Akhbar Alsabah اخبار الصباح

حركة مودي القومية تضطهد المسلمين

حركة مودي القومية منذ تسلّم ناريندرا مودي رئاسة الوزراء في الهند، راح يُسجَّل تراجع في التعددية والعلمانية بالبلاد. فهو يمثّل الحركة الهندوسية القومية المتشدّدة، ويمضي في اضطهاد المسلمين بشكل أو بآخر قبل أن يلتفّ على ما اقترفه بتبريرات واهية.

في محاولة لامتصاص الغضب الذي خلّفه تصريحان أخيران لمسؤولَين هنديَّين من حزب رئيس الحكومة ناريندا مودي "بهاراتيا جاناتا" عُدّا مسيئَين للإسلام والمسلمين، أعلن الحزب الحاكم في الهند تعليق عمل المتحدّثة باسمه نوبور شارما وطرد المسؤول عن وحدة الحزب الإعلامية نافين كومار جيندال. وكان التصريحان قد أثارا استنكاراً عالمياً وإدانات بالجملة، إلى جانب المشاعر السلبية وسط المسلمين في البلاد.

ويأتي ذلك في سياق سلسلة من الأحداث والمواقف التي تُعَدّ معادية للإسلام والمسلمين، وهم أقليّة في الهند يُقدَّر عددهم بنحو 200 مليون نسمة ويمثّلون نسبة 14 في المائة من سكان البلاد البالغ عددهم نحو 1.4 مليار نسمة. يُذكر أنّ مسلمي الهند لا يتردّدون بالإفصاح عن شعورهم بأنّهم "مواطنون بدرجة ثانية".

وفي بيان أصدره الحزب الحاكم، أعلن أنّه "يدين بشدّة أيّ إهانة تستهدف أيّ شخصية دينية"، وأنّه "يعارض بشدّة أيّ أيديولوجية تهين أو تحطّ من قدر أيّ طائفة أو دين"، مشدّداً على أنّ "دستور الهند يعطي كلّ مواطن الحقّ في ممارسة أيّ دين يختاره وتكريمه واحترامه". من جهتها، أفادت وزارة الخارجية الهندية في بيان بأنّ أيّ تصريح مسيء لا يعكس بأيّ حال وجهة نظر الحكومة.

لكنّ ذلك يبدو كمراوغة لتهدئة الأجواء، بحسب ما يرى أهل البلاد المسلمون، وكذلك مراقبون يدركون جيّداً أنّ نهج مودي وحزبه الهندوسي القومي "معادٍ للمسلمين"، وذلك منذ ما قبل تسلّمه رئاسة حكومة الهند في عام 2014. فعندما كان رئيس وزراء ولاية غوجارات شمال غربي البلاد، ما بين عامَي 2001 و2014، اتُّهم بالتواطؤ في أعمال العنف الطائفي التي وقعت في عام 2002، وعُدّت من بين الأسوأ. يُذكر أنّ فريق تحقيق متخصّصاً تابعاً للمحكمة العليا الهندية برّأ مودي من تلك التهمة في عام 2012.

خوف من حرب أهلية

ومعاداة المسلمين في الهند تظهر من خلال قوانين سُنّت أو عُدّلت في عهد مودي، بالإضافة إلى مواقف وأحداث واستفزازات طائفية كانت كفيلة في كلّ مرّة بإشعال احتجاجات سرعان ما تتحوّل إلى اشتباكات دامية معظم الأحيان. إذاً تتكرّر حوادث العنف الطائفي في الهند، تغذّيها سياسات الحزب الحاكم. ومنذ انتخاب مودي رئيساً للوزراء، يُحكى عن تزايد في "جرأة" المجموعات التي تنظر إلى الهند كدولة هندوسية، وإلى المسلمين كغرباء يشكّلون خطراً. ويُسجَّل خوف من حرب أهلية، مع تصاعد وتيرة الاشتباكات الطائفية في الأعوام الأخيرة بالبلاد التي تصوّرها واضعو الدستور بعد الاستقلال (1947) دولة علمانية، مواطنوها جميعهم متساوون أمام القانون.

في سياق متصل، تعليقاً على منع مسلمين من الهنود من أداء الصلاة خارج مساجد مدينة غورغاون التابعة لولاية هاريانا شمالي البلاد، مع عدم توافر عدد يكفي منها، في ديسمبر/ كانون الأول 2021، قال المحلل السياسي أراتي غيراث لوكالة فرانس برس إنّ "ثمّة رغبة في تحويل الهند التعددية والعلمانية إلى دولة هندوسية (...) بدعم ضمني من الحكومة". أضاف: "سواء أكانت مساحات اقتصادية أم أماكن للعبادة أم الطعام أم العادات أم أيّ شيء له هوية إسلامية، سوف يكون ذلك جزءاً من المشروع (الإقصائي)".

وكان رئيس وزراء ولاية هاريانا، وهو عضو في حزب "بهاراتيا جاناتا" الذي يقوده مودي، قد صرّح بأنّه "لن نتسامح بعد الآن" مع أداء الصلوات في خارج مساجد المدينة. لكنّ مجموعات هندوسية نظّمت، في المقابل، احتفالاً دينياً في الهواء الطلق من دون أيّ اعتراض من قبل السلطات.

مساجد مستهدفة

إلى جانب ذلك، يُسجَّل استهداف للمساجد في الهند، وقد أُلقي الضوء عليه في مايو/ أيار الماضي. ففيما يطالب الهندوس بحقّ الصلاة في نطاق تاج محلّ في أغرا بولاية أوتار براديش شمالي البلاد، بحجّة أنّه بُني في موقع حرم قديم مخصّص للإله شيفا، وافقت محكمة هندية على النظر في أحد الطلبات العديدة لتدمير مسجد شاهي إدجاه في ماتورا بالولاية نفسها، إذ في جواره معبد، وهو يقع في مسقط رأس الإله كريشنا، وفق المعتقدات الهندوسية.

كذلك راح أنصار "هندوتفا" (التفوّق الهندوسي) يركّزون على مسجد جيانفابي الذي أنشئ في القرن السابع عشر بمدينة فاراناسي القديمة في أوتار براديش كذلك، إذ إنّ حفريات بأمر محكمة في موقع المسجد كشفت عن "شيفا لينغا"، وهو تمثال يُعَدّ "رمزاً" للإله شيفا. وبالتالي، صرّح الوزير كوشال كيشور من حزب "بهاراتيا جاناتا" بأنّ "ذلك يعني أنّه موقع معبد"، ولا بدّ من أن تُتاح للهندوس الصلاة فيه. وقد مُنع المسلمون مذّاك الحين من ممارسة طقوس الوضوء المعتادة في المكان الذي عُثر فيه على التمثال الهندوسي.

ويخشى المسلمون من أن يشهد هذا المسجد ما آل إليه مسجد بابري في مدينة أيوديا الذي شُيّد في القرن السادس عشر. فبعد تدمير هذا المسجد في عام 1992، اندلعت أعمال عنف طائفية تُعَدّ من بين الأسوأ في تاريخ الهند منذ استقلالها، قضى في خلالها أكثر من ألفَي شخص، معظمهم من المسلمين. وهزّت تلك الأحداث الأسس العلمانية للبلاد وفرضت القومية الهندوسية قوّة سياسية مهيمنة، الأمر الذي مهّد لانتخاب مودي في عام 2014 لقيادة الهند. يُذكر أنّه في عام 2020 وضع مودي الحجر الأساس لبناء معبد مخصّص للإله راما في موقع المسجد نفسه.

الحجاب محظور

وفي مارس/ آذار الماضي، ارتأت المحكمة العليا في ولاية كرناتاكا جنوب غربي الهند أنّ "الحجاب ليس من أساسيات الإسلام"، مؤيّدة حظره في أماكن الدراسة الذي فرضته مؤسسات تعليمية رسمية عديدة بالولاية في فبراير/ شباط الذي سبقه. وقد أوضح كبير قضاة المحكمة ريتو راج أواستي أنّ "الحكومة تملك السلطة في تحديد الزيّ الرسمي في المدارس". وأتى ذلك الحكم الذي عُدّ "سابقة"، بعد سلسلة من الخلافات حول قضية الحجاب استمرّت لأشهر عدّة. يُذكر أنّ الحظر الأوّلي الذي فُرض بدعم من المتطرّفين الهندوس أثار احتجاجات في مناطق مختلفة من البلاد، ومنها العاصمة نيودلهي، وسط انتقادات دولية لما يتعرّض له المسلمون من تضييق.

كذلك سُجّل في فبراير نفسه نزاع حول الحجاب في ولاية أوتار براديش التي تُعَدّ واحدة من أكثر الولايات الهندية اكتظاظاً بالسكان. ومُنع الحجاب في القاعات الدراسية في الكلية الجامعية دهارما ساماج، مع السماح به في بقيّة أنحاء الحرم الجامعي. وبرّر عميد الكلية موكيش بهارادواج الأمر حينها بـ"القانون المدني" المعتمد الذي يمنع أيّ زيّ ديني والذي يجب على الجميع التزامه.

المواطنة ليست حقاً للمسلمين

بعيداً عن شؤون التعبّد والمظاهر الدينية، عُدّل في ديسمبر/ كانون الأول من عام 2019، قانون المواطنة لعام 1955 ليُسمح لملايين المهاجرين غير المسلمين الذين ينتمون إلى ستّ مجموعات دينية تُعَدّ أقليات في أفغانستان وباكستان وبنغلادش بالحصول على الجنسية الهندية. والمجموعات التي استفادت من حقّ الجنسية هي هندوسية وبوذية وزرادشتية ويانية ومسيحية ومن السيخ، الأمر الذي وفّر بالتالي "ملاذاً للفارّين من الاضطهاد الديني" في الدول الثلاث المذكورة، بحسب الحكومة الهندية. لكنّ القانون استثنى المسلمين من هذا الملاذ الموفّر لغيرهم، علماً أنّ من بينهم من هم عرضة للاضطهاد كذلك في تلك الدول وفي غيرها.

يُذكر أنّ القانون الهندي بصيغته الأصلية، الصادر قبل 67 عاماً، يعرّف المهاجرين غير النظاميين بأنّهم أجانب دخلوا إلى البلاد من دون جواز سفر صالح أو وثائق سفر، أو أنّهم بقوا في الهند بعد انتهاء مدّة إقامتهم المسموح بها. وبالتالي كان يحظر منحهم الجنسية ويجيز ترحيلهم أو سجنهم. وقد نشط مودي وحزبه في الترويج كثيراً لتعديل قانون المواطنة، مشدّدَين على دافع "اضطهاد الأقليات" في دول الجوار، ومشيرَين في الوقت عينه إلى أنّه لم يشمل المسلمين، لا لتحيّز ديني، بل لأنّهم "ليسوا أقليات، وبالتالي ليسوا في حاجة إلى حماية الهند". وعلى أثر إقرار التعديل، قامت احتجاجات غاضبة وكذلك أعمال عنف في أنحاء مختلفة من البلاد، الأمر الذي خلّف قتلى وجرحى إلى جانب اعتقال آخرين.

وفي هذا الإطار، عبّرت الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية ودولية غير حكومية عن مخاوف من أن يكون هدف التعديل تحويل البلاد عن اتّجاهها العلماني والديمقراطي، من قبل مودي وحكومته وحزبه الهندوسي القومي. وعلى سبيل المثال، يفرض قانون المواطنة المعدّل عملياً على سكان ولاية آسام شمال شرقي البلاد إثبات أنّ آباءهم عاشوا في الهند ما قبل عام 1971، وهو ما يعني أنّ نحو مليونَين من هؤلاء قد يتحوّلون إلى "عديمي الجنسية"، بسبب عدم قدرتهم على تقديم أوراق ثبوتية تتعلق بالشروط المطلوبة منهم، نظراً إلى تعقيدات تقسيم الهند وحدودها مع الجارة بنغلادش. وهكذا فإنّ الذين سيتحوّلون إلى "عديمي الجنسية" سيُعَدّون "مقيمين غير شرعيين، وسيُزجّ بهم في سجون كبيرة"، بحسب ما يرى المحلل السياسي الهندي يوشيندرا ياداف، الذي يشير إلى رغبة الحركة القومية في بناء دولة هندوسية متجانسة وكبيرة.

مكافحة "جهاد الحبّ"

بحسب ما تدّعيه المجموعات الهندوسية المتشدّدة، فقد ابتدع أصوليون إسلاميون "جهاد الحبّ" بهدف دفع النساء الهندوسيات إلى اعتناق الإسلام بواسطة الحيلة وإيهامهنّ بالحبّ، وذلك لتقليص أعداد الهندوس في مقابل نموّ المسلمين في الهند.

وفي كتابه "برايس أوف ذا مودي ييرز" (ثمن سنوات مودي) الصادر في عام 2021 عن دار "وستلاند"، يوضح الصحافي والكاتب والناشط الحقوقي الهندي والمدير السابق لمنظمة العفو الدولية في الهند (2015-2019) آكار باتيل أنّ تجريم الزيجات المختلطة بدأ في خلال حكم مودي. وصارت الدولة الهندية تُبطل بالقوّة أيّ زواج يُعقَد ما بين هندوس ومسلمين، حتى لو أثمر أطفالاً.

وكانت الانطلاقة، بحسب باتيل، في عام 2018، مع قانون في ولاية أوتاراخند شماليّ الهند الخاضعة لـ"بهاراتيا جاناتا"، سُنّ بعد الحديث عن "مؤامرة جهاد الحبّ". ونصّ القانون على أنّ أيّ زواج هدفه الوحيد تغيير الدين، سواء قبل عقده أو بعده، يكون باطلاً. ويجب التحقيق في أسباب ذلك، علماً أنّه لا يؤخذ بشهادة المرأة بأنّها غيّرت دينها بكامل إرادتها. وبحسب القانون نفسه، فإنّ الذين يغيّرون دينهم من دون التقدّم بطلب موافق للمتطلبات الرسمية ومن دون موافقة الحكومة بعد تحقيق الشرطة يواجهون السجن.

وقد تتالت القوانين المشابهة في ولايات عديدة، من بينها أوتار براديش (2020)، التي يُمنَع من خلالها تغيير الدين بهدف الزواج، إذ هو إجراء غير قانوني، مع إبطال أيّ عقد في هذا السياق، بالإضافة إلى السجن لمدد متفاوتة.

غيتوهات

ومن بين القوانين الأكثر تشدّداً التي أُقرّت أو عُدّلت منذ عام 2014، تاريخ تسلّم مودي رئاسة الوزراء، يُذكر قانون حظر ولاية غوجارات نقل الممتلكات غير المنقولة وتوفير حماية للمستأجرين من إخلاء المباني في المناطق المضطربة، الذي أُقرّ في عام 2019. ومن شأن هذا القانون، بحسب ما يقول باتيل، الإبقاء على التمييز في حقّ المسلمين وحصرهم في غيتوهات، ويشرح أنّه يقضي بأن يكشف الأشخاص عن انتمائهم الديني في إقرار رسمي، في خلال عمليات بيع العقارات وشرائها. يضيف أنّ في المناطق المصنّفة "مضطربة"، لا يمكن الهندوس بيع مسلمين، والعكس صحيح، من دون موافقة حكومية. وإذ يشير إلى أنّ أحياء إضافية في كلّ المدن الرئيسية في غوجارات شُملت بهذا القانون، حتى تلك التي لم تُسجَّل فيها أيّ أعمال شغب، يؤكد باتيل أنّ "هذا ما جعل المسلمين بالفعل في غيتوهات".
إسلامنا | المصدر: العربي الجديد | تاريخ النشر : الأربعاء 08 يونيو 2022
أحدث الأخبار (إسلامنا)
يمكنكم متابعة احدث اخبارنا عن طريق شبكات التواصل الاجتماعى المختلفة
facebooktwitterRss
2022®أخبار الصباح AkhbarAlsabah.com