Akhbar Alsabah اخبار الصباح

رعب رغيف الخبز المدعم ينتاب ملايين الأسر المصرية

رغيف الخبز المدعم بينما ظل رغيف الخبز المدعم الباب الواسع الذي تنطلق منه الحكومات المصرية إلى ملايين الفقراء ولمدة عقود، إلا أن حكومة رئيس النظام المصري عبدالفتاح السيسي، تقترب من نزع آخر ما تبقى من ذلك الباب، عبر قرار مثير للجدل بتطبيق منظومة "الدعم النقدي" بدلا من "الدعم العيني" بداية الشهر المقبل.

ووفق بيانات مجلس الوزراء هناك 61 مليون مصري يستفيد من السلع التموينية، و68 مليون من الخبز المدعم، بفاتورة وصلت 160 مليار جنيه بالعام المالي (2025/2026)، حيث يتم إنتاج ما بين 250 إلى270 مليون رغيف يوميا، بواقع 5 أرغفة لكل فرد بسعر الرغيف 20 قرشا.

منظومة خفض الوزن ورفع السعر

على الجانب الآخر، تقوم منظومة الدعم النقدي على تحويل قيمة الدعم لمحفظة إلكترونية مرتبطة ببطاقة التموين، لشراء الخبز أو السلع الغذائية، ما أثار مخاوف أصحاب البطاقات التموينية جلهم من الفقراء من فقدان حصتهم من السلع كالزيت والسكر والأرز والمكرونة والدقيق وغيرها، لتزيد تصريحات حكومية تشعرهم بأن يطال الأمر رغيف الخبز.

وفي ظل غموض حول مصير الدعم ووضع الخبز بالمنظومة الجديدة، زاد وزير التموين شريف فاروق، قلق المصريين بتصريحاته لفضائية "صدى البلد" الأسبوع الماضي، أعلن فيها رفع سعر رغيف الخبز من 20 قرشا إلى 1.5 جنيه، مع تخفيض وزنه من 90 إلى 70 غراما، ما مثل صدمة لملايين الفقراء.

ولفت وزير التموين إلى أن "المواطن كلما وفر في استهلاك الخبز يحصل على مقابل مالي يمكنه من شراء سلع أخرى"، ما اعتبره محللون إشارة إلى توجه حكومي بتقليل حصة المواطن من الخبز، لخفض تكلفة الرغيف في الموازنة العامة للدولة، وبالتالي تقليل فاتورة واردات القمح السنوية.

ويأتي هذا التوجه بالتزامن مع إعلان وزير الزراعة المصري، علاء فاروق، الأسبوع الماضي خفض واردات القمح إلى نحو 12.5 مليون طن العام المالي الحالي من 13.2 مليون طن العام السابق.

وبحسب تصريح لمساعد وزير التموين حسام الجراحي، تشرين الأول/أكتوبر الماضي، فإن متوسط تكلفة إنتاج رغيف الخبز المدعم الفعلية 1.84 قرشا، ما يشير وفق محللين، إلى أن خفض الوزن إلى 70 غراما ورفع السعر إلى 1.5 جنيها يعني خروج رغيف الخبز من دائرة الدعم الحكومي.

اختراق غير مسبوق

وكانت حكومة السيسي، قد أحدثت الخلل الأول في سعر منظومة رغيف الخبز منتصف عام 2024، حينما رفعت سعر الرغيف المدعم بالمنظومة التموينية من 5 قروش إلى 20 قرشا، ثم إلى 1.5 جنيه من الشهر المقبل بنسبة زيادة 650 بالمئة، ليكسر قاعدة ظلت قائمة بذات السعر منذ العام 1988، وفي تضاعف للسعر لحوالي 30 مرة خلال 38 عاما.

وفي ملف وزن الرغيف قامت حكومات السيسي، بخفضه من نحو 130 غراما منذ تسعينيات القرن الماضي إلى 120 غراما عام 2014 (أول أعوام حكم السيسي)، ثم خفضه مرة ثانية إلى 110 غراما عام 2016 مع أول قروضها من صندوق النقد الدولي، ثم مرة ثالثة إلى 90 غراما عام 2020، لتنزل بوزن رغيف الخبز للمرة الرابعة الشهر المقبل.

ويمثل انخفاض وزن رغيف الخبز من 130 غراما إلى 70 غراما خلال 12 عاما، خسارة 60 غراما بنسبة انخفاض 46 بالمئة، ما يعد انخفاضا للقيمة الغذائية المقدمة للمواطن لنحو النصف، في قرارات يراها البعض جريئة في ظل عجز حكومات الرئيسين أنور السادات (1970- 1981) وحسني مبارك (1981- 2011) عن اتخاذ مثلها طيلة 4 عقود.

وفي السياق، اعترف رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، أن ملف التحول إلى الدعم النقدي ظل محل تردد وتخوف في التعامل معه لأكثر من 30 عاما، ليفاقم مخاوف المصريين بقوله إن الدولة تعمل على مراجعة أوضاع المستفيدين من بطاقات التموين والخبز، ليزيد من تلك المخاوف بإعلانه أن "الدعم لا يجب أن يستمر بشكل دائم دون مراجعة، وأن بعض الأسر قد تخرج من دائرة الاحتياج.

وفي حين أكد مدبولي، أن هناك ممارسات غير سليمة داخل منظومة الخبز المدعم تؤدي إلى تسرب 25 بالمئة من الدعم المخصص للخبز لغير المستحقين، وأن ما لا يقل عن 35 مليار جنيه من إجمالي دعم الخبز البالغ نحو 140 مليار جنيه سنويًا لا يصل إلى المستحقين، انتقد البعض حديثه مؤكدين أن الدولة تحارب الفساد على حساب الفقراء.

خطة غامضة ومخاوف

وحول ما لديه من معلومات وسط الغموض الشديد حول وضع المنظومة الجديدة وبشكل خاص ما يخص رغيف الخبز وحجم المخصص له من دعم نقدي؟، أكد الخبير الاقتصادي الدكتور عبدالنبي عبدالمطلب، في حديثه لـ"عربي21"، أنه "حتى هذه اللحظة لا توجد خطة واضحة للحكومة لتنفيذ الدعم النقدي بمجال الخبز".

وكيل وزارة التجارة الخارجية السابق للبحوث الاقتصادية، يعتقد أن "الرأي يدور حول تحرير رغيف الخبز كليا، وتركه لأليات العرض والطلب"، ملمحا في المقابل إلى أن "هناك مخاوف من عدم قدرة الأفران خارج منظومة الدعم على توفير الخبز اليومي للمواطن المشمول بالدعم".

وبين أنه "طبقا لأرقام وزارة التموين، فهناك أكثر من 60 مليون مصري يحصلون يوميا على نحو 300 مليون رغيف، وقد أعلنت الحكومة أنها رصدت نحو 124 مليار جنيه للخبز، إضافة إلى نحو 36 مليار جنيه لدعم السلع التموينية، بما يرفع مخصصات الدعم إلى 160مليار جنيه سنويا".

وفي حديثه لـ"عربي21"، قال الباحث الاقتصادي حسن بربري: "هناك غموض كبير، وتصريحات الوزير لجس النبض وقياس ردود الأفعال، لكن لا حديث مؤكد حول قيمة الدعم الذي ستحصل عليه الأسرة ولكل فرد، وعدد أرغفة الخبز والقيمة النقدية التي توازيها، وهل سيتم مراجعة تلك القيمة دوريا مع التضخم وارتفاع الأسعار أم ستظل ثابتة، وغيرها عشرات الأسئلة بلا جواب".

ماذا يعني رفع السعر وخفض الوزن؟

وحول ما يعنيه تصريح الوزير حول رفع سعر رغيف الخبز المدعم من 20 قرشا إلى 1.5 جنيه وتخفيض وزنه من 90 إلى 70 غراما، يرى عبدالمطلب، أن "تخفيض الوزن ورفع السعر قرار حكومي، بحت، وشخصيا لا أعرف فلسفته ولا الهدف منه".

واستدرك: "لكن الحكومة كمقدم سلعة لها الحق في تحديد حجم وسعر سلعها، مادامت ستتحول لدعم نقدي، وسيكون للمواطن حق شراء الخبز من المكان الذى يحقق له الفائدة؛ أما إذا اقتصر الأمر على مجرد تعديل السعر، مع إلزام المواطن الشراء من أفران مخصصة كما يحدث حاليا، فأعتقد أن ذلك سوف يضر كثيرا بالمواطن صاحب الحق التمويني".

من جانه لفت بربري، إلى أن "أسرة بها 4 أفراد في النظام الحالي تحصل على 200 رغيف خبز شهريا والقيمة السوقية وفقا للسعر الجديد ستكون 300 جنيه، وبالتالي أي دعم نقدي يقل عن هذا المستوى عمليا يمثل تراجعا بالقدرة الشرائية للأسرة".

وأوضح الناشط العمالي والقيادي في حزب "التحالف الشعبي"، أن "مسألة تخفيض وزن الرغيف ليس معناها زيادة سعره أكثر منها رغبة حكومية لتقليل التكلفة؛ لكن المفروض أن هناك كمية من الخبز تعتمد عليها الأسرة يجب ألا تفقد جزء منها إلى جانب حقها بالسلع الأساسية".

كيف تتحقق المعادلة دون ضرر؟

ووفق رؤيته الاقتصادية رصد عبدالمطلب، كيفية تحقيق الحكومة معادلة الدعم النقدي التي ترغب فيها دون الإضرار بملايين الفقراء، مبينا أن "الدعم النقدي أفضل كثيرا للمواطن وللدولة من العيني"، متحدثا عن "مليارات تُهدر على سلع رديئة، تُجبر الدولة الأفراد على استهلاكها ضمن منظومة الدعم".

وبين أنه "في حال التحول بشكل كامل وحقيقي إلى الدعم النقدي سوف تخرج الدولة من قطاع التجارة غير العادلة، وسوف تعطى مساحة أكبر للمنافسة بين التجار لتقديم خدمات أفضل بأسعار أفضل".

ويعتقد أن "المهم هو إدارة ملف الدعم النقدي باعتباره أموالا يمكن لمن يستحقها التصرف فيها كيفما يشاء؛ صحيح أن هناك بعض المشاكل التي قد تظهر داخل الأسر، نتيجة عدم تحديد كيفية من له حق الصرف وكيفية توزيع الأموال، لكن هذا يمكن حله من خلال إصدار بطاقات بالرقم القومي لمستحقي الدعم".

وفي الإطار، يرى بربري، أن "التحول للدعم النقدي من العيني له شروط يجب توافرها، مثل أن تكون قيمة الدعم كافية بالفعل لاحتياجات الأسرة، وتعطيها القيمة النقدية المكافئة للاحتياجات المطلوبة وليس أقل منها، وثانيا ربط القيمة النقدية بمعدلات التضخم لأن القيمة النقدية مع الوقت تتآكل وبالتالي يضطر المواطن تعويض هذا النقص من جيبه"، متسائلا: "ومن أين يحصل المواطن على فائض لتعوض النقص؟".

وأشار ثالثا إلى "أزمة الأسواق غير المستقرة بسبب سعر صرف العملة المحلية مقابل الدولار ، وبسبب تغيرات أسعار السلع بشكل شبه يومي، ما يدعو للسؤال كيف ستربط الحكومة القيمة النقدية بهذا الوضع القائم في الأسعار"، مؤكدا أنه "يجب العمل على استقرار أسعار السوق وخاصة الاحتياجات الأساسية التي لا يستغني عنها المواطن بما أن الحكومة أصبحت ملتزمة بإعطائه دعما نقديا".

حجم خطأ الدولة

وبشأن ما يثار حول خطأ الدولة المصرية في هذا الملف الخطير، وتسرعها في التحول من الدعم العيني، يرى عبدالمطلب، أن "التحول للدعم النقدي قرار سليم، وسبق مناقشته بالعديد من المؤتمرات واللجان والاجتماعات الحكومية، والمهم أن يتم تنفيذه بشكل صحيح".

ويعتقد بربري أن "الخطأ الحكومي في إدارة هذا الملف تاريخي، والمشكلة الكبيرة أن مبدأ الإصلاح وإدارة التواصل مع المجتمع غائبة، وكان يجب من البداية الرجوع للشارع ومعرفة احتياجاته، لكن الحكومة تتخذ القرارات بشكل منفرد تماما".

وثانيا لفت إلى أن "الدولة قالت إن هناك فساد في توريد السلع التموينية والدقيق فأحالت هذا الملف إلى شركات تابعة لجهات سيادية منذ عامين لتورد هي المواد التموينية بعقود طويلة الأجل، والآن تغير قرارها بالتوجه نحو الدعم النقدي"، موضحا أنها "قرارات وقتية وبعيدة عن التخطيط للمستقبل".

هم كبير.. وأمن قومي

ووفق رصد "عربي21"، لحديث مصريين فإن "ما سيجري بحق رغيف الخبز من تخفيض ورفع سعر يمثل أزمة لكل بيت"، حيث تقول أم سلمى، وهي أم لأربعة أولاد: "تحدثت مع البدال التمويني ومع صاحب المخبز وكلاهما لا يعرف شيئا".

وأضافت لـ"عربي21": "بقيت أيام على تطبيق القرار، ولا نعرف حصة الفرد وحصة كل بطاقة من الخبز والسلع، ونسبة كل منهما وكيف سيتم صرفهما"، موضحة أن "عدم وجود رغيف العيش أو تقليل كميته ووزنه وزيادة سعره هم كبير لا نعرف كيف نواجهه".

وعبر صفحته بـ"فيسبوك"، قال الإعلامي محمد علي خير، إن "الرغيف أمن قومي"، مطالبا الحكومة بـ"التريث في ضم الرغيف المدعم إلى منظومة الدعم النقدي وإجراء دراسة علمية مستفيضة حول القرار وآثاره"، منتقدا خفض وزن الرغيف إلى 70 غراما بنسبة 22 بالمئة دفعة واحدة، في ظل تراجع الدخول، مؤكدا أن "الرغيف المدعم يكاد أن يكون المصدر الرئيسي للطاقة لأكثر من ثلث المصريين".

وأشار، خير، إلى أن وزير التموين تواصل معه، وأكد له أن "المواطن الذي سيحصل على الدعم النقدي لرغيف الخبز ليس شرطا أن يشتري به رغيفا وزنه 70 غراما بل له الحرية في شراء رغيف وزنه أكبر وسوف تحدد الوزارة سعر كل وزن".
إقتصاد | المصدر: عربي 21 | تاريخ النشر : الاثنين 22 يونيو 2026
أحدث الأخبار (إقتصاد)
يمكنكم متابعة احدث اخبارنا عن طريق شبكات التواصل الاجتماعى المختلفة
facebooktwitterRss
®أخبار الصباح AkhbarAlsabah.com