني على مساعدتها وليس العكس.

ويرى النقابي أن أوضاع عدد من المؤسسات حديثة البناء سيئة بسبب الصفقات المشبوهة والتلاعب بالمال العام، ولا بد من إيقاف نزيف الفساد المستشري في القطاع التربوي وفي المنظومة التعليمية.

لجنة تحقيق

وحول كارثة مبيت تالة بعد الحريق الذي أودى بحياة تلميذتين، يقول اليعقوبي إنه حتى اليوم، لم يصدر أي تقرير عن ملابسات الحادث رغم توجه لجنة من وزارة التربية إلى المبيت المذكور. لكنها، وبحسب اليعقوبي، مارست على العاملين والإداريين ضغوطا كثيرة، واستمرت بعض الاستجوابات أكثر من 15 ساعة. ويبيّن أنهم يطالبون الجهات القضائية بتكوين لجنة تحقيق مستقلة، تصدر تقريرها في أقرب وقت.

من جهته، يصف وزير التربية حاتم بن سالم، وضع بعض المؤسسات التربوية بـ "الكارثي وغير المعقول"، مبيّناً أنه توجد 549 مؤسسة تربوية في حاجة ماسة وعاجلة للصيانة، و4500 مؤسسة في حاجة للصيانة، و2400 مؤسسة ليس فيها مياه صالحة للشرب. وأمام الكمّ الكبير من المؤسسات التي تحتاج إلى التدخل، فإنه لا يمكن للدولة أو الوزارة مجابهة الوضع، قائلاً إن "هذا الوضع لا يتحمل مسؤوليته الوزراء السابقون". يضيف أنه يوجد مليونان و200 ألف تلميذ في المدارس والإعداديات والمعاهد، و140 ألف مرب، وأكثر من 90 ألف إطار وموظف في وزارة التربية، جميعهم يعملون لتحسين الأوضاع في المدارس والنهوض بها، مؤكداً أنه أرسل فرقاً لمعاينة الوضع في جل المدارس. وخلصت هذه الفرق إلى أن الوضع كارثي.

يضيف بن سالم، خلال جلسة حوار عقدها في البرلمان مطلع هذا الأسبوع، أن مجلساً وزارياً سينعقد خلال الأيام المقبلة حول قطاع التربية، يُنتظر خلاله الإعلان عن قرارات استثنائية.
وفي ما يتعلّق بالتحقيق الإدراي الذي بادرت الوزارة إلى فتحه إثر الحريق الذي اندلع في مبيت الفتيات في إعدادية 25 جويلية في معتمدية تالة في ولاية القصرين، وأسفر عن وفاة تلميذتين، يوضح أنه يستبعد أن يكون الحريق سببه تماس كهربائي، رافضاً المعطيات المتوفرة. ويشير إلى تأمين الإحاطة النفسية للتلاميذ والإطار التربوي في الإعدادية المذكورة.

ويقول بن سالم: "زرت عائلتي الضحيتين، ولم يطلبوا منا مالاً أو تعويضات. مطلبهم الوحيد هو كشف الحقيقة"، معلناً رفضه فتح أي مؤسسة إيواء خلال العام المقبل لا تتوفر على معايير السلامة و الحماية".
سياسة | المصدر: العربي الجديد | تاريخ النشر : الثلاثاء 27 فبراير 2018
أحدث الأخبار (سياسة)
يمكنكم متابعة احدث اخبارنا عن طريق شبكات التواصل الاجتماعى المختلفة
facebooktwitterRss
2021®أخبار الصباح AkhbarAlsabah.com