
تواصل حرائق الغابات تمددها في عدد من الدول حول العالم، مدفوعة بموجات حر تضرب مناطق واسعة من نصف الكرة الشمالي، ما أسفر عن سقوط قتلى وإجلاء آلاف السكان، إلى جانب تصاعد المخاوف من اتساع رقعة النيران وتدهور جودة الهواء في مناطق عدة. وتواجه أوروبا وأميركا الشمالية، إلى جانب عدد من الدول العربية، ظروفاً مناخية استثنائية تزيد من صعوبة احتواء الحرائق، وسط تحذيرات من استمرار المخاطر خلال الأيام المقبلة.
19 حريقاً وحالة طوارئ في المملكة المتحدة
في المملكة المتحدة، اندلع نحو 19 حريقاً في إنكلترا وويلز، بحسب أجهزة الإطفاء والإنقاذ المحلية. وأعلنت السلطات في شمال ويلز حالة طوارئ كبرى بعد اتساع أحد الحرائق، فيما واصل رجال الإطفاء جهودهم لإخماده. كما امتد دخان الحرائق إلى مناطق بعيدة، من بينها مدينة ليفربول، ما دفع السلطات إلى مطالبة السكان بإغلاق النوافذ والأبواب حفاظاً على جودة الهواء، في وقت أبقت فيه وكالة الأمن الصحي البريطانية تحذيراتها الصحية المرتبطة بموجة الحر.
13 قتيلاً في إسبانيا
وفي إسبانيا، ارتفعت حصيلة ضحايا الحرائق التي اجتاحت منطقة الأندلس جنوبي البلاد إلى 13 قتيلاً، فيما لا يزال عدد من الأشخاص في عداد المفقودين. وقالت السلطات في بيان إن الضحايا هم سبعة بريطانيين، وثلاثة بلجيكيين، وفرنسي واحد، وأميركي واحد، فيما كان الضحية الثالث عشر مواطناً إسبانياً. وأوضحت الهيئة العامة المكلفة بتحديد هويات الضحايا أن مَن قضوا في الحرائق هم "ثماني نساء وخمسة رجال، وجميعهم بالغون".
وأتت الحرائق على نحو سبعة آلاف هكتار من الغابات والأراضي المغطاة بالشجيرات. وانتشل جهاز الطوارئ في البداية 12 جثة كانت مشوهة بشدة بسبب النيران، لدرجة أنها تطلبت عينات وراثية للتعرف على هويات أصحابها. والحرائق التي اندلعت مع سقوط أسلاك كهربائية على أحد الطرق هي من الأكثر فتكاً في إسبانيا خلال السنوات الأخيرة، علماً أنه جرت السيطرة عليها، وتمكن السكان من العودة إلى منازلهم بدءاً من الأحد.
وشهدت إسبانيا في السنوات الأخيرة موجات حر تجاوزت خلالها درجات الحرارة 40 مئوية، ما وفّر ظروفاً مؤاتية لاندلاع حرائق الغابات. وأتت حرائق الغابات المميتة على أكثر من 400 ألف هكتار من الأراضي في إسبانيا العام الماضي، وهو أعلى رقم يسجّله "نظام معلومات حرائق الغابات الأوروبي" للبلاد.
نيران وموجة حرّ في فرنسا
أما في فرنسا، فقد استعرت الحرائق في غابة فونتينبلو، الواقعة على مسافة نحو ستين كيلومتراً جنوب شرقي باريس، بعدما التهمت النيران نحو 2050 هكتاراً حتى ما بعد ظهر اليوم الثلاثاء. ويأتي ذلك فيما تبقى الأقاليم الفرنسية بمعظمها تحت وطأة موجة الحر الثالثة لهذا الموسم، مع حرارة شديدة وجفاف متزايد في الغطاء النباتي أبقيا خطر الحرائق مرتفعاً في مناطق واسعة من البلاد.
وأجبرت الحرائق نحو ألف شخص في فونتينبلو ومحيطها على الفرار من منازلهم. كما أغلقت السلطات الطريق السريع "إيه 6" الذي يربط العاصمة بمدينة ليون والجنوب. وتسبّبت حرائق أصغر بالمنطقة في تعطيل خدمات القطارات فائقة السرعة. وتُحقّق السلطات لتحديد إن كانت الحرائق متعمّدة. وقد جرى توقيف شخصين على الأقل بشبهة الحرق المتعمّد بالقرب من أحد أشهر القصور الملكية في فرنسا، بينما أُلغيت احتفالات وألعاب نارية في مدن عدة خشية امتداد النيران.
تحذيرات من تلوث الهواء في كندا وأميركا
وفي أميركا الشمالية، حذّرت السلطات من أن دخان حرائق الغابات المشتعلة في كندا وولاية مينيسوتا الأميركية سيغطي أجزاء واسعة من الغرب الأوسط وشمال شرقي الولايات المتحدة خلال الأيام المقبلة، ما سيعرض الملايين لتلوث هوائي خطير. وأصدر مسؤولو ولاية مينيسوتا تحذيراً بشأن جودة الهواء ابتداء من أمس الثلاثاء حتى الجمعة المقبلة، حيث من المتوقع أن يغطي دخان كثيف الجزء الشمالي الشرقي من الولاية في ظل انتشار حرائق غابات كبيرة.
وقال دان ويسترفيلت،؛ الأستاذ المساعدة بكلية المناخ بجامعة كولومبيا، إن الجفاف الشديد المقترن بالحرارة في كندا والولايات المتحدة تسبب في "عاصفة كبيرة للغاية أدت لظروف جافة للغاية، ما وفر الكثير من الوقود لتأجيج حرائق الغابات". وقد أظهر بحث أن ارتفاع درجات الحرارة الناجم عن تسخين الفحم والنفط والغاز يجعل اندلاع الحرائق أكثر تكراراً وحدة، وفقاً لوكالة أسوشييتد برس.
الجزائر.. أكثر من 100 حريق في 24 ساعة
ولم تقتصر الحرائق على أوروبا وأميركا الشمالية، بل امتدت آثار موجة الحر إلى عدد من الدول العربية، وفي مقدمتها الجزائر وتونس، اللتان سجّلتا خلال الساعات الأخيرة حرائق في مناطق عدة بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة. وفي هذا السياق، أعلنت مصالح الحماية المدنية الجزائرية أنها سجلت خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة 101 حريق شملت الغابات والأدغال والأحراش والمحاصيل الزراعية وواحات النخيل عبر ولايات عدة من البلاد.
وأوضحت الحماية المدنية، في حصيلة صادرة مساء أمس الثلاثاء، أن فرقها تمكّنت من إخماد 86 حريقاً نهائياً، فيما تتواصل عمليات الإطفاء في 15 حريقاً لا تزال نشطة في ولايات بجاية وسطيف وسعيدة وميلة وتيسمسيلت والمدية وبرج بوعريريج وخنشلة ومعسكر. وتتركز أبرز الحرائق المتواصلة في ولاية بجاية، حيث لا يزال حريق غابة بني معوش نشطاً مع استمرار امتداد رقعته، إلى جانب حرائق أخرى في ولايتي ميلة وسطيف، حيث تواصل فرق التدخل عمليات الإخماد. وفي ولاية سعيدة، أعلنت السلطات السيطرة على حريق غابي ببلدية مولاي العربي، بينما تستمر الجهود لإخماد حريق آخر ببلدية أولاد إبراهيم مع نشر جهاز وقائي لحماية التجمعات السكنية المجاورة.
وفي سياق متصل، أفادت وسائل إعلام محلية بوفاة متطوع متأثراً بحروق أصيب بها أثناء مشاركته في عمليات إخماد الحرائق بإحدى قرى بلدية بني موحلي التابعة لدائرة بني ورتيلان شمال غربي ولاية سطيف، فيما جرى إجلاء مصاب ثانٍ على متن مروحية نحو الجزائر العاصمة لتلقي العلاج.
188 حريقاً في تونس
أما في تونس، فسُجّلت حرائق في عدد من المناطق الجبلية والحرجية، بالتزامن مع موجة حر شديدة بلغت خلالها درجات الحرارة نحو 50 درجة مئوية في مناطق عدة. وكانت الحماية المدنية قد أعلنت تدخل وحداتها لإخماد 188 حريقاً خلال أربعٍ وعشرين ساعة، فيما أكدت الإدارة العامة للغابات أن السيطرة على بعض الحرائق الجبلية استغرقت نحو 40 ساعة من العمل المتواصل.
وتأتي موجة الحرائق الحالية في ظل ظروف مناخية استثنائية تشهدها مناطق واسعة من نصف الكرة الشمالي، حيث تتزامن درجات الحرارة القياسية مع الجفاف وتراجع الرطوبة، ما يهيئ بيئة مؤاتية لاندلاع الحرائق وانتشارها. ووفق بيانات المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها ومنظمة الصحة العالمية، سجلت الدول الأوروبية أكثر من 10 آلاف حالة وفاة زائدة خلال موجة الحر القياسية التي ضربت غربي القارة أواخر يونيو/ حزيران الماضي.
ويؤكد خبراء المناخ أن تزايد وتيرة الاحترار العالمي يجعل موجات الحر أكثر تكراراً وشدة، الأمر الذي يضاعف مخاطر حرائق الغابات في أوروبا وأميركا الشمالية، كما يزيد من احتمالات اندلاعها في عدد من دول حوض البحر الأبيض المتوسط، بما في ذلك بعض الدول العربية التي تشهد صيفاً حاراً وجافاً.
تكنولوجيا و علوم | المصدر: العربي الجديد | تاريخ النشر : الأربعاء 15 يوليو 2026