
يتدهور الوضع بصورة متسارعة في جنوب غرب فرنسا مع اتساع الحريق المشتعل في إقليم جيروند، وهو الأكبر في البلاد حالياً، وتحوُّل مساره بفعل الرياح نحو المناطق السكنية المحيطة ببوردو. وتتزايد المخاوف من امتداد النيران إلى بلدات إضافية ووصولها، للمرة الأولى منذ اندلاع الحريق الأربعاء، إلى مشارف مدينة كبرى. وطلبت السلطات ليل الجمعة من سكان ثماني بلدات تقع على مسار النيران الاستعداد للإجلاء، من بينها سان ميدار أون جال، الواقعة على نحو 10 كيلومترات من أحياء بوردو الغربية. وفي غضون بضع ساعات، اتسعت رقعة الحريق من 14 ألف هكتار إلى 19 ألفاً، أي ما يقارب ضعف مساحة العاصمة باريس.
وأجلت السلطات أكثر من 140 ألف شخص في إقليمي جيروند ولاند، بينهم 110 آلاف في جيروند وحدها، في واحدة من أكبر عمليات الإجلاء التي نفذتها البلاد منذ عقود بسبب الحرائق. ومع استمرار تدهور الوضع، طلب الرئيس إيمانويل ماكرون من القوات الفرنسية المسلحة تقديم "أقصى دعم" ممكن لفرق الإطفاء وأجهزة الأمن المدني، فيما عقد رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو عند العاشرة من مساء الجمعة اجتماعاً طارئاً لخلية أزمة وزارية، ضمت وزارات الداخلية والقوات المسلحة والصحة والنقل والبيئة.
وقال وزير الداخلية لوران نونيز إن فرنسا تواجه "وضعاً غير مسبوق تماماً"، موضحاً أن الحريق بات يولّد تيارات هوائية تزيد من قوته وتدفعه إلى التمدد وتغيير مساره. وأضاف أن النيران تتجه نحو محيط بوردو، ما أجبر فرق الإطفاء على إعادة توزيع عناصرها ووسائلها، ودفع السلطات إلى تنفيذ عمليات إجلاء جديدة في البلدات الواقعة بين خط النار والمدينة. ويقيم في بوردو نحو 270 ألف شخص، فيما يصل عدد سكانها مع ضواحيها إلى أكثر من مليون. ورغم تأكيد الوزير أن المدينة نفسها ليست مهددة "في الوقت الحالي"، وأن السلطات ستفعل ما بوسعها لمنع النيران من الاقتراب منها، فإن وصول إجراءات الإجلاء إلى بلدات تقع على أطراف المدينة أظهر مدى سرعة اقتراب الخطر.
ومع اقتراب النيران من بلدات تقع على المسار الذي تتخذه نحو بوردو، بدأت السلطات إجلاء السكان من منطقتي أودانج وسالون، وطلبت من سكان ست بلدات أخرى الاستعداد للمغادرة فور وصول رسائل تحذير إلى هواتفهم. وكانت قوات الدفاع المدني قد أخلت خلال نهار أمس شبه جزيرة كاب فيريه السياحية، الواقعة غربي بوردو، ونقلت منها أكثر من ألف شخص بالقوارب، إذ لا يربطها ببقية الإقليم سوى طريق بري واحد، خشية أن تقطعه النيران وتعرقل عملية الإجلاء.
وبعد أن طلب ماكرون تحريك الجيش، أعلن لوكورنو إرسال 500 عسكري إضافي لدعم الإطفائيين في جيروند ولاند، ما يرفع عدد العسكريين المشاركين ميدانياً إلى نحو ألف. وقررت الحكومة إرسال مليون و500 ألف كمامة من طراز "إف إف بي 2" إلى جيروند، بعدما تدهورت جودة الهواء في المنطقة، لوقاية السكان وفرق الإنقاذ من آثار الدخان والتلوث.
وعززت فرنسا قدراتها الجوية لمكافحة الحرائق بعد أن طلبت الحكومة تفعيل آلية الحماية المدنية التابعة للاتحاد الأوروبي. وأعلن ماكرون أن بلاده ستتلقى دعماً يشمل طائرات من كرواتيا والبرتغال ومروحيتين من تشيكيا وسلوفاكيا، فيما يشارك نحو ألف إطفائي وأكثر من 250 آلية، إلى جانب عدد من الطائرات والمروحيات الفرنسية، في مواجهة حريق جيروند. غير أن وصول التعزيزات لا يعني انحسار الخطر بصورة فورية، إذ لم يُثبَّت الحريق حتى الآن، فيما ظل مسار النيران يتغير خلال الساعات الأولى من اليوم السبت.
وأعلنت محافِظة جيروند إصابة 42 إطفائياً خلال عمليات مكافحة الحرائق، فيما قررت خلية الأزمة الحكومية استدعاء الخدمات الصحية التابعة للجيش لمد يد العون، وتفعيل خطة الطوارئ في المستشفيات، بما يتيح تحريك مزيد من العاملين، إلى جانب نشر وحدات إضافية من الشرطة والدرك للمساعدة في عمليات الإجلاء. كذلك قررت المحافظة إلزام شركات النقل العام بتوفير المعدات والمركبات الضرورية لنقل التعزيزات إلى جيروند ومواصلة عمليات الإجلاء.
وفي إقليم لاند المجاور، تمدد حريق آخر اندلع في منطقة بيسكاروس، جنوبي خليج أركاشون، نحو بلدة بارانتيس أون بورن، ما دفع السلطات إلى إجلاء 8 آلاف شخص، أضيفوا إلى 23 ألفاً غادروا المنطقة منذ مساء الخميس. وأتى الحريق على أكثر من 2600 هكتار، ودمّر عشرات المنازل والمباني أو ألحق بها أضراراً، فيما وصفه محافِظ الإقليم، جيل كلافرول، بأنه "مفاجئ جداً وعنيف جداً وسريع جداً".
وكان وزير الداخلية لوران نونيز قد قال إن فرق الإطفاء كانت تواجه مساء الجمعة 32 حريقاً في مختلف أنحاء فرنسا، وإن المساحة التي أتت عليها النيران منذ بداية العام تجاوزت 50 ألف هكتار، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف المساحة المسجلة خلال الفترة نفسها من العام الماضي.