اخبار مصر
Akhbar Alsabah اخبار الصباح
فيديوهات مصرية

عبد العزيز بوتفليقة وقضايا الفساد

عبد العزيز بوتفليقة كشفت حملة مكافحة الفساد الجارية في الجزائر عن مدى استشراء هذه الظاهرة داخل إدارات الدولة وفي مختلف مستوياتها السياسية والحكومية والمالية والاقتصادية، وعن حالة تلاعب فاضح بالمال العام ومقدرات الدولة، مما دفع القضاء إلى ملاحقة وحبس رؤساء حكومات ووزراء سابقين وحاليين، من دون استدعاء أو ملاحقة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة. وقد بدأ يتصاعد جدل سياسي وشعبي لافت في الجزائر بشأن عدم مساءلة القضاء حتى الآن لبوتفليقة بصفته كان المسؤول الأول عن القرار السياسي والاقتصادي وعن الحكومات المتعاقبة.
ويرفض القضاء الجزائري توجيه أي اتهامات حتى الآن لبوتفليقة، على الرغم من أنّ قضايا الفساد التي بدأت تتكشّف، ورئيسي الحكومة الموقوفين أحمد أويحيى وعبد المالك سلال، وكبار رجال الأعمال وأصحاب مصانع السيارات، يتصلون ببوتفليقة شخصياً، وهو الذي كان المشرف على قرارات إنشاء مصانع سيارات غير مطابقة للقوانين، والمسؤول عن القوانين المتعلقة بالتنازل عن الأراضي والعقارات لصالح الكارتل المالي، والمشرف الرئيس على قرارات تخصّ البنك المركزي وتمويل ومنح قروض غير قانونية لصالح رجال أعمال على صلة بشقيقه السعيد بوتفليقة، فضلاً عن مسؤوليته السياسية والمعنوية في قضايا فساد أخرى مرتبطة بأعلى مستويات الدولة.
ومنذ إعلان بوتفليقة الاستقالة من منصبه في الثاني من إبريل/ نيسان الماضي، وتوجيهه رسالة اعتذار للجزائريين، لم يطرح الحراك الشعبي لاعتبارات أخلاقية وإنسانية تتعلّق بالوضع الصحي الصعب للرئيس السابق المريض منذ إبريل/ نيسان 2013 مطلب محاكمته، علماً أن طيفاً واسعاً من الجزائريين يدرك أن في سجل بوتفليقة أعمالاً إيجابية على صعيد الاقتصاد والأمن، خصوصاً في الولايتين الأوليين لحكمه الذي بدأ عام 1999. لكن جزءاً مهماً من هذا الحراك بدأ يتوجّه في الفترة الأخيرة نحو مطلب مساءلة بوتفليقة بعد كشف عمليات فساد فاضحة. وقد ظهرت في مسيرات الجمعة الأخيرة لافتات وشعارات تطالب بأن تشمل المحاكمات الرئيس السابق نفسه. وشجّع على هذا التوجّه والمطالبات، الموقف الأخير لقائد الجيش الفريق أحمد قايد صالح، الذي تعهّد في خطاب له يوم الاثنين الماضي بأن تطاول حملة مكافحة الفساد "الملفات كافة مهما كانت الظروف والأحوال، وبما يكفل بالتالي مثول جميع الأشخاص المفسدين مهما كانت منزلتهم الوظيفية والمجتمعية" أمام القضاء.
وفهم من تصريحات قايد صالح أنه ربما يقصد الرئيس بوتفليقة، وذلك رداً على اتهامه من قبل الحراك الشعبي وقوى معارضة بأنه يوفر حماية للأخير من الملاحقة القضائية. واتهم قائد الجيش بوتفليقة ومحيطه المقرّب منه، من دون أن يسميه، بتوفير مناخ مشجّع على الفساد، قائلاً "لقد تبيّن الآن للشعب الجزائري من خلال كل هذه الملفات المعروضة على العدالة بأنّه قد تمّ في الماضي وعن قصد، توفير كل الظروف الملائمة لممارسة الفساد، وتم تشجيع المفسدين على التمادي في فسادهم، وتمت رعايتهم من أجل التعدي على حقوق الشعب واختراق القوانين عمداً من دون خوف ولا ضمير".
لكن بعض الخبراء لا يقرأون في تصريحات قايد صالح توجهاً نحو ملاحقة بوتفليقة، ويرجحون في المقابل أن يكون استثناء الرئيس السابق من الملاحقات القضائية ضمن صفقة تمت مع قيادة الجيش بشأن خروجه من الحكم وتقديمه استقالته في 2 إبريل الماضي.
وفي هذا السياق، يقول الخبير القانوني والنائب السابق فاتح قرد، في حديث مع "العربي الجديد": "أعتقد أنّه ضمن اتفاق انسحاب بوتفليقة من الحكم، كان هناك بند متعلّق بتحصينه قضائياً"، لكنه يشير إلى أنه "في حال استمر مسلسل المتابعات بهذا الشكل الذي يوحي بإدانة مرحلة سياسية كان هو على رأسها، وزادت المطالب الشعبية بمتابعته، فإنّه يصبح من المنطقي استدعاؤه، وحينها تسقط الحصانة المعنوية تحت ضغط المطالبة الشعبية".
بدوره، يقول القاضي السابق عبد الله هبول، في حديث مع "العربي الجديد"، إنّ ملاحقة بوتفليقة أو مساءلته على الأقل ضمن سياق قضايا الفساد "تحتاج إلى قرار سياسي جريء جداً أكثر منه إلى قرار قضائي"، مضيفاً أنّ "هذا القرار السياسي لا تملك المؤسسات السياسية الحالية جرأة اتخاذه، على اعتبار أنّ تداعياته ستكون كبيرة جداً ولن تتوقف عند شخص بوتفليقة".
وإضافة إلى سوء التدبير والتسيير والفساد المالي والسياسي المرتبط أساساً بحقبة بوتفليقة، تكشف بعض قضايا فساد تشمل قضية الطريق السيار شرق غرب الذي يربط الحدود الجزائرية مع المغرب بالحدود مع تونس على مسافة 1200 كيلومتر، بكلفة 13 مليار دولار أميركي تم التلاعب بها، والتي عالجها القضاء الجزائري عام 2008، أنّ بوتفليقة عمد أيضاً إلى توفير حماية من الملاحقات لصالح مقربين منه، بينهم وزير الأشغال العمومية وقتها عمار غول، الذي أفلت حينها من الملاحقة، قبل أن يقرّر القضاء قبل أسبوع إعادة فتح هذا الملف.
ويعتبر الناشط السياسي محمد حديبي في حديث مع "العربي الجديد" أنّ بوتفليقة "يتحمّل كامل المسؤولية الأخلاقية والقانونية والشرعية في غابة الفساد التي تكشفت في الفترة الأخيرة، بل إنّ هناك ما هو أكثر مما ظهر إلى الآن"، مضيفاً أنّ "سلطة التعيين وإدارة المال والشأن العام كانت بيده وتحت مسؤوليته، وهو نفسه من عين أو أبقى الشخصيات الحكومية المتابعة قضائياً اليوم".
لكنّ عجز القضاء الجزائري عن ملاحقة الرئيس المستقيل في قضايا الفساد، لا يستند فقط إلى فقر في القرار السياسي أو وازع أخلاقي يتصل بمرض بوتفليقة، لكنه يصطدم أيضاً بمعوق قانوني ودستوري، إذ كان بوتفليقة استبق وتحسّب مرحلة مفاجئة قد تطيح حكمه، ووفّر لنفسه حصانة دستورية وقانونية من الملاحقة عن الأفعال التي يمكن تصنيفها كمخالفات أو جنح، أو حتى جنايات لا ترقى لوصف الخيانة العظمى. ولا تملك أي من المحاكم الحالية بمختلف مستوياتها الابتدائية والاستئنافية والمحكمة العليا، صلاحية مساءلته، وذلك على خلفية تضمينه للدستور مادة تجيز حصراً لمحكمة عليا للدولة (خاصة، غير المحكمة العليا) محاكمته.
ويشرح أستاذ القانون الدستوري سعيد يحياوي هذا التفصيل، قائلاً في حديث مع "العربي الجديد" إنّ "المادة 177 من الدستور الجزائري الحالي وتعديلاته الأخيرة، تنصّ على إنشاء محكمة عليا للدولة تضطلع بمحاكمة رئيس الجمهورية عن جريمة الخيانة العظمى، والوزير الأول عن الجنايات أو الجنح التي يقومان بها أثناء أداء وظيفتهما"، مضيفاً أنّ المادة "ربطت تشكيلة هذه المحكمة والإجراءات المتبعة أمامها بصدور قانون عضوي، لم يصدر إلى حدّ اللحظة".
ويؤكّد يحياوي أنّه "إذا كان القضاء قد وجد منفذاً في قانون الإجراءات الجزائية لملاحقة رئيس الحكومة، فإنّ المادة 177 من الدستور سدّت المنافذ بشأن إمكانية ملاحقة الرئيس"، على الرغم مما يعتبره يحياوي "خلافاً شديداً حول مفهوم الخيانة العظمى بين من يرى أنها جريمة سياسية وأخلاقية متعلّقة أساساً بالمخالفة الشديدة لأحكام الدستور، كمحاولة تغيير نظام الحكم أو التنازل عن جزء من تراب الوطن، وبين من يرى أنها جناية قانونية تامة متعلقة بإخلال رئيس الجمهورية بالتزاماته الوظيفية والتسبب بمشاكل كبرى تضرّ بتوازن البلد واقتصاده". ويلفت إلى أنه يميل إلى "التفسير الأخير في حالة بوتفليقة، الذي تسبب في جرائم فساد رهيبة خلال فترة حكمه"، معتبراً أنّ "التحجج بالحالة الصحية للأخير يجب ألا يكون مانعاً حقيقياً من ملاحقته، ذلك أنه يتوجّب على الأقل إدانته أخلاقياً".
وللمرة الثانية في تاريخه السياسي الطويل، يفلت بوتفليقة - أو هكذا يبدو - من الملاحقة القضائية بتهمة الفساد وسوء إدارة المال والشأن العام، بعد إفلاته عام 1981 من الملاحقة القضائية، على الرغم من تقرير نشرته حينها السلطات في صحيفة حكومية خلال فترة حكم الحزب الواحد، تدين بوتفليقة بسوء التصرّف في أموال صندوق كان تحت إدارة وزارة الخارجية، حين كان يشغل منصب وزير الخارجية بين عامي 1963 و1979، بعد وفاة الرئيس هواري بومدين.
سياسة | المصدر: العربي الجديد | تاريخ النشر : الأربعاء 26 يونيو 2019
أحدث الأخبار (سياسة)
موقع أخبار الصباح على الفيسبوك
Akhbar Alsabah
أخبار الصباح على التويتر
خدمة آخر الأخبار
إرسل لنا بريدك الإليكتروني
للحصول على آخر أخبار مصر
يمكنكم متابعة احدث اخبارنا عن طريق شبكات التواصل الاجتماعى المختلفة
facebooktwitterRss
2019®أخبار الصباح AkhbarAlsabah.com