Akhbar Alsabah اخبار الصباح

وائل قنديل: عبيد يناير وأسياد يونيو

وائل قنديل لا تختلف وضعية عمرو الشوبكي في انتخابات برلمان السيسي عن وضعية أسامة الغزالي حرب في قضية السب والقذف مع مذيع المؤسسة الأمنية قبل نحو خمسة أشهر.
يخدع عمرو الشوبكي الجماهير، ويكذب على نفسه، حين يردد أنه كان في "منافسة" انتخابية حقيقية مع بارونات الدولة العميقة والثورة المضادة، تماماً كما خدع الغزالي حرب نفسه، حين توهّم أنه في "منازعة" قضائية محترمة مع أحد ضباع السلطة العسكرية.
كان الشوبكي يؤدي دوراً، لم يكن مسموحاً له رفضه، أو الانسحاب منه، أو الاعتذار عن عدم مواصلته، وإلا فهم جاهزون بمعدات الاغتيال المعنوي والتصفية الأدبية، يلوحون بها، إنْ فكّر أحدهم في التمرّد والخروج من اللعبة. ومن هنا، لا شك عندي في أن الشوبكي، منذ البداية، مدرك أنه "يؤدي" شخصية "المضروب المهزوم" في فيلم ينتمي بالكلية إلى سينما فتوات الحارة.
يجاملون عمرو الشوبكي كثيراً حين يعتبرون هزيمته هزيمة لمشروع يناير، أمام مشروع يونيو، فالثابت أن الرجل الذي فقد ظله الأكاديمي، باحثاً رصيناً، وارتضى أن يزاملهم ويرافقهم في الابتذال السياسي، ليس ممثلا لقيم ثورة يناير، وحاملا لمبادئها، وإنما يمكنك اعتباره مجسّداً لتلك الحالة الرمادية، شديدة الميوعة، التي لا يجد معها تناقضاً حين يهرف بأنه من الثورة، ومن الثورة المضادة في الوقت نفسه، حتى وإن ملأ الأرض والسماء بهتاناً، من عيّنة أن يونيو مكمّل ليناير.
وعلى ذلك، الخاسر ليس ثورة يناير، لأنها لم تكن طرفاً في سباق رديء وعبثي، وإن أردت أن تقف على موقف "يناير" ممّا يجري، فلا عليك إلا أن تنظر إلى سيمفونية العزوف عن المشاركة، نوعاً من التصويت الصامت ضد سارقي الثورات والأحلام.
سقط عمرو الشوبكي قبل الثلاثين من يونيو 2013، وليس سقوطه في تمثيلية الانتخابات أمام "أبناء العميقة" سوى استكمال لتقديم الدور المسند إليه من المخرج وجهة الإنتاج.
هنا، لا يحق للشوبكي أن يبكي من النتائج، لأنه يعلم تماماً أنها بنت المقدمات، وكل المقدمات لم تكن تنطق بأكثر ممّا تكلّم بها المنتشون بالنصر من معسكر النظام القديم: درس قاس وصفعة على القفا، لكنه ليس "قفا يناير"، فالغالب والمغلوب ينتميان، قلباً وقالباً، لمشروع انقلاب يونيو على يناير، ومن ثم فليس للأخيرة خاسر ولا كاسب، لأنها لم تكن حاضرةً في الموضوع أصلا.
ما يقال على حالة الشوبكي، ينطبق على الحالة البائسة التي يتحدث بها "الناصري الحمديني" أمين إسكندر، عن "برلمان اليمين والفلول" الذي لا بد من الاصطفاف ضده، شريطة ألا يكون في معادلة الاصطفاف إخوان أو إسلاميون. يشعرك بالأسى والشفقة على هذا الهذيان المهترئ أن تعلم أن إسكندر لم يتجاوز عتبة البرلمان، أو يشم رائحته، للمرة الوحيدة وغالباً الأخيرة في عمره، إلا محمولاً على أكتاف "الإخوان"، أو متعلقا بمؤخرة قطارهم.
في يناير 2011، وقبل الثورة بأسابيع قليلة، كان أمين إسكندر جزءاً من صورة قلت إن مصر تحتاجها لكي تتطهّر.
كانت الصورة للناشط السياسي المعارض المصري القبطي، أمين إسكندر، مع النائب الإخوانى (المعارض أيضاً) محمد البلتاجي، حين تشابكت أيديهما في مسيرة خلّابة للوحدة الوطنية في حي شبرا، عقب تفجير كنيسة القديسين في الإسكندرية.
وقلت بالحرف "دقّق جيدا في هذه اللحظة التي تتشابك فيها يدا المثقف المصري العربي أمين إسكندر والنائب الإخوانى السابق محمد البلتاجي، أثناء مظاهرة حاشدة في حي شبرا العبقري، هي الحالة المصرية في نقائها وصفائها وبهائها التاريخي. تلك هي الصورة التي تحتاجها مصر، وينبغي أن تبحث عنها وتثبّتها وتجذّرها في أعماق الجميع".
وفي ما بعد، كانت الثورة تجسّد تفاصيل الصورة، ثم كانت انتخابات برلمان 2011 استكمالاً لها، بلا إقصاء، أو تمييز، وبعد أربع سنوات ينفجر سؤال كبير: ما الذي جعل إسكندر عنصرياً ومكارثياً وإقصائياً، إلى هذا الحد الذي يصل به إلى المطالبة بنفي من كانوا سبباً في تحققه، وإبعاد من كانوا سبباً في حضوره؟
هي فواتير، وضرائب واستحقاقات الخدمة في حقول الثورة المضادة ودروبها، هي حالة الخوف والفزع والإحساس بالضآلة وقلّة القيمة، والتي تجعل أولى مسوّغات بقاء الناشط على قيد الحياة السياسية أن ينفي "الإخوان" ويقصيهم، بحيث يصبح استحضار "الإخوان" في الحالة المصرية مساويا لجرم إنكار المحرقة ومعاداة السامية في الفكر الأوروبي المعاصر.
الشوبكي وإسكندر وغيرهما ينطبق عليهم ما قلته عن انكسار الغزالي حرب وانبطاحه في قضية سب أحمد موسى له، ولكل من شارك في ثورة يناير"المؤامرة والنكسة برأيهم"، حيث يعلنها إقطاعيو الثورة المضادة صريحة: أنتم عبيد إحساناتنا، لا بد أنها دوّت داخل كل من حضر جلسة (أحمد موسى/ الغزالي حرب) مع النطق بتبرئة المذيع، صوت الدولة البذيئة، في أوج انتعاشها، وغطرستها، ولا بد أنك سمعتها تدوّي، بصوت أعلى مع النطق بإعلان السقوط الثاني للسيد عمرو الشوبكي.
سياسة | المصدر: جريدة الشعب | تاريخ النشر : الجمعة 30 اكتوبر 2015
أحدث الأخبار (سياسة)
يمكنكم متابعة احدث اخبارنا عن طريق شبكات التواصل الاجتماعى المختلفة
facebooktwitterRss
2021®أخبار الصباح AkhbarAlsabah.com