
في ظل الحرب "الأمريكية-الإسرائيلية" على إيران، ومع توجهات الحكومة المصرية بخفض فاتورة الطاقة في بلد يعتمد على استيراد الغاز، عبر قرارات تقليل إنارة الشوارع والطرق، واللوحات الإعلانية، وغلق المحال التجارية والمولات والمطاعم والكافيهات والبازارات وقاعات الأفراح والأندية الرياضية والشعبية، من التاسعة مساء السبت، عاشت العاصمة التاريخية لمصر لأكثر من 1056 عاما، ليلة مظلمة وغابت عنها الحياة في وضع قد يمتد لعدة شهور.
وتداول ناشطون صورا لسماء القاهرة، وأحيائها المظلمة، مشيرين إلى أن أول مشهد كان يراه السائحون الذين بلغوا نحو 19 مليونا العام الماضي، هو أنوار القاهرة، وسحرها الليلي، إلى جانب رؤية أضواء وادي النيل ودلتا مصر، والتجمعات البشرية والسكانية حول نهر النيل.
وأكد البعض أن هذه الصورة ليست في إيران التي استنزفها القصف الأمريكي الإسرائيلي مدة شهر، أو دول الخليج التي تتعرض لقصف إيراني على المصالح الأمريكية في أراضيها، وليست في غزة التي تعرضت لحرب إبادة دموية إسرائيلية مدة عامين، مؤكدين أن "الصورة في مصر، وقد تستمر لفترة قادمة".
وكتب الصحفي أحمد حسن بكر، يقول: الظلام يعم أرجاء المتعوسة، ظلام مصر من أهم إنجازات الزعيم الملهم (عبدالفتاح السيسي)".
وعبر السياسي فؤاد سراج الدين، عن غضبه بالقول: "يوجد في كل الدنيا أرزاق ليلية وإنتاج ليلي، الناس زعلانة وغضبانة، قرار عشوائي بالجملة والقطاعي".
أقرب لمقابر الغفير
ويصف مؤمن، وهو عامل دليفري، المدينة التي لم يراها نائمة يوما طيلة 25 عاما عاش أغلبها في حي (الساحل) الشعبي المطل على نهر النيل، بأنها "ليلة تحولت فيها القاهرة إلى ترب الغفير (مقابر تاريخية تأسست بالعصر المملوكي)، حيث لا حياة ولا صخب ولا ضوضاء ولا أضواء ولا حركة أفراد ولا سيارات ولا بيع ولا شراء ولا مقاهي ولا مطاعم وكافيهات".
يضيف مؤمن، لـ"عربي21": "هو مشهد نادر، يشبه الموت، وقطع الأرزاق، ووقف الحال"، مبينا أنه "قبل موعد الإغلاق كان الجميع يسابق الزمن لإنهاء عمله حتى لا يتعرض لغرامة أو مضايقات الإدارة المحلية".
ويبين أنه "وملايين من سكان القاهرة لا يعملون سوى ليلا"، موضحا أنه كان يرتدي خوذته ويستقل دراجته البخارية للعمل "ديلفري"، وفي بعض الأحيان يعمل بتوصيل الأفراد، بعدما عجز في الحصول على وظيفة تناسب بكالوريوس التجارة الذي حصل عليه.
قطع الأرزاق
ومن مؤمن إلى منعم، وهو ستيني في سن المعاش، ويعمل بسيارته الملاكي مع إحدى شركات النقل الذكي، يقول لـ"عربي21": "عملي الأساسي كان بالليل، وكنا نعتمد على الحركة الليلية الواسعة والآن، لا أدري هل أستطيع العمل نهارا وتحمل زحام القاهرة أم لا؟"، داعيا الحكومة إلى "البحث عن بدائل عن قطع الأرزاق"، وفق تعبيره.
ويشير إلى أن "القاهرة مدينة الليل، كل من يرتادها من عرب وأجانب ومن المحافظات لا يفوته الخروج ليلا للتنزه والتسوق مع أضوائها ومحالها ومقاهيها ومراقبة حركة الناس بالشوارع، وبوضعها الجديد أُغلقت كل الأرزاق، بداية من بائع الذرة والتين في الصيف، وحمص الشام والقهوة والشاي في الشتاء، وحتى كبرى المولات التجارية".
ليل القاهرة وتصنيف عالمي
ويأتي القرار الحكومي بإظلام جميع المحافظات المصرية وبينها القاهرة، في الوقت الذي اختارت فيه مجلة "تايم أوت" في تصنيفها الصادر الشهر الجاري العاصمة المصرية القديمة بالمرتبة الـ42 بقائمة أفضل 50 مدينة بالعالم في 2026، واضعة الحياة الليلية، بين أهم الخيارات التي تجذب السائحين.
المجلة البريطانية، قالت إنه "لا يوجد مكان يُجسد عظمة الماضي أفضل من القاهرة، عاصمة البلاد الصاخبة والساحرة في آنٍ واحد"، مشيدة بفنادقها التاريخية، لافتة إلى "تحقيقها نتائج ممتازة في مجال الحياة الليلية (بنسبة تأييد بلغت 66 بالمئة)" بين المستطلع آرائهم، مفضلة وصفها بالمدينة "النابضة بالحياة"، عن وصفها بـ"التاريخية".
أمطار وطين وظلام ورعب
ورغم أن الحكومة أبقت على محلات البقالة والسوبر ماركت، والمخابز والأفران، والصيدليات، والمطاعم والكافيتريات المرخصة سياحيا، إلا أن قطاع عريض من المصريين أعرب عن تضرره، وبينهم المرضى خاصة مع تراجع الخدمات الصحية الحكومية ونقل الكثير من المستشفيات الكبرى للقطاع الخاص، ولجوء معظم المصريين إلى عيادات الأطباء الخاصة والذين يعمل أغلبهم ليلا.
مع أول ليلة لتطبيق قرارات الحكومة المصرية بتخفيض إنارة الطرق الرئيسية والشوارع ولافتات إعلانات الطرق وغلق المحال وخفض إنارة دعاياتها عاشت المحافظات المصرية بين مدن وقرى ليلة مظلمة، وسط غضب ملايين المصريين، لتزامن القرار مع موجة أمطار واسعة، أدت لصعوبة السير والحركة.
ويلفت هاني، وهو صاحب محل ملابس، إلى "احتمال تسريح كثير من العمالة المؤقتة بالمحال والمطاعم"، مشيرا إلى زيادة "المخاوف على الأملاك والمساكن والمحال التجارية وكذلك على الأبناء والنساء من التعرض للسرقة"، موضحا لـ"عربي21"، أن امتداد حركة البيع والتجارة كانت تمثل عنصر أمان للكثيرين وحماية للأفراد، ومع غلق المحال وخفض أنوار الشوارع تزايد فرصة عمليات السرقة على الطرق خاصة مع انتشار البلطجية في كل حي وقرية وانتشار المخدرات".
مشهد له تبعاته
ووفق ما رصدته "عربي 21"، فإن "تعليمات غلق المحلات وتخفيض الإنارة بالقرى المصرية جاءت مشددة بلهجة أمنية، إذ أصدر بعض عمد ومشايخ القرى تعليمات مكتوبة عبر صفحات الانترنت الخاصة بقراهم تشدد على تنفيذ التعليمات وغلق المحال في مواعيدها الجديدة مع لهجة تهديد واضحة اضطر معها أصحاب المحلات لإعلان تأكيدهم على الالتزام بالقرار، الذي تابع تنفيذه مشايخ القرى ومشايخ الخفر والخفراء، بأنفسهم، رغم ما بالشوارع من كميات هائلة من الطين بفعل أمطار تشهدها البلاد منذ الأربعاء الماضي".
أحد شباب إحدى القرى المصرية التي أشرف فيها أفراد تابعون لوزارة الداخلية (مشايخ البلد والخفراء) على تنفيذ الإغلاق وصف هذا المشهد بـ"المؤسف"، متوقعا أن يكون "له ما بعده من تبعات"، موضحا أن "تلك العناصر سوف تعتاد لاحقا مضايقة أصحاب المحال والعمال للحصول على مبالغ مالية كإتاوة أو رشوة، كما أنها ترسخ سطوة الأمن في القرى على الأهالي".
والأسبوع الماضي قررت الحكومة غلق المحال، والمراكز التجارية، والمطاعم، والمقاهي التاسعة مساء، والعاشرة مساء الخميس والجمعة، وإطفاء اللوحات الإعلانية على الطرق، وتخفيض إنارة الشوارع، وإغلاق المباني الحكومية بالعاصمة الإدارية الجديدة السادسة مساء.
والجمعة الماضية، رفعت أسعار تذاكر السكك الحديدية وبعض تذاكر مترو أنفاق القاهرة، بنسبة بين 12.5 و20 و25 بالمئة، وذلك بعد رفعها أسعار الوقود بنسب بين 14 و30 بالمئة 10 آذار/مارس الجاري، في وقت سجلت فيه أسعار البترول العالمية السبت، نحو 112 دولارًا للبرميل.
وفي تبريره لتلك القرارات توقع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أن تبلغ فاتورة استيراد الطاقة في مصر 2.5 مليار دولار الشهر الجاري، صعودا من 1.5 مليار دولار في شباط/فبراير، و1.2 مليار دولار في كانون الثاني/يناير الماضي، معلنا أنه "لا سبيل أمامنا سوى خفض هذه الفاتورة عبر ترشيد الاستهلاك، وهي مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الحكومة والمواطن".
وبينما توفر الزيادة الأخيرة في أسعار الوقود (البنزين والسولار) نحو 38 مليار جنيه من أعباء دعم المواد البترولية خلال 4 أشهر فقط، تسعى الحكومة لتحصيل 3 مليارات جنيه إضافية بموازنة (2026/2027)، من رفع أسعار تذاكر مترو الأنفاق والقطارات، ما يرى فيه محللون "ممارسة ضغوط شديدة على المصريين ومحاولة من الحكومة للتكسب من وراء الأزمة".
ثمن باهظ للتوفير
وحول رؤيته، لقرارات ترشيد إنارة الشوارع وغلق المحلات وحجم ما تعود به على تقليل فاتورة الطاقة، وما يقابل ذلك وفق البعض من خسائر غلق المحلات، تحدث السياسي المصري مجدي حمدان موسى، عارضا قراءته الاقتصادية، طارحا بعض الحلول التي رأى أنها كانت أفضل لكل من الحكومة والمواطن.
وقال القيادي في حزب "المحافظين"، لـ"عربي21": "لاشك أن ترشيد استهلاك الكهرباء ينعكس بشكل مباشر على تقليل فاتورة الطاقة، خاصة في ظل الضغوط العالمية وارتفاع تكاليف الإنتاج والاستيراد؛ إلا أن السؤال الأهم ليس فقط كم نوفر؟، وما الثمن الذي ندفعه مقابل هذا التوفير؟".
وأوضح أن "تقليص ساعات عمل المحلات التجارية يهدد بتراجع حركة البيع والشراء، خصوصا في اقتصاد يعتمد بشكل كبير على النشاط المسائي، ما قد يؤدي إلى، انخفاض إيرادات صغار التجار، وتراجع فرص العمل المؤقتة، وتباطؤ الدورة الاقتصادية في الشارع المصري".
ويرى أن "الخسائر غير المباشرة قد تتجاوز -في بعض الحالات- حجم الوفر المحقق في استهلاك الطاقة، إذا لم يتم تطبيق هذه القرارات بمرونة ووعي بطبيعة السوق المحلي".
ماذا عن البديل؟
وقال إن "رؤيتنا الاقتصادية تؤكد أن هناك بدائل أكثر كفاءة واستدامة، منها: التحول إلى الإضاءة الموفرة (LED) في الشوارع والمنشآت، وهو حل يحقق وفراً دائماً دون التأثير على النشاط الاقتصادي".
وأضاف: "وإعادة هيكلة تسعير الكهرباء بشكل تدريجي وعادل، لتشجيع الاستهلاك الرشيد دون فرض قيود مباشرة"، إلى جانب "دعم التحول للطاقة الشمسية للمحال والمصانع الصغيرة عبر تسهيلات تمويلية، مما يخفف الضغط على الشبكة".
وتحدث موسى، كذلك عن بيل هام وهو "تطبيق ترشيد ذكي يعتمد على المناطق (وليس قراراً موحداً)، بحيث تختلف المواعيد حسب طبيعة كل منطقة ونشاطها"، مشددا على ضرورة "مكافحة الهدر والبذخ الحكومي في استهلاك الطاقة داخل المؤسسات الرسمية وكذلك المحروقات، باعتباره أولوية لا تقل أهمية عن استهلاك المواطنين".
وختم مؤكدا أن "إدارة الأزمات الاقتصادية لا يجب أن تتم على حساب المواطن أو النشاط التجاري، بل من خلال سياسات مبتكرة تحقق التوازن بين الترشيد والنمو"، مبينا أن "المطلوب ليس فقط خفض الاستهلاك، بل بناء نموذج اقتصادي أكثر كفاءة وعدالة واستدامة".
فرصة للانضباط
وعلى الجانب الآخر، وفي قراءته للمشهد المصري في ظل تلك القرارات، قال المحلل الاقتصادي محمد النجار: "أنا مع قرارات غلق المحال في التاسعة مساء تماما، وأطالب بتنفيذه من قبل عام ٢٠١١"، مؤكدا لـ"عربي21"، أنه "يجب أن يسود الانضباط والبعد عن العشوائية واحترام ثقافة العمل والالتزام".
وعن حجم ما قد يعود حجم ما يعود على الموازنة العامة من وفورات مالية مع تطبيق القرار، أعرب عن أسفه حول عدم إمكانية تحديد رقم بعينه، مستدركا: "ولكن مع أزمة الطاقة العالمية أي وفر هو ضرورة"، مشيرا إلى أن "الأهم من الوفر هو تحقيق الانضباط مثل سائر دول العالم التي تحترم قيم العمل".
وكان النجار قد تحدث عن ما أسماه "الصورة السوداوية التي رسمتها تصريحات رئيس الوزراء"، مشيرا إلى أن "الاقتصاد المصري رغم ضخامته هش ومحدود الإنتاجية ويعاني من كوارث ممكن حل بعضها بوجود خطط واضحة ومرسومة وتنفيذ ومتابعة حديدية بدون أي تفريط".
وأكد عبر صفحته بـ"فيسبوك"، أن "هذه الأزمات ومسببات الهشاشة هي: نقص الطاقة الأحفورية من غاز وبترول، ونقص في المياه للزراعة، ومحدودية الإنتاج الصناعي الذي حولنا لدولة مستوردة لكل شيء مما أدي لعجز مذري في الميزان التجاري".
وتابع: "والاعتماد علي مدخلات للنقد الأجنبي غير أمنة وعرضه للتقلب المستمر مثل السياحة وتحويلات العاملين في الخارج وقناة السويس واستثمارات الأجانب بأدوات الدين الحكومية، ما أدى لارتفاع سعر الدولار ليتجاوز ٥٣ جنيها، إلى جانب التركيز الحكومي على قطاع غير منتج وهو القطاع العقاري".