Akhbar Alsabah اخبار الصباح

الربع الخالي يفتح طريقاً تجارياً بعيداً من مضيق هرمز

الربع الخالي لم تعد أقصر الطرق التجارية في الخليج بالضرورة أكثرها أمناً، إذ تدفع الاضطرابات المتكررة في الممرات البحرية الشركات والدول إلى إعادة حساب كلفة المخاطر، وليس كلفة النقل وحدها. وفي هذا السياق، يبرز الممر البري الذي يربط ميناء صحار العُماني بالميناء الجاف في مدينة الملك سلمان للطاقة (سبارك) بالسعودية عبر طريق الربع الخالي، باعتباره أحد المسارات الجديدة التي تسعى إلى حماية حركة التجارة من الاختناقات البحرية، ولا سيما في مضيق هرمز والبحر الأحمر.

ويحوّل تفعيل الممر اللوجستي المباشر طريق الربع الخالي، الممتد في الجانب السعودي على مسافة 564 كيلومتراً وبتكلفة نحو 533 مليون دولار، من مجرد بنية تحتية للربط بين البلدين إلى شريان تجاري يمكن أن يؤدي دوراً أكبر في سلاسل الإمداد الخليجية. ويربط الممر الموانئ العُمانية المطلة على بحر عُمان والمحيط الهندي بالمناطق الصناعية في المنطقة الشرقية السعودية، بما يتيح تفريغ البضائع القادمة بحراً في الموانئ العُمانية ونقلها بالشاحنات مباشرة إلى العمق الصناعي السعودي.

ويستند تشغيل الممر إلى اتفاقية شحن تجاري بين شركتي "أركان اللوجستية" العُمانية و"سبارك اللوجستية" السعودية، وفق تقرير نشرته منصة هامر إنتل، المتخصصة في التجارة الدولية وتحليل المخاطر في 12 أغسطس/آب الجاري. وتشير التقديرات اللوجستية إلى أن الممر الجديد يمكن أن يقلص مسافة النقل بنحو 800 كيلومتر مقارنة بالمسار السابق الذي كان يمر عبر أراضي دولة ثالثة، فيما يمكن أن يتراجع زمن الترانزيت للبضائع المناسبة بنحو 14 إلى 18 ساعة في الظروف العادية. وينعكس ذلك على تكاليف الاحتفاظ بالمخزون وسرعة تسليم المواد الإنشائية والأغذية والبضائع الصناعية.

كما يتيح المسار الجديد تجنب رسوم الترانزيت والجمارك المرتبطة بالمرور عبر حدود إضافية، مع إمكانية تحقيق وفر في التكاليف النهائية يتراوح بين 20% و30%، بحسب تقدير نشرته منصة تينديفاي، المتخصصة في سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية في 17 أغسطس الجاري. ويرتبط ذلك أيضاً بالربط الإلكتروني بين نظامي "بيان" العُماني و"فسح" السعودي، بما يسرّع إجراءات التخليص الجمركي. لكن القيمة الأبرز للمشروع لا تتعلق بتقليص المسافة أو خفض التكلفة فحسب، بل بقدرته على توفير مسار بديل في أوقات الأزمات. فقد أصبحت اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر عاملاً مؤثراً في قرارات شركات النقل والتأمين، ما جعل أمن الوصول إلى الأسواق جزءاً من الحسابات التجارية إلى جانب سعر الشحن.

وفي هذا السياق، يشير المستشار الاقتصادي أسامة قاضي، في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى أن "الممر يمثل خطوة نحو تكامل لوجستي مهم، إذ يوفر منفذاً جديداً للسعودية على بحر العرب والمحيط الهندي عبر طريق الربع الخالي، ويختصر المسافة والزمن اللازمين لنقل البضائع". ويضيف أن "الممر يفتح آفاقاً جديدة أمام الصناعات السعودية، ولا سيما قطاعات الطاقة والبتروكيماويات، للوصول إلى الأسواق الآسيوية والأفريقية عبر ميناء صحار"، لكنه يرى أن "الهدف الاستراتيجي الأهم يتمثل في تعزيز أمن سلاسل الإمداد وتنويع مسارات التصدير".

غير أن قاضي يحذر من تحديات جيوسياسية قد تحد من قدرة صحار على أداء دور البديل الكامل، مشيراً إلى قربه الجغرافي من مضيق هرمز وتأثره بأي اضطرابات تقع في المنطقة. ويطرح، في المقابل، ميناء الدقم العُماني خياراً أكثر أماناً من الناحية الاستراتيجية، نظراً إلى موقعه المباشر على المحيط الهندي وخروجه من نطاق مضيقي هرمز وباب المندب. ورغم أن المسافة بين شركة سبارك اللوجستية والدقم تصل إلى نحو 1500 كيلومتر، أي ضعف المسافة تقريباً إلى صحار، بما يرفع زمن نقل الشاحنة إلى نحو 18 ساعة، يرى قاضي أن الميزة الأمنية والاستراتيجية للدقم قد تجعله خياراً أفضل لضمان استمرارية التدفقات التجارية بعيداً عن بؤر التوتر الإقليمي.

بدوره، يرى الخبير الاقتصادي أنس البو، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن تفعيل الممر يمثل "تحولاً جوهرياً" في إدارة سلاسل الإمداد الخليجية، إذ لم يعد التركيز منصباً فقط على البحث عن الطريق الأقصر والأرخص، بل على بناء شبكة نقل متنوعة تستطيع امتصاص الصدمات الجيوسياسية. ويقول البو إن "اضطرابات الملاحة خلال العام الجاري أثبتت أن الممرات البحرية الحيوية، ومنها مضيق هرمز، يمكن أن تتحول من أصول اقتصادية إلى نقاط اختناق تهدد التجارة والأمن الاقتصادي، ما دفع الشركات إلى توسيع استخدام الموانئ البديلة وحلول النقل متعدد الوسائط للحفاظ على تدفق السلع".

وتستند أهمية الممر، وفق البو، إلى وجود بنية تحتية جاهزة تتمثل في الطريق السعودي-العُماني عبر الربع الخالي، الذي تبلغ كلفته نحو 1.91 مليار ريال سعودي، ويؤسس اتصالاً مباشراً بين البلدين من دون المرور بأراضي دولة ثالثة. وتطور هذا الطريق في أغسطس 2026 إلى ممر لوجستي منظم عبر اتفاق التعاون بين "أركان اللوجستية" و"سبارك اللوجستية" لتفعيل "الممر البري الأخضر الآمن"، بدعم حكومي وجمركي ومن ميناء صحار والمنطقة الحرة.

ويعتبر البو أن القيمة الاقتصادية للممر تتجاوز خفض كلفة الشحن المباشرة، إذ تتيح إعادة هندسة سلسلة النقل وربط بوابة بحرية على بحر عُمان بمركز صناعي ولوجستي متكامل في الاقتصاد السعودي يستهدف مناولة عشرة ملايين طن سنوياً. والأهم، وفق تحليله، هو خفض "التكلفة المعدلة بالمخاطر"، التي تشمل التأخير والتأمين وإعادة التوجيه وتكدس الموانئ. ويشير إلى أن تطورات العام الجاري قدمت اختباراً عملياً لهذه الفرضية، إذ لجأت شركات كبرى مثل "ميرسك" إلى استخدام موانئ صحار وصلالة وجدة، ثم النقل البري للحفاظ على تدفق السلع، رغم ارتفاع التكاليف. ويرى أن ذلك يعزز أهمية تنويع طرق التجارة وتقليل الاعتماد على نقاط العبور البحرية المحدودة.

ومن المنظور العُماني، يساهم الممر في إعادة تعريف موقع السلطنة داخل الجغرافية الاقتصادية للخليج، إذ يتحول ميناء صحار من بوابة تجارية إلى نقطة انطلاق لممر بري يصل إلى العمق السعودي، ولا سيما مع التطورات المستقبلية في الربط السككي، مثل مشروع خط سكة حديد حفيت. أما بالنسبة إلى السعودية، فيمكن دمج الممر ضمن استراتيجية أوسع لتحويل المملكة إلى منصة لإعادة توزيع التدفقات التجارية بين الخليج والبحر الأحمر والأسواق الداخلية، بما يقلل تعرض الاقتصاد لمخاطر نقاط الاختناق الجغرافية، بحسب البو. ويخلص البو إلى أن نجاح الممر لن يتوقف على تشغيل الطريق، بل على تحويله إلى ممر تنافسي وموثوق وقابل للتوسع، عبر تسريع التخليص الجمركي، وتبادل البيانات مسبقاً، وتوحيد الإجراءات، وربط الممر رقمياً بالموانئ والمراكز الجافة، وإدماجه تدريجياً في شبكة السكك الحديدية الخليجية.
إقتصاد | المصدر: العربي الجديد | تاريخ النشر : الثلاثاء 25 اغسطس 2026
أحدث الأخبار (إقتصاد)
يمكنكم متابعة احدث اخبارنا عن طريق شبكات التواصل الاجتماعى المختلفة
facebooktwitterRss
®أخبار الصباح AkhbarAlsabah.com