Akhbar Alsabah اخبار الصباح

كيف تحولت المدن إلى أفران تجعل الحر قاتلا؟

التكييف المستمر وضعف تحمل الحر في ظل ما نشهده من تقلبات مناخية حادة، بات العالم يعاني من موجات حر قياسية تجتاحه بشرقه وغربه، ليطال دولا لم يعتد سكانها على درجات الحرارة المرتفعة.

وقد أظلت موجات الحر الشديد القارة الأوروبية التي طالما اشتهرت بأجوائها اللطيفة حتى في أيام الصيف اللاهب، فتجاوزت درجات الحرارة معدلها الطبيعي بمقدار 16 درجة مئوية في العاصمة الفرنسية باريس، وارتفعت بمقدار 14 درجة في لندن، بينما ازدادت 7 درجات في برشلونة الإسبانية، وذلك وفق تتبع وحدة الرصد في شبكة الجزيرة لدرجات الحرارة في أوروبا، والذي نشرته عبر منصتها.

موجات الحر الشديدة هذه أصبحت تشكل تحديًا يواجه الأنظمة الصحية -حتى في الدول المتقدمة- لما قد تسببه من أمراض ومشكلات صحية قد تؤدي إلى الوفاة.

ويظهر ذلك بشكل خاص لدى كبار السن والأطفال ومن يعانون من الأمراض المزمنة، إذ لا تستطيع أجسامهم التعامل مع الضغط المتواصل الذي تخلفه درجات الحرارة المرتفعة ليلا ونهارا لأيام متواصلة، وقد بلغ متوسط الزيادة السنوية في الوفيات الناجمة عن موجات الحر بين عامي 2000 و2019 ما يقارب نصف مليون شخص كل عام.

الحرارة بين الماضي والحاضر
ربما سبقت الدول العربية بقاع العالم المختلفة في تسجيلها لدرجات الحرارة العالية بسبب موقعها الجغرافي وطبيعتها الصحراوية، إذ يسودها مناخ جاف أو شبه جاف فرض على سكانها معايشة هذه الأجواء والتأقلم معها، فغرزت القبائل العربية أوتاد بيوتها في أطراف الصحاري الممتدة سواء في شمال أفريقيا أو في شبه الجزيرة العربية منذ قرون.

استمر تعرض الوطن العربي لموجات الحر عبر التاريخ خصوصا منطقة الخليج التي باتت تتجاوز درجات الحرارة في بعض دولها كالكويت وقطر حاجز 49 مئوية، مسجلة درجات قياسية ضمن الأعلى حرارة في العالم، مؤخرًا في السعودية لامست الحرارة حاجز 52 درجة مئوية في صيف عام 2024 خلال موسم الحج، فتسببت بوفاة 1300 حاج.

ولا يكاد يبدأ الصيف في عالمنا العربي حتى تنتشر حالات الإجهاد الحراري وضربات الشمس التي تستدعي الرعاية الطبية الطارئة، فما الذي استجد حتى أصبحنا لا نستطيع مواجهة الأجواء الجافة التي نجا منها أجدادنا بظروف وإمكانات أقل بكثير مما نملك؟ هل تغيرت أجسادنا أم اضطربت الظروف الجوية بما لا يمكننا تحمله حقًا؟

زيادة الحرارة في الشرق الأوسط
وسط ظاهرة الاحترار العالمي التي رفعت حرارة سطح الأرض بمقدار درجتين، من المتوقع أن تواصل درجات الحرارة ارتفاعها في جميع قارات الأرض -باستثناء القارة الجنوبية المتجمدة- متجاوزة 50 مئوية، في حين يُحتمل أن تشهد شبه الجزيرة العربية الحرارة الأعلى عالميًا.

تشير القراءات الجوية المرصودة إلى أن درجات الحرارة المحسوسة خلال نهار العشرة أيام الأكثر حرارة خلال صيف كل عام ارتفعت منذ سبعينيات القرن العشرين بمقدار 0.27 مئوية تقريبًا، بينما ارتفعت بمقدار 0.32 درجة تقريبًا في أكثر 10 ليال دفئا من العام، وسجلت هذه الزيادة عن كل عقد منذ ذلك الوقت.

يُذكر أن هذه الزيادة على درجات الحرارة المحسوسة بلغت ذروة تأثيرها على أوروبا، وشمال أفريقيا، وشبه الجزيرة العربية بزيادة بلغت 4 درجات مئوية، في المقابل تراوحت الزيادة على درجات الحرارة في المناطق الأخرى كأستراليا والهند وباكستان من 2 إلى 3 مئوية.

اختلاف استجابة الأجسام للحرارة العالية
مع امتداد فترات الموجات الحارة التي تواصل فيها الحرارة ارتفاعها في النهار والليل، يصبح الجسم أكثر عرضة للمشكلات الصحية وربما الوفاة، إذ يزداد خطر الإصابة بالإجهاد الحراري مع زيادة أيام الموجة الحارة التي تترافق مع الرطوبة العالية، فترتفع درجة حرارة الجسم الداخلية للحد الذي يفقد معها قدرته على أداء الوظائف الحيوية ثم تتراجع صحة الأعضاء تدريجيًا، وذلك وفقًا للباحث فيتشيلو (Vecellio) وزملائه الذين نشروا دراستهم عام 2023 محاولين تفسير هذه المشكلة.

فإذا كانت درجات الحرارة قد سجلت ارتفاعات ملحوظة على مر السنوات، خصوصًا في جزيرة العرب التي عاش في صحاريها وعلى سفوح جبالها عدد كبير من القبائل لسنوات طوال اعتادوا فيها على الأجواء الجافة وشح المياه وقلة الموارد، فما الذي حدث حتى يفقد الإنسان قدرته على تحمل الحر ويسقط صريعًا بسبب الإجهاد الحراري؟

التكييف المستمر وضعف تحمل الحر

ساعد انتشار أجهزة التبريد (المكيفات) الواسع خلال السنوات العشر الأخيرة على تخطي موجات الحر الشديدة التي تسيطر على كثير من دول العالم، فأصبح الكثير من الأشخاص يقضون أوقاتهم داخل غرف مغلقة -في المنازل أو الشركات أو غيرهما- مزودة بجهاز تكييف يضبط درجة الحرارة دون المحسوسة خارجيًا خلال ارتفاعها في أيام القيظ الشديد.

يملك الإنسان قدرة طبيعية على التأقلم مع درجات الحرارة المرتفعة مع تعرضه لها باستمرار بما لا يقل عن ساعتين يوميا، لكنه في المقابل، يشير الباحثان ساري كوفاتس (S. Kovats) ورايس أختار (R. Akhtar) إلى أن الإنسان قد يفقد قدرته على التأقلم مع الحرارة الجوية العالية إذا قضى معظم وقته داخل أماكن مكيفة، مع الإشارة إلى أن توكيد هذه النتيجة يحتاج لمزيد من الأدلة والدراسات.

ويفترض البروفيسور فيرجس نيكول (Fergus Nicol) والدكتورة سوزان روف (Susan Roaf) أن كثرة استخدام المكيفات وانتشار استخدامها أدى إلى الاعتياد الجسدي والنفسي على درجات الحرارة المتدنية فأصبحت أكثر اعتمادا عليها وأقل قدرة على تحمل الأجواء الحارة التي قد يتعرض لها الجسم خارج هذه البيئات المضبوطة.

تجدر الإشارة إلى أن الحرارة الشديدة التي تسود منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا رفعت معدل الإقبال على شراء واستخدام المكيفات، نجم عن ذلك زيادة الأحمال الكهربائية، وقد سبق أن أصدرت الوكالة الدولية للطاقة تقريرها في أواخر عام 2025 مشيرة إلى أن معدل الطلب على الكهرباء في هذه المناطق ارتفع بمقدار ثلاثة أضعاف بين العامين 2000 و2024 لمواجهة الحر والجفاف، خصوصًا في دول الخليج العربي الذي يقتني 80% من سكانه مكيفات داخل بيوتهم.

وحققت مبيعات المكيفات في الشرق الأوسط عمومًا قفزة نوعية خلال الأعوام الماضية، إذ ازدادت بنسبة 10.5% في دول الشرق الأوسط بين العامين 2002 و2006، مع مؤشرات بزيادة الطلب على الكهرباء بنسبة 50% بحلول عام 2035.

السمنة وضعف الجسم في مواجهة الحر
تشير بعض التفسيرات إلى أن السمنة هي أحد أسباب عدم قدرة الجسم على التكيف مع درجات الحرارة المرتفعة، فيعزو باحثون من الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة الدكتور هيرمان (R. M. Herman) سبب ذلك إلى ضعف إحساس البدناء بدرجات الحرارة العالية نتيجة اعتلال الألياف العصبية الدقيقة الموجودة تحت الجلد، مما قد يؤدي إلى انخفاض قدرة الجسم على الاستجابة للحرارة المرتفعة، لكن توكيد هذه النتيجة يحتاج لمزيد من البحث والدراسة.

بينما أشار البروفيسور الأمريكي أوستن هينشيل (A. Henschel) في عام 1967 إلى أن الأشخاص البدناء هم أكثر عرضة للإصابة بالإجهاد الحراري ثم مشكلات القلب المميتة بسبب عدم قدرة أجسامهم على تبديد درجات الحرارة العالية التي يتعرضون لها، وذلك بسبب انخفاض مساحة سطح الجسم نسبة إلى كتلته، فيقل معدل تبديد الحرارة بين الجلد والهواء المحيط، فيشعر الشخص البدين بإجهاد غير محتمل أثناء موجات الحر قد تفضي إلى وفاته أحيانًا.

وفي تفسير آخر نُشر في مجلة علم الوظائف التطبيقي (Journal of Applied Physiology) عام 1983 ركز على انخفاض السعة الحرارية للأنسجة الدهنية مقارنة بالأنسجة غير الدهنية، مما يعني أن سرعة ارتفاع درجة حرارة الأنسجة الدهنية يسهم في رفع درجة حرارة الجسم الداخلية، إضافة إلى أن سماكة الطبقة الدهنية الموجودة تحت الجلد تعمل كطبقة عازلة تعيق تبديد الحرارة من مركز الجسم إلى الجلد.

كما إن معدل تدفق الدم نحو الجلد يكون أقل كفاءة مقارنة بالأشخاص الذين لا يعانون من السمنة، وكل ذلك مما يرفع درجة حرارة الجسم الداخلية ويزيد معدل الإجهاد الحراري على الأعضاء مسببًا مضاعفات خطيرة.

وتواجه الدول العربية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا زيادة ملحوظة في تعداد الأشخاص الذين يعانون من زيادة الوزن والسمنة، إذ بلغت في الشرق الأوسط 21.2% و33.1% على التوالي، مع توقعات بزيادة محتملة خلال السنوات القادمة، وهو ما قد ينضم إلى مجموعة العوامل التي يُعزى لها عدم قدرة الأشخاص القاطنين في هذه الدول على تحمل موجات الحر المتزايدة عامًا بعد عام.

الجزر الحرارية في المدن
يتسبب التوسع العمراني المتمثل بزيادة البناء الخرساني برفع الحرارة الجوية المحيطة بالبيوت، إذ تُعرف هذه الظاهرة بالجزر الحرارية الحضرية.

ووفقًا لتفسير الدكتور أوكي (T. R. Oke) من قسم الجغرافيا في جامعة كولومبيا البريطانية فإن مكونات الأبنية من الأسفلت والأسمنت تمتص أشعة الشمس الساقطة عليها خلال النهار ثم تنبعث منها خلال الليل فترتفع درجة الحرارة المحيطة في الشوارع والباحات.

وبالطبع يزداد ذلك خلال موجات الحر التي ترفع حرارة الأسطح والهواء، لذلك يشعر الناس بالحرارة في المدن أكثر من أقرانهم في القرى أو المناطق الريفية.

الأمراض المزمنة وتراجع قدرة الجسم أمام الحرارة
يُعد أصحاب الأمراض المزمنة -كاعتلالات القلب والجهاز التنفسي والسكري- أحد أكثر الفئات عرضة لخطر الإصابة بالإجهاد الحراري خلال موجات الحر التي تخيم على بعض المناطق، إذ تنخفض قدرتهم على التعامل مع درجات الحرارة العالية فيصبحوا أكثر عرضة للمضاعفات الصحية الخطيرة.

في دراسة مقارنة أجراها باحثون من مراكز الوقاية والسيطرة على الأمراض في الولايات المتحدة الأمريكية تبين أن معظم الحالات التي احتاجت دخول المستشفى أثناء موجات الحر كانت ضمن فئات الأمراض المزمنة، فارتفعت نسبة دخول المستشفى خلال موجات الحر لمرضى القلب بنسبة 23%، و30% لمرضى السكري، و52% لمرضى الكلى والجهاز البولي، إذ كان يعاني معظمهم من الجفاف والإجهاد الحراري وضربة الشمس، وسجلت أعلى معدلات من الوفيات بين مرضى السكري.

يصاحب مرض السكري أمراض أخرى تنهك الجسم وتُضعف قدرته على تنظيم الحرارة الداخلية أثناء موجات الحر، مثل المتلازمة الأيضية، وأمراض القلب، والاعتلالات العصبية.

تنخفض استجابة الأوعية الدموية الموجودة في الجلد لدرجات الحرارة العالية لدى مرضى السكري، فتفقد قدرتها على التوسع معيقة تدفق الدم الواصل إليها ليبدد الحرارة عبر سطح الجلد، وذلك وفق دراستين إحداهما نُشرت عام 1997 في مجلة العناية بالسكري (Diabetes Care)، والأخرى نشرها باحثون من كلية الطب في مايو كلينك عام 1987.

يُشار إلى أن الأمراض المزمنة تسجل أرقامًا قياسية في سرعة انتشارها حول العالم خلال العقود الأخيرة وفق المنظمات الصحية العالمية، إذ حصدت أرواح 43 مليون شخص في عام 2021 وحده>

أما الوطن العربي فالتحق بركب الزيادات القياسية في الأمراض المزمنة مسجلا زيادة قدرها 31% في أعداد الوفيات الناجمة عن أمراض القلب مثلا، بينما تفوقت أعداد مرضى السكري في دول الخليج العربي مقارنة بالدول العربية الأخرى، فبلغت نسبة انتشار السكري في المملكة العربية السعودية 31.6%، وعمان 29%، والبحرين والإمارات العربية المتحدة 25%، وهو ما قد يفسر ارتفاع حالات الإرهاق الحراري وعدم احتمال موجات الحر مقارنة بأسلافنا ممن استوطنوا ذات الأماكن منذ أمد بعيد.
طب و صحة | المصدر: الجزيرة | تاريخ النشر : السبت 25 يوليو 2026
أحدث الأخبار (طب و صحة)
يمكنكم متابعة احدث اخبارنا عن طريق شبكات التواصل الاجتماعى المختلفة
facebooktwitterRss
®أخبار الصباح AkhbarAlsabah.com