
تسابق الولايات المتحدة وكندا الزمن للتوصل إلى اتفاق تجاري مؤقت قبل الأربعاء المقبل، موعد دخول رسوم أميركية بنسبة 50% على مجموعة من المنتجات الكندية حيز التنفيذ، وسط خلافات بشأن السيارات ومنتجات الألبان والمشروبات الكحولية، ومساعٍ كندية لتخفيف الرسوم التي تضغط على صناعات الصلب والألمنيوم والسيارات. وكشفت وكالة بلومبيرغ الأميركية، اليوم السبت، أن كبيرة المفاوضين التجاريين الكنديين جانيس شاريت أبلغت لجنة حكومية استشارية بأن قدراً كبيراً من العمل لا يزال مطلوباً للتوصل إلى اتفاق يمنع تطبيق الرسوم الجديدة، فيما يتوقع استمرار المفاوضات في واشنطن خلال عطلة نهاية الأسبوع.
وتقود شاريت الجانب الكندي إلى جانب وزير التجارة الكندي دومينيك لوبلان، بينما يمثل الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير الجانب الأميركي في المحادثات. ونقلت "بلومبيرغ" عن الرئيسة التنفيذية لغرفة التجارة الكندية وعضو اللجنة الاستشارية للعلاقات الاقتصادية الكندية الأميركية كانديس لينغ قولها إن الطرفين يحاولان إنجاز اتفاق مؤقت خلال وقت قصير للغاية، لكنها أشارت إلى أن المباحثات تبدو بناءة رغم استمرار الخلافات. وكانت وكالة رويترز قد أكدت، أمس الجمعة، أن الوزير الكندي أبلغ اللجنة الاستشارية بأن مواقف البلدين لا تزال متباعدة بشأن مسودة الاتفاق، على الرغم من استمرار الاجتماعات السياسية والفنية في واشنطن.
20 مليار دولار في مرمى الرسوم
تستهدف الرسوم الأميركية الجديدة منتجات كندية تقدر قيمتها بنحو 20 مليار دولار سنوياً، بما يعادل قرابة 5.2% من إجمالي الصادرات الكندية إلى الولايات المتحدة، وفقاً لرويترز. وتشمل قائمة المنتجات المتضررة المشروبات الكحولية ومنتجات الألبان والإسمنت وعصي الهوكي وأحواض السباحة والشعر المستعار، إلى جانب سلع أخرى كانت تستفيد من الإعفاء الجمركي بموجب اتفاقية التجارة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا. وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أعلن الرسوم في 20 يوليو/ تموز الماضي، مستنداً إلى المادة 338 من قانون التعريفات الجمركية الأميركي الصادر عام 1930، وهي مادة تعود إلى حقبة الكساد الكبير وتسمح للرئيس بفرض رسوم إضافية على منتجات دولة يرى أنها تمارس تمييزاً ضد التجارة الأميركية. وأفادت رويترز بأن الخطوة تمثل أول استخدام معروف لهذه المادة لفرض رسوم جمركية، على أن يبدأ تحصيلها في 19 أغسطس/ آب الجاري.
وتستثنى من الرسوم الجديدة بعض المنتجات، بينها الطاقة والبوتاس والمعادن الحيوية والأسماك والسلع الخاضعة بالفعل لرسوم قطاعية بموجب المادة 232 من قانون توسيع التجارة الأميركي. ولا يعني ذلك أن السلع المستثناة تدخل السوق الأميركية من دون رسوم، إذ تخضع منتجات كندية في قطاعات الصلب والألمنيوم والنحاس لرسوم أميركية تراوح بين 10 و50%، بينما تواجه السيارات رسوماً نسبتها 25% على المحتوى غير الأميركي. وتشير تقديرات مصرف "رويال بنك أوف كندا" إلى أن تطبيق الحزمة الجديدة سيرفع متوسط الرسوم الفعلية على الواردات الأميركية من كندا من نحو 3% إلى 5.5%. وستظل أكثر من 80% من الصادرات الكندية إلى الولايات المتحدة معفاة من الرسوم، إلا أن الأضرار ستتركز في المنتجات والشركات المستهدفة مباشرة.
ماذا تريد واشنطن؟
تطالب الإدارة الأميركية كندا بإلغاء إجراءاتها التجارية الانتقامية، وإعادة المشروبات الكحولية الأميركية إلى متاجر الخمور التي تديرها المقاطعات، وتقديم تنازلات بشأن حصص استيراد منتجات الألبان والرسوم المفروضة على السيارات الأميركية. وقال الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير، أمس الجمعة، إن على كندا إلغاء تدابيرها الانتقامية لتفادي الرسوم الجديدة. وكانت مقاطعات كندية قد حظرت بيع المشروبات الكحولية الأميركية، أو قيدته رداً على الرسوم التي فرضتها إدارة ترامب خلال عام 2025، ما حرم المنتجين الأميركيين الوصول إلى متاجر الخمور التي تخضع في معظم المقاطعات لسيطرة السلطات المحلية. وتنتقد واشنطن كذلك نظام حصص منتجات الألبان الكندي، الذي يحدد كميات الواردات التي تدخل برسوم منخفضة، بينما تفرض رسوماً مرتفعة على الكميات التي تتجاوز الحصص المحددة. ودافع وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، في مقابلة مع شبكة "فوكس بيزنس" يوم 21 يوليو/ تموز الماضي، عن الرسوم الجديدة، واصفاً إياها بإجراء لتحقيق المعاملة بالمثل، رداً على ما تعتبره واشنطن ممارسات كندية تمييزية بحق السيارات والمشروبات الكحولية ومنتجات الألبان الأميركية.
وفي المقابل، تسعى حكومة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، إلى خفض الرسوم الأميركية المفروضة بموجب المادة 232، التي أضرت بصادرات الصلب والألمنيوم والسيارات على مدار أكثر من عام. وتطالب أوتاوا بالحفاظ على الإعفاءات التي تتمتع بها السلع المطابقة لقواعد اتفاقية التجارة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، ومنع توسيع الرسوم إلى منتجات كانت تدخل السوق الأميركية من دون ضرائب جمركية. وأفادت رويترز، الأربعاء الماضي، بأن المسؤولين الكنديين لم يرضوا عن أحدث عرض أميركي، لأنه اقترح خفض بعض الرسوم، لكن بنسبة تقل عما كانت تطالب به أوتاوا. وتواجه حكومة كارني ضغوطاً داخلية للرد إذا دخلت رسوم الـ50% حيز التنفيذ. ولم يكشف رئيس الوزراء عن إجراءات محددة، لكنه أكد أن جميع الخيارات ستكون مطروحة. وحذرت الرئيسة التنفيذية لغرفة التجارة الكندية من أن الرد الانتقامي قد يؤدي إلى مزيد من التصعيد وإلحاق الضرر بالاقتصاد الكندي نفسه، نظرا إلى شدة ترابط سلاسل الإنتاج والتوريد بين البلدين.
خريطة الرسوم الانتقامية الكندية
بدأت كندا الرد على السياسات الأميركية في 4 مارس/ آذار 2025، بفرض رسوم نسبتها 25% على واردات أميركية قيمتها 30 مليار دولار، وفق وزارة المالية الكندية. وفي 13 مارس/ آذار من العام نفسه، وسعت أوتاوا ردها بفرض رسوم بنسبة 25% على منتجات أميركية بقيمة 29.8 مليار دولار، توزعت بين منتجات صلب قيمتها 12.6 مليار دولار، ومنتجات ألمنيوم بقيمة 3 مليارات، وسلع أخرى بقيمة 14.2 مليار دولار، شملت أدوات وأجهزة حاسوب وشاشات ومعدات رياضية ومنتجات من الحديد الزهر. وأعلنت الحكومة الكندية لاحقاً إزالة الرسوم المضادة عن عدد من السلع الأميركية اعتباراً من سبتمبر/ أيلول 2025، لكنها أبقت الرسوم المفروضة على الصلب والألمنيوم والسيارات، طالما استمرت واشنطن في فرض رسومها القطاعية. ولا تزال القائمة الرسمية الكندية تتضمن رسوماً على واردات الصلب والألمنيوم والسيارات الأميركية. وتطبق كندا رسوماً بنسبة 25% على السيارات الأميركية غير المطابقة لقواعد الاتفاقية التجارية، مع استثناء قطع الغيار والسيارات القادمة من المكسيك.
وتكشف أرقام التجارة حجم المخاطر التي يثيرها أي تصعيد جديد. وبلغت تجارة السلع والخدمات بين البلدين 879.9 مليار دولار خلال عام 2025، وفق بيانات مكتب التحليل الاقتصادي الأميركي، وهو ما يقترب من 900 مليار دولار. أما تجارة السلع وحدها، فبلغت 719.5 مليار دولار، بحسب مكتب الممثل التجاري الأميركي. وصدرت الولايات المتحدة إلى كندا سلعاً بقيمة 336.5 مليار دولار خلال 2025، بانخفاض 3.8% عن العام السابق، بينما استوردت سلعاً كندية بقيمة 383 مليار دولار، بانخفاض 7%. وسجلت الولايات المتحدة عجزاً في تجارة السلع مع كندا قدره 46.4 مليار دولار، متراجعاً بنسبة 25.1% مقارنة بعام 2024. وتقول الحكومة الكندية إن نحو 85% من تجارة السلع مع الولايات المتحدة لا تزال معفاة من الرسوم، وإن متوسط التعريفة المفروضة على المنتجات الكندية يبلغ 5.2%، مقابل متوسط عالمي يبلغ 11.4% على الواردات الأميركية.
ويتصدر الصلب والألمنيوم والسيارات قائمة القطاعات الكندية المتضررة من الإجراءات الأميركية. وأكدت الحكومة الكندية أن استمرار الرسوم الأميركية البالغة 50% على الألمنيوم أدى إلى تراجع الطلب ودفع شركات إلى تأجيل قراراتها الاستثمارية. وتظهر تداعيات النزاع بوضوح في صناعة السيارات المترابطة بين البلدين، إذ تعبر السيارات وقطع الغيار الحدود أكثر من مرة خلال مراحل التصنيع، ما يضاعف أثر الرسوم على التكاليف. وكشفت رويترز، أمس الجمعة، أن شركة "ستيلانتس" تبحث بيع مصنعها في برامبتون بمقاطعة أونتاريو، بعدما نقلت إنتاج سيارة "جيب كومباس" إلى ولاية إلينوي الأميركية بسبب الرسوم. ويهدد الغموض المحيط بالمصنع نحو 2200 وظيفة. وقدرت هيئة المساءلة المالية في أونتاريو أن قطاع التصنيع قد يفقد 57.7 ألف وظيفة خلال 2026 مقارنة بسيناريو عدم فرض الرسوم، بما يعادل تراجعاً نسبته 6.8% في العمالة الصناعية بالمقاطعة، مع امتداد الضرر إلى النقل والتجارة والخدمات المهنية المرتبطة بسلاسل التوريد.