
تواجه اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي موجة انكماش ثالثة واسعة خلال نحو 50 عاما، مع توقع صندوق النقد الدولي انكماش خمسة اقتصادات خليجية في عام 2026، تحت وطأة تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، في حين يتوقع أن يواصل الاقتصاد العُماني النمو.
ووفق تحليل موسع لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، تكشف التقديرات عن انكماش ثلاثة اقتصادات خليجية بأكثر من 10 في المئة خلال عام واحد، للمرة الأولى في البيانات المتاحة منذ أكثر من نصف قرن.
وتشير توقعات الصندوق إلى انكماش الاقتصاد السعودي بنسبة 3.3 في المئة، والإماراتي بنسبة 3.9 في المئة، والقطري بنسبة 15.6 في المئة، والكويتي بنسبة 16.7 في المئة، والبحريني بنسبة 11.3 في المئة، مقابل نمو الاقتصاد العُماني بنسبة 4.1 في المئة.
وتتمثل أبرز أسباب هذه الموجة في تراجع صادرات النفط والغاز نتيجة تعطل الملاحة البحرية، إلى جانب تراجع السياحة والسفر بفعل الهجمات التي طالت دول الخليج.
ويقول آزاد زنغانا، رئيس تحليل الاقتصاد الكلي لدول مجلس التعاون في "أوكسفورد إيكونوميكس"، إن تراجع صادرات الطاقة يمثل المحرك الأكبر للانكماش الحالي، مشيرا إلى أن تداعيات الحرب امتدت إلى السياحة والسفر، وهما قطاعان ازدادت أهميتهما خلال العقدين الماضيين وأصبحا مساهمين رئيسيين في اقتصادات خليجية عدة.
ولا تُعد هذه الموجة الأولى من نوعها؛ فقد شهدت المنطقة موجتين سابقتين من الانكماش الواسع.
وبدأت الأولى خلال أزمة سوق النفط في النصف الأول من ثمانينيات القرن الماضي، عندما انكمشت اقتصادات السعودية والإمارات وقطر والكويت عام 1982، ثم عادت الاقتصادات الأربعة إلى الانكماش عام 1985، وانضمت إليها البحرين.
وارتبطت تلك الأزمة بتراجع الطلب على النفط وخفض الإنتاج بهدف الدفاع عن الأسعار، فضلا عن انخفاض الإنتاج في بعض الدول نتيجة تقادم الحقول.
أما الموجة الثانية، فكانت عام 2020، حين انكمشت اقتصادات دول المجلس الست تحت تأثير جائحة كورونا وانهيار الطلب على النفط.
السعودية الأكثر صمودا.. لكن التعافي لا يزال مهددا
تبدو السعودية، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي، الأكثر قدرة على الصمود بين اقتصادات الخليج المتأثرة بالحرب. ويعزو الصندوق ذلك إلى السياسات المرتبطة برؤية 2030، والهوامش المالية والخارجية المتاحة للمملكة، فضلاً عن تنوع البنية التحتية للطاقة والخدمات اللوجستية وفاعلية إدارة الأزمة.
ويشرح تيم كالان، الباحث الزائر في معهد دول الخليج العربية في واشنطن والمسؤول السابق عن ملف السعودية ودول مجلس التعاون في صندوق النقد الدولي، أحد أبرز عوامل الصمود السعودي بوجود خط أنابيب شرق - غرب، الذي يتيح نقل النفط إلى ساحل البحر الأحمر وتصديره عبر ينبع، بعيداً عن مضيق هرمز. ويوفر هذا المسار للمملكة خيارات أوسع لتصدير النفط مقارنة ببقية دول المجلس.
وتستفيد الإمارات جزئياً من ميزة مماثلة بفضل خط أنابيب حبشان - الفجيرة، الذي ينقل الخام إلى بحر العرب، فيما تقع المنافذ البحرية الرئيسية لعُمان خارج مضيق هرمز. وقد ساعد ذلك عُمان على زيادة الإنتاج والصادرات مع ارتفاع الأسعار.
في المقابل، ظلت قطر والكويت والبحرين أكثر اعتماداً على المضيق في تصدير الطاقة واستيراد السلع ومدخلات الإنتاج.
ولا يقتصر تفسير الصمود السعودي على البنية التحتية للطاقة، إذ يشير كالان إلى أن اتساع السوق المحلية وشريحة الشباب يدعمان الطلب والنشاط الاقتصادي، في حين يقل اعتماد المملكة على التدفقات الأجنبية مقارنة بالإمارات والبحرين وقطر.
وفي السياق نفسه، يرى زنغانا أن انخفاض نسبة السكان الأجانب في السعودية مقارنة ببعض جيرانها قد يساعدها على امتصاص صدمة الحرب. ففي الإمارات، يتجاوز عدد الوافدين والمقيمين عدد السكان من المواطنين، بينما تبلغ نسبة الأجانب في السعودية نحو 44 في المئة من السكان.
كما أسهم اتساع مساحة المملكة في حصر آثار بعض الهجمات داخل مناطق محددة، والحد من امتدادها إلى النشاط الاقتصادي والحياة اليومية في بقية البلاد، على خلاف ما قد يحدث في دول أصغر مساحة.
ومع ذلك، لا يعني هذا التفوق النسبي أن السعودية بمنأى عن تداعيات التصعيد. فبحسب زنغانا، تعرضت المملكة لهجمات أقل خلال المرحلة الأولى من الحرب مقارنة بالإمارات والبحرين والكويت وحتى قطر، بينما بدأت تلك الدول الخروج من أسوأ فتراتها في بداية الصيف، في الوقت الذي بدأت فيه السعودية تواجه هذا المستوى من الضغوط.
وقد أضافت التطورات اللاحقة مزيداً من التحديات أمام صادرات النفط السعودية. ففي تموز/يوليو، أعلن الحوثيون فرض "حصار بحري" على السفن المرتبطة بالسعودية والعابرة لمضيق باب المندب.
ومع اضطراب هذا المسار، اتجهت المملكة إلى تصدير النفط إلى آسيا عبر طريق يمر بقناة السويس، ما أطال مدة الرحلة بنحو شهر.
وفي أيلول/سبتمبر، استُهدف خط أنابيب شرق - غرب، ما أدى إلى توقفه لبعض الوقت ودفع السعودية إلى زيادة اعتمادها مجدداً على موانئ الساحل الشرقي. وللتعامل مع هذه الظروف، استخدمت ناقلات النفط نظام النقل المكوكي عبر مضيق هرمز إلى خليج عُمان، حيث نُقلت الشحنات في عرض البحر إلى ناقلات أخرى واصلت رحلتها إلى الأسواق الآسيوية.
وعلى الرغم من هذه الاضطرابات، تعافى إنتاج السعودية في أيلول/سبتمبر، بعد هبوط حاد في آب/أغسطس، ليبلغ نحو 8.3 ملايين برميل يومياً، وفق وكالة الطاقة الدولية، مقارنة بنحو 6 ملايين برميل في الشهر السابق.
وفي الشهر نفسه، تجاوزت صادرات الخام الخليجية مجتمعة 75 في المئة من مستويات ما قبل الحرب.
لكن هذا التعافي يظل عرضة للانتكاس مع تجدد الهجمات، ففي الأيام الأخيرة، استهدفت جماعة أنصار الله مطار الملك خالد الدولي في الرياض، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى وتعطل الرحلات.
وجاء ذلك بعد أيام من هجوم مماثل على مطار أبها أوقع قتلى وجرحى، إلى جانب استهداف مبنى إداري في مجمع أرامكو بالظهران، ما تسبب في حريق وصفته وزارة الطاقة بأنه محدود. كما هدد الحوثيون باستهداف مزيد من منشآت الطاقة في المملكة.
ويحذر زنغانا من أن استمرار التصعيد قد يؤثر في الإنفاق والأنشطة اليومية، مستشهداً بإغلاق المطار الدولي الرئيسي في الرياض والتحول إلى التعليم عن بُعد، بما يوضح أن تداعيات الحرب قد تتجاوز قطاع الطاقة لتطال جوانب أوسع من الحياة الاقتصادية.
تداعيات تتجاوز النفط إلى السياحة والطيران والتجارة
لم تعد آثار الحرب محصورة في إنتاج الطاقة وصادراتها، بل امتدت إلى قطاعات الطيران والسياحة والتجارة والخدمات اللوجستية. ويرى صندوق النقد الدولي أن اتساع الأنشطة غير النفطية أسهم في تخفيف الصدمة في بعض الاقتصادات الخليجية، وإن كان تراجعها أقل حدة من انكماش القطاعات النفطية.
وتفاوتت الأضرار بحسب طبيعة الاقتصادات المحلية، فقد تضررت السياحة في الدول التي تعتمد على الترفيه والمنتجعات، بينما ظل أثر الحرب على السياحة السعودية محدوداً حتى الآن، في ظل الدور الكبير للسياحة الدينية في حركة الزوار.
ولم يشهد موسم الحج هذا العام اضطراباً يُذكر، إلا أن زنغانا يحذر من أن استمرار التصعيد قد يترك أثراً أكبر في الموسم المقبل.
وامتدت التداعيات كذلك إلى مكانة الخليج مركزاً عالمياً للسفر والطيران، فقد ألغت شركات طيران آلاف الرحلات أو علّقتها، فيما اضطرت شركات أخرى إلى تغيير مساراتها بعد إغلاق مجالات جوية.
وبحلول تشرين الأول/أكتوبر، عادت رحلات كبرى شركات الطيران الخليجية إلى مستويات قريبة من تلك المسجلة قبل الحرب.
غير أن عودة الرحلات لم تمنع استمرار التراجع في حركة المسافرين، فقد انخفض عدد المسافرين عبر مطار دبي الدولي بنسبة 31.3 في المئة خلال النصف الأول من العام، إلى 31.5 مليون مسافر، مقارنة بـ46 مليوناً في الفترة نفسها من العام الماضي.
وتعكس توقعات الاتحاد الدولي للنقل الجوي "إياتا" حجم الضغوط التي تواجه القطاع؛ إذ يرجح انتقال شركات الطيران في الشرق الأوسط من تحقيق أرباح صافية بلغت 7.2 مليارات دولار عام 2025 إلى تسجيل خسائر بقيمة 4.3 مليارات دولار عام 2026.
وتشمل هذه التقديرات المنطقة بأكملها، ولا تقتصر على دول الخليج.
وفي قطاع الشحن، استمر ميناء جبل علي، أكبر موانئ الشرق الأوسط وأحد أكبر موانئ الحاويات عالمياً، في العمل، لكن الوصول إليه أصبح أكثر تعقيداً، فقد طالت فترات انتظار بعض الشحنات، وحُوّلت بضائع إلى موانئ أخرى، فيما انتقل جزء كبير من التجارة البحرية إلى ميناءي خورفكان والفجيرة، الواقعين خارج مضيق هرمز.
وأدى تغيير المسارات واللجوء إلى وسائل نقل إضافية إلى ارتفاع تكاليف الشحن، وتقول الجمعية الوطنية للشحن والخدمات اللوجستية في الإمارات إن كلفة نقل بعض الشحنات إلى الخليج ارتفعت إلى ما بين ثلاثة وخمسة أمثال مستوياتها السابقة، بفعل رسوم مخاطر الحرب وتغيير المسارات والنقل الإضافي، وهو ما قد ينعكس جزئياً على أسعار السلع التي يتحملها المستهلكون.
أما الواردات البحرية المتجهة إلى الكويت وقطر والبحرين، فقد أصبحت تعتمد بدورها على موانئ بديلة خارج مضيق هرمز، أو على النقل البري عبر السعودية، وهو مسار يتسم بارتفاع التكلفة والازدحام.
امتدت آثار الحرب إلى أسواق المال الخليجية، حيث تعرضت قطاعات مدرجة في البورصات لضغوط حادة خلال الأسابيع الأولى من التصعيد. ووفق تحليل "إم إس سي آي" لمؤشر أسهم دول مجلس التعاون الخليجي المجمع، تراجعت مؤشرات قطاعات العقارات وتكنولوجيا المعلومات والصناعة بنحو 22 في المئة و12 في المئة و10 في المئة على التوالي، خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من الحرب وحتى 20 آذار/مارس.
ورغم تسجيل بعض المؤشرات مكاسب في الأشهر التالية، فإنها لم تستعد جميع خسائرها. وبحلول نهاية أيلول/سبتمبر، كانت خمسة من سبعة مؤشرات خليجية رئيسية، هي مؤشرات السعودية وقطر والبحرين والكويت ودبي، منخفضة مقارنة بمطلع العام، بينما حقق مؤشرا عُمان وأبوظبي مكاسب.
وتضع هذه الضغوط الاقتصادات الخليجية أمام تحديات تتعلق بتمويل آثار الحرب، والحفاظ على الاستثمارات القائمة، وإعادة توجيه الإنفاق نحو القطاعات الأكثر إلحاحاً. وهي تحديات تتداخل فيها الاعتبارات الاقتصادية مع متطلبات الأمن والاستقرار على المدى الطويل.
إعادة ترتيب الأولويات
تفرض تداعيات الحرب على دول الخليج إعادة النظر في أولويات الإنفاق والاستثمار، في مسار لم يبدأ مع التصعيد الحالي. فقد شرعت السعودية، قبل الحرب، في مراجعة بعض المشاريع المرتبطة برؤية 2030.
ويرى زنغانا أن الضغوط الجديدة قد تسرّع هذه العملية، وتدفع إلى تحويل جزء من الاهتمام والموارد من المشاريع الكبرى إلى الصحة والتعليم وجودة الحياة. وفي المقابل، يشير كالان إلى أن الإنفاق على الدفاع الجوي وتحصين المنشآت وتطوير الصناعات العسكرية المحلية قد ينافس الاستثمار في مشاريع أخرى على الموارد المتاحة.
ولا تقتصر مراجعة الأولويات على الإنفاق المحلي، بل قد تمتد إلى الالتزامات الخارجية لدول الخليج. فقد ذكرت صحيفة "فاينانشال تايمز" أن حكومات خليجية بدأت مراجعة استثماراتها والتزاماتها الخارجية في ظل الضغوط المالية.
ويشير كالان إلى أن هذه المراجعة لا تعني بالضرورة التخلي عن العلاقات القائمة، لكنها قد تؤدي إلى تركيز الالتزامات أو تقليص قيمتها. وفي المقابل، يلفت إلى أن بعض الاستثمارات ستظل تحظى بالأولوية، مستشهداً بالاستثمارات السعودية في مشاريع ترفيهية قرب باريس، التي أُعلن عنها خلال زيارة ولي العهد محمد بن سلمان إلى فرنسا في آب/أغسطس 2026.
وتتجاوز أهمية الاستثمارات والمساعدات الخليجية العوائد المالية المباشرة، إذ تمثل أداة لتعزيز النفوذ وبناء العلاقات الدولية. فقد خلص تقرير للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية نُشر عام 2023 إلى أن حزم الإنقاذ المالي الخليجية أسهمت في تعزيز حضور دول المجلس ونفوذها، وأتاحت لها التأثير في خيارات بعض الدول المستفيدة.
وفي الاتجاه نفسه، خلصت دراسة نشرها المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية عام 2026، حول الصناديق السيادية في قطر والإمارات والسعودية، إلى أن هذه الصناديق توسع خيارات السياسة الخارجية للدول المالكة، مع صعوبة الفصل بين الدوافع الاقتصادية والسياسية في كل استثمار.
ومن ثم، قد يؤدي خفض الاستثمارات والالتزامات الخارجية أو تأجيلها إلى إثارة مخاوف بشأن تراجع هذا الرصيد من النفوذ. إلا أن زنغانا يرى أن دول الخليج نجحت في بناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد، وأن كثيراً من استثماراتها الخارجية يستند إلى مصالح متبادلة يُرجح استمرارها، حتى إذا تغيرت وتيرة الاستثمار أو آليات تنفيذه.
غير أن زنغانا يرى أن هذه التوقعات قد تكون متفائلة، إذ لا يتوقع عودة سريعة إلى الأوضاع السابقة. ويطرح احتمال التوصل إلى تفاهمات تسمح للسفن بالعبور وتصدير النفط والغاز، ربما مقابل رسوم لإيران. وقد يتيح مثل هذا السيناريو تعافياً جزئياً خلال العام المقبل، من دون أن يعيد حركة التجارة إلى طبيعتها فوراً.
وتترافق احتمالات استعادة الإمدادات مع تحدٍ آخر يتعلق بتوازن سوق النفط. ويحذر كالان من أن عودة النفط الخليجي إلى الأسواق بسرعة قد تنقل السوق من نقص المعروض إلى فائض، خصوصاً مع نمو الإنتاج الأمريكي وعودة بعض الإمدادات الفنزويلية.
لكن هذا السيناريو لا يبدو وشيكاً وفق التوقعات الحالية. فالوكالة الدولية للطاقة تتوقع استمرار عجز السوق حتى نهاية 2026، ولا سيما مع تراجع المخزونات العالمية. وفي عام 2027، تتوقع ارتفاع المعروض بمقدار 7.7 ملايين برميل يومياً، مقابل تعافٍ جزئي للطلب بنحو مليوني برميل يوميا.
في المقابل، تتوقع منظمة البلدان المصدرة للبترول "أوبك" نمواً أقوى للطلب يبلغ 2.55 مليون برميل يومياً، مدفوعاً جزئياً بالحاجة إلى تعويض المخزونات المستنزفة. وبذلك، يظل احتمال فائض المعروض مرتبطاً بسرعة عودة الإمدادات إلى الأسواق، وليس نتيجة مؤكدة.
وحتى إذا انتهت الحرب وفق المسار الذي يفترضه صندوق النقد الدولي، فقد لا تعود الأنشطة الاقتصادية إلى سابق عهدها بالسرعة نفسها. فاضطراب الرحلات والشحن يدفع الشركات إلى تغيير مساراتها وإعادة النظر في سلاسل التوريد، بما قد يترك آثاراً ممتدة بعد استعادة حركة الطاقة.
ويرى كالان أن تعافي قطاعات الطيران والسياحة والخدمات اللوجستية قد يستغرق وقتاً أطول من تعافي إمدادات الطاقة، مع سعي الشركات إلى تقليل تعرضها لأي اضطرابات مستقبلية. ويربط سرعة التعافي بظهور ضمانات أمنية موثوقة تقنع الأفراد والشركات بأن موجة جديدة من الهجمات والصراع لن تتكرر.
ويتفق زنغانا مع هذا التقييم، مشيراً إلى احتمال مطالبة المستثمرين بضمانات أو خطط للخروج الآمن إذا تجدد الاضطراب، أو بعوائد أعلى لتعويض المخاطر. وقد تمتد هذه التداعيات إلى العاملين الأجانب ذوي المهارات، إذ تصبح سلامة الموظفين وعائلاتهم عاملاً إضافياً في قرارات العمل في الخليج، بالتوازي مع ارتفاع تكاليف التأمين وممارسة الأعمال.
الجغرافيا تفرض حدودا على التنويع الاقتصادي
تكشف الأزمة أن قدرة الاقتصادات الخليجية على تنويع مصادر الدخل لا تعني بالضرورة قدرتها على تجاوز المخاطر المرتبطة بموقعها الجغرافي. فحتى إذا نجحت دول المجلس في استيعاب التكاليف الإضافية ومواصلة النمو، فإن أثر هذه التكاليف سيظل حاضراً في قرارات المستثمرين والشركات وفي مستقبل اقتصادات المنطقة.
ويختصر كالان هذا التحدي بالإشارة إلى أن ما تواجهه دول الخليج لا يتعلق فقط بجودة خطط التنويع الاقتصادي وفاعليتها، بل يرتبط أيضاً بعامل الجغرافيا الذي لا يمكن ببساطة "تنويعه".
وبناءً على ذلك، يرى أن مفهوم التنويع الاقتصادي الخليجي ينبغي أن يتسع ليشمل تنويع مسارات تصدير النفط وطرق النقل، إلى جانب زيادة الإنفاق على الدفاع الجوي وتحصين المنشآت. فتنويع القطاعات الاقتصادية، على أهميته، لا يكفي وحده إذا ظلت حركة الصادرات والواردات معرضة للاضطراب عند تعطل ممرات بحرية رئيسية.
وتتجاوز بعض هذه التحديات قدرة كل دولة على التعامل معها منفردة، ما يجعل تعزيز التعاون بين دول المجلس ضرورة اقتصادية وأمنية في آن واحد. ويرى زنغانا أن تنسيق الجهود الدفاعية واللوجستية الخليجية قد يصبح جزءاً من عملية استعادة النمو بعد الحرب، بقدر ما يمثل وسيلة للحد من تداعياتها في الوقت الراهن.
وبذلك، لا يتوقف مستقبل اقتصادات الخليج على سرعة انتهاء الحرب واستعادة صادرات الطاقة فحسب، بل يتصل أيضاً بقدرة دول المجلس على تقليل تعرضها للمخاطر الجغرافية، وتعزيز التنسيق الإقليمي، وإعادة ترتيب استثماراتها بما يوازن بين متطلبات النمو والأمن والاستقرار الاقتصادي.