Akhbar Alsabah اخبار الصباح

لماذا يدفع مرضى السرطان في المغرب الثمن مرتين؟

مرضى السرطان في المغرب لم تكن حنان، البالغة من العمر 30 عاما، تبحث عن علاج جديد بقدر ما كانت تبحث عن مكان تستطيع الإقامة فيه بمدينة أكادير، حتّى تتمكن من استكمال علاجها من السرطان.

فبعد خضوعها لعملية جراحية، وجدت نفسها أمام تحديات تتجاوز المستشفى؛ آلام تقول إنها لم تعد تقوى على تحملها، وفحوص طبية تنتظر إجراءها، ومصاريف تنقّل بين المدن، إلى جانب كلفة سكن لا تسمح لها إمكاناتها المادية بتحملها.

وفي نداء نشرته على مواقع التواصل الاجتماعي، طلبت المريضة ممن يستطيع مساعدتها أن يدلها على غرفة أو بيت متواضع للإيجار في أكادير أو ضواحيها، لمدة شهرين، وبسعر يناسب ظروفها. وكتبت أنها لم تعد قادرة صحّيا على تحمل التنقل من مدينة إلى أخرى، في وقت تحتاج فيه إلى استكمال علاجها.

وتكشف هذه الحالة جانبا من الأعباء التي قد ترافق الإصابة بالسرطان خارج المستشفى. فاحتياجات المريض لا تنتهي عند التشخيص أو الحصول على موعد، وإنما تشمل كذلك التنقل والإقامة والتغذية والأدوية المساندة، وهي نفقات تتحول إلى عبء ثقيل على أسر تعاني أصلا من محدودية الدخل.

النداءات التي رصدتها "عربي21"، لا تقتصر على طلب السكن أو المساعدة في التنقل. فقد تحدث زوج عن إنفاق أكثر من 100 ألف درهم خلال تسعة أشهر من علاج زوجته المصابة بسرطان الرئة، بعدما انتقل المرض إلى موضع آخر من جسدها، قبل أن يجد نفسه عاجزا عن مواصلة تحمل النفقات.

وفي حالة أخرى، طلبت أسرة المساعدة لتوفير 25 ألف درهم لإجراء عملية جراحية لاستئصال كلية مصابة بالسرطان، بعدما استنفدت مدخراتها وباعت ما تملكه لتغطية مصاريف العلاج والتنقل.

في هذا التقرير، تبحث "عربي21" في مدى قدرة منظومة التكفل بمرضى السرطان في المغرب على ضمان استمرارية العلاج، في ظل شكاوى من نقص بعض الأدوية، وارتفاع كلفة اقتناء أخرى، والصعوبات المالية التي تواجه المرضى للوصول إلى المراكز المتخصصة.

أدوية مفقودة وأسر تعاني
إلى جانب تكاليف العلاج والتنقل، شكاوى متكررة جرّاء نقص بعض الأدوية في مستشفيات عمومية، تثير مخاوف لدى المرضى وأسرهم، خصوصا عندما يتعلق الأمر بأدوية تدخل ضمن مسار علاجي يحتاج إلى الاستمرار والمتابعة.

وفي مدينة مراكش، رصدت "عربي21" جملة من الشكاوى أدلى بها مواطنون من انقطاع دواء "Zometa" عن مستشفى ابن طفيل، لمدة أشهر. وبحسب نداء إنساني نقلته وسائل إعلام مغربية، استمر الانقطاع ما يناهز ستة أشهر، فيما ظلّ المرضى الذين يحتاجون إلى الدواء ينتظرون توفيره، دون معرفة بموعد عودته.

ويستخدم الدواء، في الحد من بعض المضاعفات المرتبطة بإصابة العظام لدى مرضى السرطان المتقدم. وتكمن صعوبة نقصه، وفق الشكاوى المنشورة، في أن بعض الأسر لا تملك القدرة المالية على اقتنائه من الصيدليات خارج المستشفى، ما يجعلها أمام عبء إضافي لتأمين علاج يحتاج إليه المريض ضمن مساره الطبي.

وفي مدينة فاس، تحدّث مرضى وأسرهم عن انقطاع متكرر لدواء "Afinitor" بالمركز الاستشفائي الجامعي الحسن الثاني. وأشارت الشكاوى إلى أن سعر الدواء في الصيدليات يبلغ نحو 11 ألفا و607 دراهم (حوالي 1,182 دولارا)، وهو مبلغ مرتفع بالنسبة إلى أسر تضطر إلى تدبير نفقات أخرى مرتبطة بالمرض، من فحوص وتنقل وإقامة.

أيضا، أورد موقع "H24info"، في تقرير نشره في 16 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، صعوبات في توفر دواء يستخدم للحد من الغثيان والتقيؤ الناتجين عن العلاج الكيميائي خلال شهري شتنبر وأكتوبر، مشيرا إلى أن سعره يقارب 50 درهما (حوالي 5 دولارا).

إلى ذلك، تتزايد الشكاوى بشأن الأدوية التي يزيد انقطاعها من معاناة المرضى. فحتى عندما لا يكون الدواء الأعلى كلفة، قد يؤدي تعذر الحصول عليه إلى اضطرار المريض وأسرته إلى البحث عن بدائل أو مصادر أخرى لتأمينه، في وقت تكون فيه الأسرة منشغلة بتدبير مسار علاجي مرهق.

من آسفي إلى ورزازات.. العلاج رحلة بين المدن
لا تتوقف الصعوبات عند توفر الدواء داخل المستشفى؛ إذ يواجه مرضى في عدد من الأقاليم إشكالا آخر يتمثل في اضطرارهم إلى الانتقال إلى مدن أخرى للحصول على خدمات متخصصة، وما يرافق ذلك من مصاريف تنقل وإقامة قد تتكرر طوال فترة العلاج.

في إقليم آسفي، أثار النائب البرلماني عن حزب الاتحاد الدستوري، فيصل الزرهوني، ملف غياب مركز عمومي متخصص لعلاج السرطان بالإقليم، مشيرا إلى اضطرار المرضى إلى التوجه نحو مراكش أو اللجوء إلى المصحات الخاصة. كما دعا إلى توضيح مآل مشروع إحداث مصلحة لعلاج السرطان بالمستشفى الإقليمي محمد الخامس، الذي قال إنه تعثر دون توضيحات رسمية بشأن أسباب توقفه.

وتشمل الإشكالات التي أثارها النائب، عبر سؤاله الذي اطلعت عليه "عربي21"، تكاليف التنقل والإقامة خارج الإقليم، وطول آجال المواعيد، إلى جانب صعوبات مرتبطة بالتغطية الصحية ونسبة التعويض عن العلاج وبعض الأدوية المكلفة التي لا يشملها التعويض.

كما أشار الزرهوني، إلى تأخر إعادة تفعيل الاستفادة من نظام "أمو تضامن" في بعض الحالات، وهي مدة قد تصل إلى ثلاثة أشهر، بما قد يخلق صعوبات إضافية أمام المرضى.

وفي ورزازات، كشفت رئيسة جمعية "محاربات ومحاربي السرطان بورزازات"، أسماء أمشمر، عن صعوبة تأمين نقل أحد المرضى إلى مراكش لمتابعة علاجه، بعدما طُلب من الجمعية أداء ألف درهم مقابل توفير سيارة إسعاف. وكان موعد المريض مقررا في صباح اليوم التالي، بينما لم تكن الجمعية قد توصلت، وقت نشر النداء، إلى حل يضمن نقله.

وأوضحت أمشمر، في تدوينة نشرتها على موقع التواصل الاجتماعي "فايسبوك" أن طول المسافة وارتفاع تكاليف المحروقات وانتظار سيارة الإسعاف إلى حين انتهاء المريض من حصص العلاج، عوامل تزيد من تكلفة التنقل.

كما أشارت إلى أن بعض المرضى يحتاجون إلى الانتقال بشكل متكرر، ما يجعل المصاريف تتراكم مع مرور الوقت، ويضع الجمعيات التي تحاول مساعدتهم أمام إمكانات محدودة.

وفي الناظور أيضا، تتواصل مطالب بإحداث مستشفى متخصص لعلاج السرطان، بهدف الحد من اضطرار المرضى إلى التنقل نحو مدن أخرى لتلقي العلاج. وتعيد هذه المطالب إلى الواجهة مسألة التفاوت المجالي في توزيع الخدمات الصحية المتخصصة، ومدى قدرة البنيات القائمة على تلبية احتياجات المرضى في مختلف المناطق.

أرقام متزايدة وتحديات أمام المنظومة الصحية
هذه الشكاوى التي رصدتها "عربي21"، تأتي في وقت يواجه فيه المغرب عبئا صحيا متزايدا مرتبطا بالسرطان.

وأوردت الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة والحق في الحياة، أن السرطان يمثل 13.4 في المئة من إجمالي الوفيات في البلاد، مع تسجيل نحو 40 ألف إصابة جديدة سنويا، أي ما يقارب 140 حالة يوميا، ونحو 36 ألفا و947 وفاة مرتبطة بالمرض سنويا، وفق الأرقام التي أوردتها الشبكة.

ودعت الشبكة، في تقرير لها توصلت "عربي21" بنسخة منه، إلى معالجة الفوارق بين المناطق الحضرية والقروية، والرفع من الميزانيات المخصصة لمكافحة السرطان، وضمان وصول المرضى إلى العلاجات الحديثة والمناعية مرتفعة التكلفة.

كما شددت على أهمية الوقاية والكشف المبكر، وتكوين الكفاءات المتخصصة، وتعزيز مراقبة المخاطر البيئية والمهنية، بما فيها التعرض للمبيدات الزراعية.

وتسلط هذه المطالب الضوء على تعدد مستويات المواجهة؛ فمكافحة السرطان لا تقتصر على توفير العلاج بعد الإصابة، بل تشمل أيضا الكشف المبكر والوقاية، وتوفير الموارد البشرية والتجهيزات، وضمان انتقال المريض بين مراحل التشخيص والعلاج والمتابعة دون انقطاع.

وفي هذا السياق، عقدت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية اجتماعا للجنة قيادة المخطط الوطني للوقاية من السرطان ومراقبته 2020-2029، برئاسة الوزير أمين التهراوي، لمراجعة نتائج التقييم المرحلي وتحديد أولويات الفترة المتبقية من المخطط.

وقال التهراوي إنّ مراكز علاج الأورام العمومية تتكفل بأكثر من 110 آلاف مريض سنويا، من بينهم ما يقارب 24 ألف حالة جديدة. كما أشار إلى وجود 59 مركزا مرجعيا للصحة الإنجابية، تؤدي دورا في الكشف المبكر عن سرطاني الثدي وعنق الرحم.

وأكد الوزير أن تقليص الفوارق المجالية وتحقيق الإنصاف في الولوج إلى العلاج يمثلان أولوية للسنوات المقبلة، مشيرا إلى أهمية تحسين التنسيق بين مراحل الرعاية الصحية، من الكشف والتشخيص إلى العلاج وإعادة التأهيل، وتعزيز الموارد البشرية والتجهيزات والأنظمة المعلوماتية.

وصادقت لجنة قيادة المخطط على توجهات ذات أولوية للفترة 2027-2029، تشمل تعزيز الوقاية، وضمان الإنصاف في الولوج إلى خدمات التشخيص والعلاج، وتحسين الموارد البشرية والتجهيزات، وتسريع رقمنة الخدمات الصحية، ومواكبة تنزيل المجموعات الصحية الترابية.

وتعكس هذه الأهداف اعترافا رسميا بأن تطوير البنية الصحية لا ينفصل عن ضمان استمرارية العلاج وتوزيع الخدمات بشكل أكثر إنصافا. لكن تحويل هذه الأولويات إلى نتائج ملموسة يظل مرتبطا بقدرة المؤسسات على معالجة الاختلالات التي تظهر في تجارب المرضى، من نقص الأدوية إلى صعوبة الوصول إلى المراكز المتخصصة.

تخفيض أسعار الأدوية.. هل يصل أثره إلى المرضى؟
في محاولة لتخفيف الأعباء المالية، أقرت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية تخفيضات جديدة في أسعار مجموعة من الأدوية، بموجب القرار الوزاري رقم 2157.26 المنشور بالجريدة الرسمية عدد 7552 بتاريخ 15 تشرين الأول/ أكتوبر 2026.

وشملت التخفيضات أدوية موجهة لعلاج السرطان وأمراض مناعية ومزمنة. فقد انخفض سعر دواء "Alecensa" من 44 ألفا و479 درهما إلى 32 ألفا و863 درهما، وتراجع سعر "Ibrance" من 24 ألفا و24 درهما إلى 17 ألفا و66 درهما. كما انخفض سعر "Sutent" بتركيز 50 ملغ من 38 ألفا و480 درهما إلى 19 ألفا و976 درهما.

ومن شأن هذه المراجعة أن تخفض السعر المعلن للأدوية المعنية، غير أن أثرها الفعلي على المريض يتوقف أيضا على توفر الدواء، ونظام التغطية والتعويض، وما يظل مطالبا بأدائه من ماله الخاص.
وبينما تؤكد وزارة الصحة توسيع قدرات التكفل وتضع الإنصاف في الولوج إلى العلاج ضمن أولوياتها، تظل الشكاوى التي يرفعها المرضى والأسر والجمعيات اختبارا عمليا لمدى تحقّق هذه الأهداف على الأرض.

فبالنسبة إلى المريضة التي تبحث عن غرفة في أكادير، والأسرة التي تحاول توفير ثمن عملية جراحية، والجمعية التي تسعى إلى تأمين سيارة إسعاف نحو مراكش، لا تقاس فعالية المنظومة الصحية بالأرقام وحدها، وإنّما بقدرة المريض على الحصول على العلاج ومواصلته دون أن يصبح نقص الموارد أو كلفة الوصول إليه سببا في تعثر رحلته.
طب و صحة | المصدر: عربي 21 | تاريخ النشر : الاثنين 26 اكتوبر 2026
أحدث الأخبار (طب و صحة)
يمكنكم متابعة احدث اخبارنا عن طريق شبكات التواصل الاجتماعى المختلفة
facebooktwitterRss
®أخبار الصباح AkhbarAlsabah.com