
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اعتقال نظيره الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته في عملية عسكرية خاطفة، ونقلهما جوّا خارج البلاد.
وبحسب وسائل إعلام أمريكية، فإن قوات "دلتا" الخاصة، هي من نفذت العملية في العاصمة كاراكاس.
وتتمتع الوحدة بحرية مطلقة في اختيار وتعديل أسلحتها، حيث تستخدم معدات تقنية ورادارات اختراق للجدران وطائرات مسيرة انتحارية مصغرة، وهي تقنيات يُعتقد أنها استُخدمت فجر اليوم لتعطيل أنظمة الحماية في مقر إقامة مادورو.
وتستعرض "عربي21" في هذا التقرير، نبذة عن هذه القوات، وأبرز عملياتها:
قوات سرية نخبوية
تُعد قوات دلتا الأمريكية، المعروفة رسميًا باسم المفرزة العملياتية الأولى للقوات الخاصة، واحدة من وحدات المهام الخاصة الأكثر سرية ونخبوية في الجيش الأمريكي.
وتُصنف هذه القوة ضمن وحدات "المستوى الأول" إلى جانب نظيرتها البحرية، مجموعة تطوير الحرب الخاصة التابعة للبحرية (DEVGRU أو SEAL Team Six)، وتخضع للقيادة العملياتية لقيادة العمليات الخاصة المشتركة.
تأسست القوة نهاية سبعينات القرن الماضي، لتكون الذراع الضاربة للولايات المتحدة في مواجهة التهديدات غير التقليدية، وتتميز بقدرتها على تنفيذ مهام معقدة وحساسة تتطلب أعلى مستويات المهارة والتخطيط والسرية.
تُعرف القوة بعدة أسماء مستعارة داخل المجتمع العسكري، أبرزها مجموعة التطبيقات القتالية (Combat Applications Group - CAG) و فرقة العمل الخضراء (Task Force Green)، بالإضافة إلى الاسم الشائع "الوحدة" (The Unit).
من "القبعات الخضر" إلى "الساس"
تعود فكرة تأسيس قوات دلتا إلى منتصف السبعينيات، وتحديداً إلى العقيد تشارلز بيكويث، وهو ضابط سابق في القوات الخاصة (القبعات الخضر) خدم كضابط تبادل مع الخدمة الجوية الخاصة البريطانية (SAS) في فوجها الثاني والعشرين.
تأثر بيكويث عميقاً بفعالية ومرونة وحدة SAS البريطانية في مكافحة الإرهاب والعمل المباشر، وأدرك أن الجيش الأمريكي يفتقر إلى وحدة مماثلة متخصصة في هذه المهام.
بعد عودته، قدم بيكويث تقريراً مفصلاً إلى القيادة العسكرية، مشدداً على ضرورة إنشاء وحدة قادرة على "القيام بالفعل" بدلاً من مجرد "التدريب" على العمليات غير التقليدية. ومع تزايد التهديدات الإرهابية العالمية في السبعينيات، وافقت وزارة الدفاع على مقترحه.
وتأسست قوات دلتا رسمياً في 19 تشرين ثاني/ نوفمبر 1977، وبدأ بيكويث عملية بناء الوحدة، مقدراً أن الأمر سيستغرق 24 شهراً لتكون جاهزة بالكامل للعمليات. وقد استلهم بيكويث الكثير من منهجيات الاختيار والتدريب من نموذج SAS، مع تكييفها لتناسب البيئة العسكرية الأمريكية.
التبعية والهيكل
تتبع قوات دلتا إلى قيادة العمليات الخاصة المشتركة (JSOC)، ومقرها الرئيسي في فورت براغ بولاية كارولاينا الشمالية. يتميز هيكلها التنظيمي بالمرونة والسرية، وهي مقسمة إلى عدة أسراب متخصصة:
الأسراب الهجومية" تتكون من فرق هجومية متخصصة في مكافحة الإرهاب، إنقاذ الرهائن، والعمل المباشر.
سرب الطيران: يوفر الدعم الجوي السري للوحدة، ويُعتقد أنه يعمل بالتعاون الوثيق مع فوج الطيران العمليات الخاصة 160.
سرب الدعم العملياتي: متخصص في الاستطلاع السري، التجسس، وجمع المعلومات الاستخباراتية لدعم العمليات.
سرب الدعم القتالي: يشمل الدعم اللوجستي والإداري، ويضم خبراء المتفجرات، الاتصالات، الأطباء، والموظفين الإداريين.
اختبار التحمل العقلي والجسدي
تُعد عملية اختيار وتدريب المشغلين في قوات دلتا من بين الأكثر صرامة في العالم. يتم اختيار المرشحين من وحدات الجيش الأمريكي الأخرى، وخاصة من فوج الرينجرز 75 و القوات الخاصة (القبعات الخضر)، على الرغم من أن الاختيار مفتوح لجميع فروع الجيش.
ومن بين الاختبارات، اختبار اللياقة البدنية الذي يشمل سباحة، جري، وضغط، لكنه ليس الجزء الأصعب، إذ أن "المسيرة الطويلة" هو الاختبار الأسطوري الذي يمثل ذروة مرحلة الاختيار.
ويتطلب من المرشحين إكمال مسيرة ملاحة برية لمسافة تصل إلى 40 ميلاً (حوالي 64 كم) في تضاريس جبلية وعرة بولاية فيرجينيا الغربية، وهم يحملون حقائب ثقيلة، وفي فترة زمنية محدودة.
يهدف هذا الاختبار إلى تقييم التحمل الجسدي والعقلي والقدرة على اتخاذ القرارات تحت الضغط والإرهاق الشديدين.
بعد الانتهاء من المسيرة، يخضع المرشحون الناجحون لجلسات تقييم نفسي مكثفة من قبل قادة الوحدة، بمن فيهم قائد دلتا، لتحديد مدى ملاءمتهم للعمليات السرية عالية المخاطر.
دورة تدريب المشغلين
تستمر الدورة حوالي ستة أشهر، وهي مصممة لصقل مهارات المشغلين في مجموعة واسعة من التخصصات.
المهارات الأساسية: الرماية الدقيقة، القتال القريب (CQB)، المتفجرات المتقدمة، القيادة التكتيكية، والقفز المظلي.
المهارات المتقدمة: التجسس وجمع المعلومات، حماية الشخصيات الهامة ، والعمليات السرية في البيئات الحضرية.
أبرز العمليات
على الرغم من السرية شبه المطلقة التي تحيط بعملياتها، فقد تم الكشف عن مشاركة قوات دلتا في عدد من الأحداث التاريخية الهامة:
عملية مخلب النسر (كارثة الصحراء) 1980/ إيران
فشلت القوات في إيران بإنقاذ الرهائن الأمريكيين في طهران، وأدت إلى وإعادة هيكلة شاملة للقوات الخاصة الأمريكية.
تُعتبر هذه العملية الفشل الذريع في تاريخ "دلتا"، إذ كانت المهمة تهدف لتحرير الرهائن الأمريكيين في طهران، لكنها انتهت قبل أن تبدأ فعلياً في صحراء طبس.
وأدت العواصف الرملية والأعطال الفنية في المروحيات، إلى جانب سوء التنسيق بين فروع الجيش المختلفة، إلى تصادم مأساوي بين مروحية وطائرة إمداد، مما أسفر عن مقتل 8 جنود وتدمير طائرات أمريكية تركت خلفها جثثاً محترقة في قلب الصحراء الإيرانية.
عملية غضب الطاغية 1983/ غرينادا
مثّلت هذه العملية أول اختبار حقيقي واسع النطاق لقوات "دلتا" في منطقة الكاريبي بعد تأسيسها.
تولت الوحدة مهمة اقتحام سجن "ريتشموند هيل" الحصين لإنقاذ السجناء السياسيين، في ظل ظروف جغرافية بالغة الصعوبة ونيران دفاعية كثيفة.
ورغم البروباغندا الأمريكية حول "تحرير" الجزيرة، كشفت العملية عن فجوات استخباراتية محرجة لقوات "دلتا" التي تكبدت خسائر فادحة بعدما واجهت مقاومة لم تكن تتوقعها.
عملية حمض غامبيت 1989/ بنما
نفذت الوحدة إنزالاً جوياً خاطفاً فوق سطح سجن "كارسل موديلو" شديد الحراسة لتحرير المواطن الأمريكي "كورت موس".
استغرقت العملية 6 دقائق فقط تحت نيران كثيفة، وتمكنت القوة من انتشال "موس" ونقله بمروحية تعرضت للإصابة وسقطت لاحقاً، لكنها نجحت في الحفاظ على حياة الرهينة وجميع أفراد القوة. مهدت هذه العملية لغزو بنما واعتقال رئيسها مانويل نورييغا، واعتبرت "رد اعتبار" لقوات دلتا بعد عقد من الفشل في طهران.
عملية ثعبان القوطي 1993/ الصومال
تُعد هذه العملية الانكسار الأبرز في تاريخ "دلتا" الحديث؛ حيث تحولت مهمة اعتقال مساعدي الجنرال الصومالي محمد فحر عيديد التي كان مفترضاً أن تستغرق ساعة واحدة إلى فخ مميت استمر يوماً كاملاً.
وانتهت العملية بمقتل 18 جندياً أمريكياً وسحل جثثهم في الشوارع، مما أجبر إدارة الرئيس الأسبق بيل كلينتون على "الانسحاب المذل" من الصومال لاحقاً.
عملية الفجر الأحمر 2003/ العراق
لعبت دوراً حاسماً في تحديد مكان واعتقال الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وكانت القوة التي نفذت العملية بشكل مباشر، فيما تولت الفرقة الرابعة مشاة تأمين المحيط الخارجي.
عملية نبتون سبير / 2011 باكستان
يُعتقد أن عناصر من دلتا شاركت في الدعم اللوجستي والاستخباراتي للعملية التي نفذتها فريق "سيل" السادس من البحرية الأمريكية وأدت إلى مقتل زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن.
عملية كايلا مولر / 2019 سوريا
شاركت الوحدة بشكل مباشر في العملية التي أدت إلى مقتل زعيم تنظيم الدولة السابق أبو بكر البغدادي في ريف إدلب.