Akhbar Alsabah اخبار الصباح

بريطانيا تضاعف مدة انتظار المهاجرين للإقامة الدائمة

الإقامة الدائمة في بريطانيا تتجه الحكومة البريطانية إلى فرض قيود جديدة على حصول المهاجرين النظاميين على الإقامة الدائمة، عبر مضاعفة فترة الانتظار الأساسية من خمس سنوات إلى عشر، ورفعها إلى 15 عاما بالنسبة إلى بعض فئات العمال، في خطوة أثارت اعتراضات داخل حزب العمال وتحذيرات من تداعيات خطيرة على قطاعات الصحة والرعاية الاجتماعية، فضلا عن مخاوف من تكرار ممارسات ارتبطت بفضيحة "ويندراش" التي طالت آلاف البريطانيين من أصول مهاجرة.

ومن المقرر أن تعلن وزيرة الداخلية البريطانية شبانة محمود، اليوم الاثنين، التفاصيل النهائية للإصلاحات المتعلقة بشروط الحصول على الإقامة الدائمة، المعروفة باسم "إجازة البقاء غير المحددة"، وذلك بعد مشاورات حكومية بشأن مقترحات تتضمن تشديد معايير الاستقرار طويل الأمد للمهاجرين.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة "الغارديان" الأحد، فإن غالبية المهاجرين النظاميين قد يضطرون إلى الانتظار عشر سنوات قبل التأهل للإقامة الدائمة، فيما يمكن أن تصل المدة إلى 15 عاما بالنسبة إلى العاملين في مهن لا تتطلب مؤهلات جامعية، ومن بينهم العاملون في قطاع الرعاية، مع توقع إدخال استثناءات لبعض الفئات الموجودة بالفعل في بريطانيا.

وتأتي هذه التوجهات في إطار مراجعة حكومية لنظام الإقامة الدائمة، تستند إلى ربط الحصول عليها بما تصفه الحكومة بالمساهمة الاقتصادية والاجتماعية والاندماج في المجتمع البريطاني، بدلا من الاكتفاء باستيفاء مدة الإقامة والشروط القانونية المعمول بها حاليا.

نظام "الإقامة المكتسبة".. ربط الاستقرار بالمساهمة والاندماج

وتستند الإصلاحات إلى مشروع "الإقامة المكتسبة"، الذي طرحته وزارة الداخلية البريطانية للتشاور في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، ويهدف إلى استبدال النظام الذي يمنح معظم المهاجرين فرصة التقدم للإقامة الدائمة بعد خمس سنوات، بنظام يجعل الحصول عليها مرتبطا بمدة أطول وبمعايير إضافية تتعلق بالسلوك والمساهمة والاندماج.

ووفقا للوثيقة الحكومية المنشورة، يتضمن المقترح رفع فترة التأهل الأساسية لمعظم المهاجرين إلى عشر سنوات، مع احتمال تمديدها إلى 15 عاما للعاملين في وظائف مصنفة دون مستوى المؤهل الجامعي، وهو ما يشمل فئات واسعة من العاملين في الرعاية الاجتماعية وبعض المهن الأخرى.

ولا تقتصر التغييرات المقترحة على تمديد مدة الإقامة، بل تقوم على أربعة معايير رئيسية، هي السلوك والالتزام بالقوانين، والاندماج في المجتمع البريطاني، والمساهمة الاقتصادية والاجتماعية، والإقامة القانونية المتواصلة. وتتيح الخطة، من حيث المبدأ، تقليص فترة الانتظار لمن يثبتون مساهمات اقتصادية أو اجتماعية إضافية، بما في ذلك أصحاب الدخول المرتفعة أو المشاركون في أنشطة تخدم مجتمعاتهم المحلية.

وتعني هذه المقاربة أن مرور السنوات وحده لن يكون كافيا، في الظروف العادية، للحصول على الإقامة الدائمة، إذ تسعى الحكومة إلى جعلها امتيازا مرتبطا بما تعتبره مساهمة مستمرة في الاقتصاد والمجتمع البريطانيين.

وكانت محمود قد دافعت عن هذا التوجه بالقول إن الإقامة الدائمة لا ينبغي أن تكون حقا تلقائيا، بل امتيازا يتعين اكتسابه من خلال المساهمة والاندماج، معتبرة أن الحصول على وضع مستقر ودائم في البلاد يستلزم إثبات الالتزام بالمجتمع الذي يعيش فيه المهاجر.

وتأتي هذه الإصلاحات في سياق مساعي الحكومة لإعادة ضبط نظام الهجرة، بعد الارتفاع الكبير في أعداد الوافدين خلال السنوات التي أعقبت خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ولا سيما بين عامي 2021 و2024، وما ترتب على ذلك من زيادة متوقعة في أعداد المتقدمين للإقامة الدائمة خلال السنوات المقبلة.

وتشير تقديرات وزارة الداخلية الواردة في وثيقة التشاور إلى احتمال حصول نحو 1.6 مليون شخص على الإقامة الدائمة بين عامي 2026 و2030، مع بلوغ العدد السنوي ذروته عند نحو 450 ألفا في عام 2028، وهو ما تقول الحكومة إنه يفرض مراجعة شروط الاستقرار وآثاره المالية والخدمية.

استثناءات محتملة للعاملين في الرعاية.. وتراجع عن بعض المقترحات

ويعد وضع العاملين في قطاع الرعاية الاجتماعية من أبرز نقاط الخلاف داخل الحكومة، بعدما أثار احتمال إخضاعهم لفترة انتظار تصل إلى 15 عاما انتقادات واسعة، بالنظر إلى اعتماد هذا القطاع بدرجة كبيرة على العمالة الأجنبية، وإلى الظروف التي دفعت آلاف العاملين إلى القدوم إلى بريطانيا لتغطية النقص في الخدمات.

وبحسب ما أوردته «الغارديان»، فإن وزيرة الداخلية تتجه إلى منح بعض العاملين في الرعاية الموجودين بالفعل داخل بريطانيا استثناءات من أطول فترات الانتظار، بعد اعتراضات من وزراء ونقابات ومؤسسات تمثل القطاع. كما أشارت تقارير بريطانية إلى احتمال إدراج هؤلاء العاملين ضمن ترتيبات تسمح بتقليص مدة التأهل، بدلا من إخضاعهم بصورة كاملة لفترة السنوات الخمس عشرة.

وكانت وزيرة الإسكان أنجيلا راينر من أبرز المعترضين على تطبيق التغييرات على أشخاص انتقلوا إلى بريطانيا ورتبوا حياتهم وأسرهم على أساس القواعد السابقة، ووصفت إجبار العاملين في الرعاية الموجودين في البلاد على الانتظار 15 عاما بأنه أمر «غير بريطاني»، معتبرة أن تغيير الشروط بعد وصول المهاجرين يثير إشكالات تتعلق بالإنصاف والثقة في الحكومة.

كما أثارت وزيرة الطاقة مياتا فانبولي تساؤلات بشأن الأثر الإنساني لهذه السياسة، مشيرة إلى أن تطبيقها على عائلتها، التي قدمت إلى بريطانيا لاجئة، كان سيكون أمرا قاسيا.

وتكتسب هذه الاعتراضات أهمية إضافية في ظل انضمام رئيس الوزراء آندي بيرنهام إلى النقاش، إذ أبدى تأييده لمبدأ أن الإقامة الدائمة ينبغي أن تُكتسب من خلال المساهمة، لكنه لم يعلن دعمه لجميع تفاصيل المقترحات التي طرحتها وزيرة الداخلية.

وتشير التوقعات السابقة للإعلان إلى أن التراجع الأبرز المحتمل يتعلق بالعاملين في الرعاية الاجتماعية الموجودين بالفعل في بريطانيا، فيما يرجح استمرار رفع مدة الانتظار إلى عشر سنوات بالنسبة إلى معظم الفئات الأخرى. ومع ذلك، تظل التفاصيل النهائية للاستثناءات والترتيبات الانتقالية مرتبطة بما ستعلنه الحكومة رسميا.

أكثر من 100 نائب عمالي يحذرون من تكرار فضيحة «ويندراش»

وفي مواجهة المقترحات، وجه نواب ومنظمات حقوقية ونقابية رسالة إلى محمود ووزيرة الصحة إيفيت كوبر، بتاريخ 29 تشرين الأول/أكتوبر، طالبوا فيها الحكومة بالتخلي عن التغييرات المقترحة أو إدخال ضمانات قانونية إضافية تحول دون الإضرار بالمهاجرين الذين بنوا حياتهم في بريطانيا وفقا للقواعد المعمول بها عند وصولهم.

وضمت قائمة الموقعين نوابا من حزب العمال، بينهم بيل ريبيرو آدي وديان أبوت وكلايف لويس وراشيل ماسكيل، إلى جانب نواب من حزب الخضر، ومؤسسات معنية بحقوق العمال والمساواة العرقية وقطاع الرعاية والصحة.

وحذر الموقعون من أن المقترحات تمثل امتدادا لسياسات ارتبطت بفضيحة «ويندراش»، التي كشفت عن تعرض مواطنين بريطانيين، معظمهم من أصول كاريبية وأفريقية، للاحتجاز والترحيل والحرمان من العمل والخدمات الأساسية، رغم امتلاكهم الحق القانوني في الإقامة ببريطانيا.

وتعود الفضيحة إلى سياسات الهجرة التي شددت شروط إثبات الوضع القانوني للمقيمين، وأدت إلى مطالبة أفراد من الجيل الذي وصل من دول الكاريبي إلى بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية بإثبات حقهم في البقاء، رغم أنهم عاشوا وعملوا في البلاد لعقود.

واعتبر الموقعون أن تغيير شروط الإقامة الدائمة بأثر رجعي، بالنسبة إلى أشخاص قدموا إلى بريطانيا بصورة قانونية وخططوا لمستقبلهم وفقا للقواعد القائمة، يحمل مخاطر إعادة إنتاج أشكال من الظلم الإداري والقانوني التي كشفتها فضيحة ويندراش.

وجاء في رسالتهم أن فضيحة ويندراش كانت نتيجة سياسات هجرة عنصرية، محذرين من أن الخطر لا يتعلق بالماضي وحده، بل باستمرار استهداف الفئات نفسها من خلال المقترحات الحالية.

وطالبوا الحكومة بالالتزام بتوصيات المراجعة المستقلة التي أجرتها ويندي ويليامز بشأن فضيحة ويندراش، والتي دعت إلى تحسين آليات صياغة سياسات الهجرة ومراجعتها، وإجراء تقييم أكثر جدية لتأثيراتها على المجتمعات المتضررة، وضمان عدم تكرار الانتهاكات.

كما دعوا إلى عدم تطبيق أي تغييرات بأثر رجعي قبل تقييم آثارها الاقتصادية والاجتماعية والقانونية، وإقرار استثناءات واضحة للعاملين في الخدمات العامة وأفراد أسرهم

تحذيرات من تفاقم أزمة نقص العاملين في الصحة والرعاية

ولا تنحصر الاعتراضات في البعد الحقوقي، إذ يحذر الموقعون من أن تشديد شروط الإقامة قد يؤدي إلى تفاقم نقص العاملين في هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS) وقطاع الرعاية الاجتماعية، اللذين يعتمدان بدرجة كبيرة على الكفاءات والعمالة الوافدة.

وتقول الرسالة إن القطاع الصحي يعاني بالفعل نقصا خطيرا في الموظفين، وإن إطالة فترة الانتظار قد تدفع بعض العاملين إلى مغادرة البلاد أو البحث عن فرص في دول أخرى توفر لهم مسارا أكثر استقرارا، بما ينعكس سلبا على قدرة المؤسسات الصحية على الاحتفاظ بالكوادر وتوسيع خدماتها.

وتبرز المخاوف بصورة خاصة في تخصصات تعتمد على العاملين المدربين دوليا، مثل التصوير الإشعاعي، إلى جانب التمريض والخدمات الطبية المساندة، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى تقليص قوائم انتظار المرضى وتحسين الوصول إلى علاجات السرطان والخدمات الصحية.

أما في قطاع الرعاية الاجتماعية، فيحذر الموقعون من أن العمالة الدولية تمثل عنصرا أساسيا في استمرار تقديم الخدمات الحالية، وأن خسارة جزء منها قد تؤدي إلى تقليص الخدمات وزيادة الاحتياجات التي لا تجد من يلبيها، خصوصا في رعاية كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة.

وتشير بيانات وزارة الداخلية إلى إصدار نحو 200 ألف تأشيرة للعاملين في قطاعي الصحة والرعاية خلال السنوات الخمس الماضية، فضلا عن أفراد أسرهم الذين قدموا إلى البلاد بموجب ترتيبات التأشيرات التابعة.

ويخشى المعترضون أن تؤدي الاستثناءات المحدودة، إذا اقتصرت على العاملين في المؤسسات الحكومية، إلى ترك موظفي شركات الرعاية المستقلة خارج الحماية، رغم قيامهم بأعمال مماثلة، فضلا عن احتمال تأثر أفراد أسر العاملين بالتغييرات الجديدة.

وبحسب الرسالة، فإن استمرار هذه السياسة قد يقوض قدرة الحكومة على تحقيق أهدافها الصحية والاجتماعية، ويزيد الضغوط على مؤسسات تعاني أصلا من صعوبة استقطاب الموظفين والاحتفاظ بهم.

الحكومة: الإقامة الدائمة امتياز ينبغي اكتسابه

في المقابل، تدافع وزارة الداخلية عن الإصلاحات باعتبارها جزءا من إعادة بناء نظام الهجرة، وتقول إن الإقامة الدائمة يجب ألا تمنح تلقائيا لمجرد مرور فترة زمنية محددة، بل ينبغي أن تعكس التزام المهاجر بالقوانين ومشاركته في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

وترى محمود أن الارتفاع الكبير في أعداد المهاجرين خلال السنوات الماضية أوجد ضغوطا على المجتمعات المحلية والخدمات العامة، وأن النظام الجديد سيعزز ثقة الجمهور في سياسة الهجرة، من خلال ربط الاستقرار طويل الأمد بمعايير واضحة للمساهمة والاندماج.

وكانت الحكومة قد فتحت مشاورة عامة بشأن الإصلاحات في 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، واستمرت 12 أسبوعا، قبل أن تغلق في 12 شباط/فبراير 2026. واستقطبت المشاورة أكثر من 200 ألف رد، في مؤشر على حجم الاهتمام والجدل الذي أثارته التغييرات المقترحة.

وتؤكد وزارة الداخلية أن هدفها ليس سحب الإقامة الدائمة من الأشخاص الذين حصلوا عليها بالفعل، وإنما تغيير شروط منحها مستقبلا، فيما تستثني المقترحات وضع المقيمين بموجب نظام تسوية أوضاع مواطني الاتحاد الأوروبي، وكذلك المستفيدين من ترتيبات تسوية أوضاع ضحايا فضيحة ويندراش.

لكن الجدل الأساسي يتمحور حول ما إذا كان من العادل تطبيق القواعد الجديدة على أشخاص موجودين بالفعل في بريطانيا، وصلوا إليها بموجب تأشيرات عمل قانونية، وكانوا يتوقعون التقدم للإقامة الدائمة بعد استكمال خمس سنوات، فضلا عن مدى قدرة الحكومة على الموازنة بين تشديد سياسة الهجرة والحاجة إلى العمالة الأجنبية في القطاعات الحيوية.

معركة سياسية داخل حزب العمال

وتكشف الاعتراضات على الإصلاحات عن تباينات داخل حزب العمال الحاكم بشأن كيفية التعامل مع الهجرة النظامية، وليس فقط الهجرة غير النظامية عبر القوارب الصغيرة في بحر المانش.

ففي الوقت الذي تتمسك فيه وزيرة الداخلية بضرورة تشديد شروط الاستقرار الدائم، يرى نواب ووزراء أن تغيير القواعد بالنسبة إلى المهاجرين الموجودين في البلاد قد يضر بمصداقية الحكومة، ويقوض الثقة التي تحتاج إليها لاستقطاب العاملين في قطاعات تعاني نقصا مزمنا.

وذكرت تقارير بريطانية أن أكثر من مئة نائب عمالي أبدوا تحفظات على المقترحات، وسط مطالبات بإعادة النظر في تطبيقها بأثر رجعي، وضمان عدم معاقبة الأشخاص الذين التزموا بالقوانين القائمة عند اتخاذ قرار الانتقال إلى بريطانيا.

ويأتي ذلك في وقت يحاول فيه رئيس الوزراء آندي بيرنهام الحفاظ على التوازن بين توجهات وزيرة الداخلية المتعلقة بتشديد شروط الإقامة، والتزامات حكومته بتحسين الخدمات العامة وتطوير قطاع الرعاية الاجتماعية، بما في ذلك مشروع إنشاء خدمة رعاية وطنية.

وتتجه الأنظار إلى إعلان محمود أمام البرلمان، الاثنين، لمعرفة ما إذا كانت ستتمسك بالصيغة الأساسية للمقترحات، أم ستقدم تنازلات إضافية بشأن العاملين في الرعاية والفئات الموجودة بالفعل داخل بريطانيا، وكيف ستتعامل مع الأوضاع القانونية للأشخاص الذين اقتربوا من استكمال سنوات الإقامة المطلوبة.

وبينما تصر الحكومة على أن الإقامة الدائمة ينبغي أن تكون نتيجة مساهمة طويلة الأمد، يحذر معارضو الإصلاحات من أن تغيير قواعد اللعبة بعد وصول المهاجرين قد يحول سياسة ضبط الهجرة إلى مصدر جديد للظلم وعدم الاستقرار، خصوصا بالنسبة إلى آلاف العاملين الذين تعتمد عليهم قطاعات أساسية في الاقتصاد البريطاني.
سياسة | المصدر: عربي 21 | تاريخ النشر : الاثنين 02 نوفمبر 2026
أحدث الأخبار (سياسة)
يمكنكم متابعة احدث اخبارنا عن طريق شبكات التواصل الاجتماعى المختلفة
facebooktwitterRss
®أخبار الصباح AkhbarAlsabah.com