
في سابقة هزت أركان فضاء "شنغن'" المفتوح، تحولت مياه المتوسط وقضية مهاجري سبتة إلى ساحة لأزمة دبلوماسية غير مسبوقة في الاتحاد الأوروبي بين روما ومدريد.
بين ليلة وضحاها، نسفت إيطاليا عقوداً من الوئام الأوروبي بتعليق حدودها في وجه إسبانيا، رداً على طوفان الهجرة في سبتة؛ خطوة عدّتها مدريد طعنة في الظهر، وهددت حيالها بردٍ عقابي مزلزل، ليقف الحليفان اللدودان اليوم على حافة حرب إجراءات مضادة تهدد روح التضامن الأوروبي.
ما هي خلفيات الحرب الدبلوماسية؟
لكي نفهم طبيعة ما يجري بين البلدين الحليفين اللدودين، فلا بد من الإشارة إلى الخلاف الأيديولوجي والسياسي الأساسي بين إسبانيا وإيطاليا حالياً في تباين التوجهات الحكومية؛ حيث تقود إيطاليا حكومة يمين متطرف بقيادة جورجيا ميلوني تتبنى سياسات متشددة جداً تجاه الهجرة، بينما تقود إسبانيا حكومة يسارية تعارض تلك الإجراءات القاسية وتفضل المقاربات الحقوقية والإنسانية داخل فضاء الاتحاد الأوروبي.
كيف بدأت الأزمة؟
بدأت شرارة الأزمة والتوتر الدبلوماسي الحاد بين إسبانيا وإيطاليا بشكل رئيسي منذ أزمة الهجرة غير النظامية الأخيرة في جيب سبتة والتدابير الحدودية العقابية التي فرضتها روما بتعليقها العمل باتفاقية "شنغن" مع مدريد.
ماذا حدث في سبتة؟
شهدت سبتة المغربية الخاضعة للسيطرة الإسبانية تدفقاً غير مسبوق لأكثر من 72 ألف مهاجر عبروا الحدود من المغرب، بالرغم من أن السلطات الإسبانية أعادت معظم هؤلاء المهاجرين إلى المغرب، إلا أن هذه المشاهد أثارت قلقاً أوروبياً بالغاً.
ماذا فعلت إيطاليا؟
سارعت إيطاليا إلى تعليق اتفاقية "شنغن"رداً على تلك الأزمة، حيث اتخذت الحكومة ذات التوجه اليميني برئاسة جورجيا ميلوني؛ خطوة تصعيدية عبر تعليق العمل باتفاقية "شنغن" مع إسبانيا لمدة شهر.
شمل القرار إغلاق المنافذ البحرية والجوية وتكثيف عمليات التدقيق والتفتيش الاستثنائية، مع تركيز الفحص على المسافرين من غير مواطني الاتحاد الأوروبي القادمين من الأراضي الإسبانية.
ودعا بعض القادة الإيطاليين والأوروبيين علناً إلى مناقشة تعليق عضوية إسبانيا في فضاء شنغن، وهو ما اعتبرته مدريد تصعيداً غير مقبول.
كيف ردت إسبانيا؟
أولا وفي إجراء عاجل؛ استدعت الخارجية الإسبانية السفير الإيطالي في مدريد احتجاجاً على تصريحات المسؤولين الإيطاليين التي انتقدت سياسة الهجرة لرئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز.
وصفت الحكومة الإسبانية "اليسارية" الإجراء الإيطالي بأنه غير عادل، وتمييزي، ومخالف لمصالح الاتحاد الأوروبي.
منحت مدريد روما مهلة نهائية للتراجع عن هذه القيود والتعليق، مهددة بالمعاملة بالمثل واتخاذ "تدابير عقابية مضادة ومتناسبة" لحماية مصالح مواطنيها، لكن روما لم تستجب.
ما الإجراء الإسباني الجديد؟
في آخر فصول التوتر، أعلنت الحكومة الإسبانية الجمعة أنها ستفرض قيودا على الرحلات الجوية والسفن القادمة من إيطاليا اعتبارا من منتصف ليل السبت وحتى السابع من أيلول/ سبتمبر أيلول.
وأضافت أن الإجراءات ستشمل تدقيقا على جوازات السفر والجنسية وتأشيرات الدخول للقادمين من إيطاليا من الإيطاليين والزوار "في ظل استمرار ضغط الهجرة غير النظامية".
هل من دور إسرائيلي؟
تذهب بعض التحليلات إلى أنه قد يكون هناك دور إسرائيلي في خلق الأزمة، في ظل التوتر بين إسبانيا من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، بسبب الحرب في غزة وإيران.
ويقول ريكاردو فابياني، مدير مشروع شمال إفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية لفرانس برس، إنه "على مدى أشهر، شجع مسؤولون من اليمين في الولايات المتحدة وإسرائيل، المغرب على التحرك بشأن سبتة، ردا على دعم إسبانيا للفلسطينيين وموقفها من الحرب مع إيران".
ويرى أن هذه الأحداث قد تمنح الرباط "مكانة أكبر في نظر حليفيها الرئيسيين، إسرائيل والولايات المتحدة" اللتين "أبدتا ارتياحا واضحا لما حدث".
وفي ذروة الأزمة انتقد السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة داني دانون مدريد، قائلا إنها "لا تفوت فرصة لإلقاء الدروس على إسرائيل" بينما "ينبغي أن تشرح للعالم سبب احتفاظها بجيوب استعمارية في إفريقيا".