
هيمن ملف إيران والتهديد الأميركي بقصف هذا البلد على نصف مقابلة التلفزيون العربي مع المدير العام لـ"المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" عزمي بشارة مساء الخميس من مدينة لوسيل في قطر، وفيها رأى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يريد تغيير النظام الإيراني بل تركيعه وإرغامه على تقديم تنازلات جذرية.
مقابلة أشار فيها بشارة إلى أن ترامب مصرّ على إنهاء المهمة التي بدأها في حرب الصيف على إيران، محذّراً من أنه لا مصلحة للعرب في حرب إيرانية ولا تقسيم ولا فوضى هناك. وفي ما يتعلق بلجنة إدارة غزة حديثة الولادة، لفت بشارة إلى أن إمكانية نجاحها مرتبطة بالسلوك الإسرائيلي، مستبعداً حصول تغيير في سياسة دولة الاحتلال، واصفاً ما يحصل في غزة بأنه استمرار للحرب بوتيرة منخفضة مقابل ضم زاحف في الضفة الغربية.
وفي ما يتعلق بأي انتخابات إسرائيلية مقبلة قد تكون مبكرة، جزم بشارة أن رفع نسبة تصويت العرب في إسرائيل شرط رئيسي لهزيمة بنيامين نتنياهو واليمين المتطرف. أما دولياً، فإنّ النظام العالمي الجديد يقوم، بحسب تعبير المفكر العربي، على انقسام بين أقوياء وضعفاء، وبين قوى محافظة وأخرى ليبرالية، وعلى قناعة ترامب وفريقه بأن حلف شمال الأطلسي أصبح عبئاً على أميركا، ملاحظاً أن كل خطوات ترامب بشأن غرينلاند تتصل بفك الشراكة مع أوروبا.
ضرب إيران... إرجاء تقني أو فسحة حوار
وبدا بشارة غير واثق من أسباب تأجيل أميركا قصف إيران، الذي كشف أنه كان متوقعاً حصوله ليلة الأربعاء ــ الخميس، لافتاً إلى أنه إذا كان السبب رغبة بفتح باب للحوار، فهذا يكون جيداً، أما إذا كان السبب تقنياً عسكرياً لإنجاز التحضيرات، فهذا يكون مجرد إرجاء. ورداً على سؤال عن أهداف ترامب من قصف محتمل لإيران، لاحظ بشارة أن الرئيس الأميركي الحالي "نهجه مثابر وغير متقلب والأمور تسير عنده في خط واضح: سياسات القوة بغلاف تلفزيون الواقع"، على حد وصفه، ويشرح بأنه لا يريد تغيير النظام "وهو يعتقد أنه سيركّع القيادة الإيرانية لسياساته ومصالحه آملاً أن تنهار معنويات السلطة سريعاً على وقع الضربات وأن تأتي إلى التفاوض وأن تقبل بشروط واشنطن". وأبرز هذه الشروط، بحسب ضيف التلفزيون العربي، "ألا يكون (النظام الإيراني) معادياً لأميركا في كل شيء ولا معادياً لحلفاء أميركا"، في إشارة إلى إسرائيل خصوصاً. كما أورد المصالح الاقتصادية في قائمة الأهداف الأميركية، جازماً أن "إدارة ترامب ليست إدارة تغيير أنظمة وبناء دول بل إدارة علاقات قوة ومصالح".
في هذا السياق، ذكّر بأن إسرائيل كانت السبب الرئيسي في تصعيد الأزمة بين أميركا وإيران في فترات حكم الإصلاحيين، مع أنه بموجب التفكير الأميركي الإمبريالي حتى قبل وصول ترامب إلى الرئاسة في ولايته الأولى، فإنّ الإصلاحيين الإيرانيين يصلحون للحوار، وهذا ما لا يسري على التفكير الإسرائيلي. وعن هذا الموضوع، استغرب المدير العام لـ"المركز العربي" كيف أن "أميركا تصعّد ضد إصلاحيين يفترض أن تفاوضهم"، وفسّر ذلك بأن ترامب، بعد نشوته في فنزويلا، يريد "إنهاء المهمة التي بدأها في حرب الصيف على إيران" بما أن الضربة لم تكن قاضية بالنسبة إلى طهران في حينها.
وشدد بشارة على أن ترامب يعتقد أن المرشد الأعلى علي خامنئي يجب أن تضعف مكانته داخل النظام، مشيراً إلى احتمال ظهور أوساط في النظام تقبل أن تفاوض حول قضايا مؤقتة مع أميركا إلى حين رحيل ترامب أو استعادة النظام قوته. لكن بشارة بدا واثقاً من صعوبة إصلاح الوضع الاقتصادي في إيران والتجاوب مع مطالب الشعب من دون رفع الحصار، لافتاً إلى أن تحسين الوضع الاقتصادي مهم لجميع الأطراف الإيرانية ولكن خصوصاً للإصلاحيين الذي يعتقدون أن المحافظين يحولون دون نجاحهم لأن الحصار سيستمر بسببهم.
يعرب بشارة عن قناعته بأن الصراع الداخلي في إيران على رفع الحصار يتماهى مع معركة داخلية على من سيخلف خامنئي، في ظل سعي الإصلاحيين إلى أن يكون خليفة المرشد من صفوفهم. ووفق متابعته، يذكّر بشارة بأن إيران تعيش "حالة ثورية" احتجاجية اعتراضية لم تتوقف منذ 2009، ذلك أن هناك فئة لم تعد تقبل الطابع الشمولي للسلطة في إيران، قائلاً إن هامش حرية التعبير في إيران "أكبر بكثير من دول سلطوية كثيرة" مثل الصين ومثل دول عربية عديدة "لكن هذا لا يكفي لأن طبيعة المجتمع تغيرت ولم يعد يحتمل ما احتمله قبل 30 عاماً".
برأي بشارة، فإن المواضيع الإقليمية والجيو-استراتيجية والتدخلات الخارجية جزء أساسي من مشهد الاحتجاجات، "والعمل الأكبر هو من إسرائيل، مثلما كان حجم الاختراقات الإسرائيلية كبيراً جداً في حرب الأيام الـ12" في يونيو/حزيران الماضي، وأعاد إلى الأذهان في هذا الإطار حقيقة أن الموضوع النووي حالياً خارج النقاش، وسيحاول الأميركيون نيل أكبر التنازلات من إيران في قضايا الصواريخ بعيدة المدى ونفوذ إيران الإقليمي.
وفي حين اعتبر أن العرب رغم كل انقساماتهم ليست لديهم مصلحة في حرب إيرانية أو تقسيم وفوضى "لأننا رأينا نتائج ذلك في العراق"، فإنه كشف عن وجود خشية في دول الخليج من مضاعفات أي تغيير يحصل عبر التدخل من الخارج "لذلك هناك حذر مما يمكن أن يطرأ في حال حصل انهيار". ورغم إقراره بأن إيران دولة عريقة ومتعددة الأعراق تاريخياً وأنه لا خطر على انهيارها، لكن "حتى بلد مثل روسيا دخل فوضى دامت عشر سنوات بعد سقوط الاتحاد السوفييتي"، وفق ضيف التلفزيون العربي. واغتنم بشارة المناسبة للإشارة إلى أنه عندما يخرج بمقابلات صحافية فإنه لا يعبّر بأي حال عن موقف دولة قطر التي يقيم فيها، بل عن رأيه الشخصي حصراً.
ولايات متحدة يمنية
وعما إذا كان يرى تأثيراً محتملاً للحدث الإيراني على اليمن، ردّ بشارة بالإيجاب "فقط إذا كانت الأطراف الأخرى (المعادية للحوثيين) متنبهة إلى ضرورة عدم استغلال الوضع لتصفية الحسابات وإلى عدم إثارة الموضوع الطائفي وطلب التدخل الخارجي، لأنه حينها تدخل عناصر الخوف الوجودي، والنظرة الواقعية تنص على أنه في ظل ضعف إيران، يجب التفاهم لمصلحة البلدان المعنية، مثل لبنان واليمن"، وكرر ما قاله في حواره على القناة نفسها يوم الخميس الماضي عن أن "الحوثيين جزء من اليمن ولكنهم لا يقدرون على حكم البلد وحدهم". وطرح بشارة في هذا السياق إمكانية أن تكون هناك "ولايات متحدة يمنية" بدرجة معينة من اللامركزية مثلما هو حال السودان وليبيا حيث تستحيل العودة إلى صيغة سياسية مركزية.
وذكّر بأن دوراللجنة مؤقت وانتقالي لمعالجة قضايا الناس وأحوالهم المرعبة وبلوغ مرحلة تكون فيها الحياة في غزة ممكنة، مقترحاً أن يعتمد أعضاؤها لتسهيل عملهم على القوة الإدارية القائمة، من إدارات مدنية تعنى بالصحة والتعليم والتخطيط والشرطة وبقية القطاعات الحياتية. لكن بشارة استبعد أن تغيّر إسرائيل سياستها في غزة.
أما في ما يتعلق بلبنان، فإن بشارة فسّر التوسع الإسرائيلي في القصف بحقيقة أن دولة الاحتلال لا ترى ردات فعل على انتهاكاتها، وعاد بالزمن إلى الخلف ليذكّر كيف أنه حتى السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، كان مطلب إسرائيل محصوراً بنزع سلاح حزب الله حتى جنوب الليطاني، ولكنها أمام نجاحاتها الحربية وغياب أي رد حقيقي على عدوانها، فإنها باتت تطمع بأهداف أبعد، وربما تريد إسرائيل أن تشتبك الدولة اللبنانية مع حزب الله.