
شهدت الأسواق الأميركية واحدة من أعنف جلسات البيع التي شهدتها وول ستريت منذ أكثر من عام، بعدما هبط مؤشر ناسداك المركب بنسبة 4.2% خلال تعاملات الجمعة، في أكبر تراجع يومي له منذ إبريل 2025، وسط موجة بيع واسعة ضربت أسهم شركات الرقائق والذاكرة المرتبطة بقطاع الذكاء الاصطناعي، وذلك عقب صدور بيانات وظائف أميركية فاقت التوقعات وأعادت إلى الواجهة احتمالات رفع أسعار الفائدة مجدداً من جانب مجلس الاحتياطي الفيدرالي. وبحسب صحيفة فاينانشال تايمز، جاءت عمليات البيع بعد أن أظهر تقرير الوظائف الأميركي إضافة 172 ألف وظيفة خلال الشهر الماضي، متجاوزاً تقديرات الأسواق، ما دفع المستثمرين إلى إعادة تسعير توقعاتهم بشأن السياسة النقدية الأميركية. وارتفعت على إثر ذلك عوائد سندات الخزانة الأميركية قصيرة الأجل بصورة حادة، إذ صعد عائد السندات لأجل عامين إلى 4.17%، وهو أعلى مستوى له خلال 15 شهراً.
وامتدت الخسائر إلى معظم الشركات التي قادت موجة الصعود التاريخية في أسواق التكنولوجيا خلال الأشهر الماضية. وبحسب رويترز، هبط مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات بنسبة 10.3% في جلسة واحدة، مسجلاً أكبر خسارة يومية منذ مارس/آذار 2020، فيما بلغت خسائر شركات الرقائق المدرجة في الولايات المتحدة نحو 1.3 تريليون دولار من قيمتها السوقية خلال جلسة الجمعة وحدها. وتراجعت أسهم شركة إنفيديا بنحو 6%، ما أدى إلى تبخر أكثر من 300 مليار دولار من قيمتها السوقية، بينما هوت أسهم مايكرون تكنولوجي بنسبة 13%، لتفقد نحو 150 مليار دولار من قيمتها السوقية. كما انخفض سهم مارفيل تكنولوجي بنسبة 17%، وتراجع سهم إيه إم دي بنحو 11%، في حين هبط سهم برودكوم بنسبة 7.9%، لترتفع خسائره خلال جلستين متتاليتين إلى نحو 20%، وسط مخاوف متزايدة من تباطؤ الطلب على رقائق الذكاء الاصطناعي مقارنة بالتوقعات المرتفعة التي بنت عليها الأسواق موجة الصعود الأخيرة.
ويرى محللون، وفق الصحيفة، أن قوة بيانات التوظيف أعادت إشعال المخاوف من استمرار الضغوط التضخمية في الاقتصاد الأميركي، وهو ما قد يجبر الاحتياطي الفيدرالي على تبني سياسة نقدية أكثر تشدداً خلال الأشهر المقبلة. وتعد أسهم التكنولوجيا عالية النمو الأكثر حساسية لارتفاع أسعار الفائدة، لأن جزءاً كبيراً من تقييماتها يعتمد على أرباح مستقبلية بعيدة الأجل تتراجع قيمتها الحالية مع ارتفاع العوائد. وقال مايك زيغمونت من مجموعة "فيسدوم إنفستمنت": إن الأسواق كانت قد وصلت إلى مستويات مبالغ فيها من التفاؤل بعد تسعة أسابيع متواصلة من المكاسب، مضيفاً أن تقرير الوظائف كان الشرارة التي دفعت المستثمرين إلى جني الأرباح بصورة جماعية.
في المقابل، اتجه المستثمرون إلى القطاعات الدفاعية الأقل تأثراً بتقلبات الدورة الاقتصادية، حيث سجلت أسهم شركات السلع الاستهلاكية الأساسية مكاسب ملحوظة، من بينها "كوكاكولا" و"بروكتر آند غامبل" و"كيمبرلي كلارك"، التي تُعتبر ملاذات تقليدية خلال فترات اضطراب الأسواق. ولم تقتصر تداعيات الموجة البيعية على الولايات المتحدة، إذ امتدت إلى آسيا مع تراجع سهم شركة "إس كيه هاينكس" الكورية الجنوبية بنحو 10%، فيما انخفض سهم "سامسونغ إلكترونيكس" بنسبة 6%، في إشارة إلى اتساع المخاوف بشأن مستقبل قطاع الرقائق العالمي.
وتستعد شركة إسبيس إكس لطرح عام أولي مرتقب الأسبوع المقبل قد يجمع نحو 86 مليار دولار ويمنح الشركة تقييماً يقارب 1.78 تريليون دولار، بينما تدرس شركات كبرى في مجال الذكاء الاصطناعي مثل "أوبن آيه آي" و"أنثروبك" خططاً مماثلة لدخول أسواق المال. ويرى مراقبون أن التراجع الحاد لا يعني بالضرورة نهاية موجة الصعود المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، لكنه يعكس ارتفاع سقف توقعات المستثمرين بشكل كبير، ما يجعل الأسواق أكثر حساسية لأي مؤشرات على تباطؤ الأرباح أو تراجع وتيرة الإنفاق الضخم على مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية التي تقود طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية.