
صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضغوطه على إيران، معلناً إطلاق "أشد عملية اقتصادية ساحقة تفرض على أي دولة"، وقال في منشور على منصة "تروث سوشال" فجر الخميس إن الولايات المتحدة ستشن "حرباً اقتصادية وعزلة غير مسبوقتين"، وهدد بفرض "عواقب اقتصادية هائلة" على أي دولة تسمح لمؤسساتها المالية أو شركاتها أو مطاراتها أو جهاتها الحكومية بتقديم شريان حياة من أي نوع لإيران ستواجه هي نفسها عواقب اقتصادية هائلة". ولم يذكر أي دولة بالاسم أو الخطوات التي ستتخذها واشنطن ضد البلدان التي تخالف تحذيراته.
وفي طهران، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن الولايات المتحدة أعلنت حربًا اقتصادية ضد إيران لصرف الأنظار عن أزمتها الداخلية، المتمثلة في ديون غير مسبوقة وارتفاع تكاليف الفائدة. وأضاف، في منشور عبر منصة "إكس"، أن الاستمرار في السياسات الفاشلة لن يؤدي إلا إلى مزيد من الفشل وزيادة عداء الشعب الإيراني، وأن الإرهاب الاقتصادي الأمريكي يهدد الاقتصاد العالمي.
ومنذ عودته إلى البيت الأبيض في 20 يناير/كانون الثاني 2025، أعاد ترامب تشكيل أدوات القوة الاقتصادية للولايات المتحدة، محولاً إياها إلى ترسانة متكاملة لخدمة أهدافه السياسية والأمنية والتجارية. واعتمد في ذلك على الرسوم الجمركية والعقوبات المالية وقيود التصدير والاستثمار وتجميد المساعدات وملاحقة السفن والشركات والمصارف، إلى جانب توظيف صفقات الطاقة والسلاح والمعادن، وهذه الأسلحة وغيرها من المتوقع أن يشهرها ترامب في وجه إيران.
ولا يستخدم ترامب هذه الأدوات بصورة منفصلة ضد إيران وغيرها، إذ من المتوقع ان يجمع أكثر من سلاح في الملف الواحد، ثم يشدد القيود أو يعلقها أو يلغيها مقابل تنازلات سياسية واقتصادية. وتمنحه هذه الاستراتيجية مساحة واسعة للمساومة، مستفيداً من حجم السوق الأميركية، ومركز الدولار في النظام المالي، وهيمنة واشنطن على التقنيات المتقدمة، وقدرتها على الوصول إلى حركة الأموال والتجارة وسلاسل التوريد خارج حدودها.
وفي ولايته الثانية، أصبحت القوة الاقتصادية امتداداً مباشراً للقوة السياسية والعسكرية. فالسوق الأميركية ورقة ضغط، والدولار أداة للحصار المالي، والتكنولوجيا وسيلة لتعطيل تقدم المنافسين، والطاقة والمعادن والمساعدات أوراق تفاوض، فيما مثّلت السيطرة على النفط الفنزويلي وعائداته الانتقال الأوضح من العقوبة الاقتصادية إلى فرض السيطرة المادية على الموارد.
الرسوم الجمركية سلاح متعدد الأهداف
بدأ ترامب ولايته الثانية بمذكرة "السياسة التجارية لأميركا أولاً"، قبل أن يعلن في 2 إبريل/نيسان 2025 رسوماً أساسية بنسبة 10% على واردات معظم دول العالم، مع نسب أعلى للدول التي تسجل الولايات المتحدة عجزاً تجارياً كبيراً معها. وتحولت الرسوم إلى ورقة لفرض شراء المنتجات الأميركية وزيادة الاستثمارات داخل الولايات المتحدة وفتح الأسواق أمام صادراتها.
واستخدم ترامب المادة 232 من قانون توسيع التجارة لفرض رسوم جمركية على قطاعات محددة بدعوى حماية الأمن القومي، شملت الصلب والألمنيوم والسيارات وقطع الغيار والنحاس، إلى جانب فتح تحقيقات بشأن الأخشاب والمعادن الحيوية.
وامتد السلاح الجمركي إلى قضايا غير تجارية، إذ هدد كندا والمكسيك بسبب الهجرة وتدفق الفنتانيل، وفرض رسوماً على البرازيل مرتبطة بسياسات حكومتها ومعاملة الرئيس السابق جايير بولسونارو. كما هدد ثماني دول أوروبية برسوم تبدأ عند 10% وترتفع إلى 25% بسبب معارضتها استحواذ واشنطن على غرينلاند، قبل التراجع عنها في 21 يناير/كانون الثاني الماضي.
واستخدم ترامب "الرسوم الثانوية" لمعاقبة المتعاملين مع خصوم واشنطن. ففي 24 مارس/آذار 2025، أجاز فرض 25% على صادرات أي دولة تشتري النفط الفنزويلي. وفي أغسطس/آب، فرض النسبة نفسها على الهند بسبب استيراد النفط الروسي، ثم رفعها في فبراير/شباط 2026 بعد تعهد نيودلهي بوقف الشراء وزيادة وارداتها من الطاقة الأميركية. كما أنشأ آليتين لمعاقبة الدول التي تزود كوبا بالنفط أو تشتري سلعاً وخدمات من إيران.
وفي 3 إبريل/نيسان 2025، قالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا إن "الإجراءات تمثل خطراً كبيراً على الاقتصاد العالمي في وقت يشهد نمواً ضعيفاً"، ودعت إلى تجنب مزيد من التصعيد.
وألغت المحكمة العليا الأميركية في 20 فبراير/شباط الماضي، الرسوم التي فرضها ترامب استناداً إلى قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة، بعدما قضت بأن القانون لا يمنح الرئيس سلطة فرضها. وفي اليوم نفسه، أمر ترامب بإنهاء الإجراءات المشمولة بالحكم، فيما توقف تحصيل الرسوم في 24 فبراير/شباط، مع استمرار الرسوم المفروضة بموجب قوانين أخرى.
العقوبات المالية وتجميد الأصول
ومن بوابة التجارة، انتقل ضغط ترامب إلى حركة الأموال، مستخدماً قوة الدولار والنظام المصرفي الأميركي لعزل الأفراد والشركات والمصارف والسفن. وتشمل العقوبات تجميد الأصول الواقعة تحت الولاية الأميركية، ومنع التعامل مع المستهدفين، وتهديد المؤسسات الأجنبية بفقدان الوصول إلى النظام المالي الأميركي.
وفي 4 فبراير/شباط 2025، أعاد ترامب رسمياً سياسة "الضغط الأقصى" على إيران، ووجه وزارة الخزانة إلى تشديد العقوبات وملاحقة شبكات الالتفاف عليها، مع تحذير قطاعات الشحن والتأمين والموانئ من التعامل مع النفط الإيراني، بحسب البيت الأبيض.