Akhbar Alsabah اخبار الصباح

6 أيام من الطوابير أمام الصراف الآلي في مصر

الطوابير أمام الصراف الآلي تحولت حياة ملايين المصريين في أيام عيد الأضحى إلى مغامرة بحثاً عن الأموال السائلة "الكاش"، وقضاء ليالٍ أمام ماكينات الصراف الآلي التي تحولت في أنحاء البلاد إلى ساحات انتظار طويلة، مع تزامن صرف رواتب شهر مايو/ أيار، قبل وقفة العيد بساعات، لعشرات الملايين من الموظفين بالقطاعين العام والخاص، مع إغلاق البنوك ستة أيام متصلة، مما سبّب أزمة سيولة امتدت من وقفة العيد، ويتوقع أن تستمر حتى عودة العمل بالمصارف والمؤسسات الرسمية صباح اليوم الاثنين الأول من يونيو/ حزيران.

لم تقتصر الأزمة على نفاد النقدية من مئات من ماكينات الصراف الآلي، أو الأعطال الفنية المتكررة، بل امتدت إلى تعطل صرف معاشات نحو 11.5 مليون مواطن في بعض المناطق نتيجة مشكلات تقنية مستمرة للشهر الثالث، مرتبطة بمنظومة التأمينات الاجتماعية الجديدة، بينما وجد ملايين الموظفين وأصحاب المعاشات أنفسهم بدون دخل شهري في أكثر مواسم العام احتياجاً للسيولة النقدية.

الضغط على القطاع المصرفي
تكشف الأرقام الرسمية حجم الضغط الذي تعرّض له القطاع المصرفي خلال أيام العيد؛ فوفق بيانات البنك المركزي، بلغ عدد المواطنين المشمولين مالياً نحو 54.7 مليون مواطن بنهاية 2025، فيما يمتلك نحو 37.3 مليون شخص بطاقات دفع رقمية، بينما يتجاوز عدد أصحاب المعاشات والمستحقين لها 11.5 مليون مواطن، إضافة إلى نحو 5.5 ملايين موظف حكومي، وقرابة 700 ألف عامل ضمن القطاع العام، وأكثر من 27 مليون مشتغل بالقطاع الخاص. هذا التزامن بين صرف المرتبات والمعاشات واستعدادات العيد وإغلاق البنوك خلق طلباً هائلاً على السيولة النقدية خلال أيام قليلة.

وأكد رئيس اتحاد بنوك مصر والرئيس التنفيذي للبنك الأهلي المصري، محمد الإتربي، في بيان رسمي، أن حجم السحب من ماكينات البنك الأهلي وحده بلغ نحو تسعة مليارات جنيه خلال يومين فقط قبل العيد، موضحاً أن معدلات السحب اليومية ارتفعت إلى ما بين 4 و4.5 مليارات جنيه مقارنة بالمعدلات المعتادة. وأضاف أن البنك الأهلي وبنك مصر الحكوميين يمتلكان نحو 13.5 ألف ماكينة صراف آلي، وجرى الدفع بـ28 سيارة صراف متنقلة، إلى جانب التوسّع في قنوات الصرف البديلة، ونقاط البيع الإلكترونية، لتخفيف الضغط على الماكينات.

تبدو تصريحات المسؤول عن حجم المتعاملين مع البنوك، مختلفة عن أرض الواقع بالنسبة لكثير من المواطنين؛ فمن العاصمة القاهرة إلى محافظات دلتا النيل بالشرقية والقليوبية وكفر الشيخ، امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بشكاوى المواطنين من نفاد النقدية، وتعطل الماكينات.

ووصف الباحث في إدارة الأعمال والعامل بمصلحة الضرائب، وليد الفقي، ما جرى بأنه أزمة إدارة متكررة أكثر منها أزمة طارئة، وقال على صفحته بوسائل التواصل الاجتماعي: "من ميدان رمسيس حيث مقرات البنوك الكبرى، حتى طريق صلاح سالم شرق القاهرة، ظلت ماكينات الصرف فارغة فترة العيد، وفي مشتول السوق وشبين القناطر شمال القاهرة، تكرر المشهد ذاته، وأي ماكينة توجد بها أموال تجد أمامها عشرات المواطنين ينتظرون ساعتين أو ثلاث ساعات في مشهد يحدث سنوياً، والمشكلة ذاتها تتكرر كل شهر، ومع ذلك لا يبدو أن هناك استعداداً مسبقاً لأيام الذروة".

نظام مصرفي مواز
في مدينة بلبيس بمحافظة الشرقية، اشتكى مواطنون من خروج معظم الماكينات عن الخدمة أو نفاد النقدية منها، بينما تركزت الطوابير أمام عدد محدود من الماكينات العاملة، وفي صعيد مصر كان المشهد أكثر إيلاماً، حيث يندر وجود الصرافات خارج الميادين الرئيسية بالمدن الكبرى، الأمر الذي يحرم باقي الأحياء والقرى من المال في فترة الأعياد. مع استمرار الأزمة، ظهرت حلول شعبية غير تقليدية عكست حجم الضغط على المواطنين، وصفتها الكاتبة أميمة شتا بـ"النظام البنكي الموازي"، حيث ابتكر المواطنون آلية تبادل مباشر للنقد أمام البنوك. وكتبت شتا ساخرة: "إذا كانت التكنولوجيا تنهار والمنظومة الرقمية تسقط والماكينات تتعطل، فالمصري دائماً لديه خطة بديلة في جيبه".

وفقاً للنظام الذي نفذه آلاف المصريين، والذي نُشر على وسائل التواصل الاجتماعي من أمام منافذ بنوك عامة كبرى، تولى أصحاب الأموال النقدية الذين يرغبون في الإيداع تسليم أموالهم لأشخاص يبحثون عن السيولة، مقابل تحويل القيمة فوراً عبر تطبيق إنستاباي التابع للبنك المركزي أو المحافظ الإلكترونية منخفضة العائد لأقل من نصف بالمئة.

أثارت هذه الحلول الشعبية تحذيرات قانونية؛ إذ حذر منها المحامي الحقوقي خالد علي قائلاً: إن عمليات المقاصة وتبادل الأموال خارج الإطار المصرفي الرسمي قد تفتح الباب أمام مشكلات قانونية معقدة، موضحاً في بيان له أن نقل الأموال أو إجراء المقاصة المالية بين الأفراد خارج النظام المصرفي يمكن أن يُفسر قانونياً باعتباره نشاطاً مالياً غير مرخص، كما أن التعامل مع حسابات قد تكون مرتبطة بأشخاص مدرجين على قوائم "الكيانات الإرهابية" قد يجر أطرافاً حسني النية إلى مشكلات قانونية جسيمة. وقال المحامي الحقوقي: "الناس معذورة في ظل سقوط المنظومة الرقمية أو تعنّت البنوك، لكن من المهم الانتباه إلى أن بعض هذه الممارسات قد تُعرّض أصحابها لمساءلات قانونية لم يقصدوها".

وأكد خبيران يعملان في بنوك حكومية وأستاذ مالية عامة بجامعة القاهرة، لـ"العربي الجديد"، رفضوا ذكر أسمائهم، أن أزمة عيد الأضحى ليست مجرد مشكلة نقص سيولة عابرة، بل تحولت إلى اختبار عملي لمشروع الشمول المالي والتحول الرقمي في مصر؛ فبينما تتفاخر الأرقام الرسمية بانضمام أكثر من ثلاثة أرباع البالغين إلى المنظومة المالية الرسمية، أظهرت الطوابير الممتدة أمام ماكينات الصراف الآلي أن الثقة الحقيقية لا تُبنى بعدد البطاقات البنكية والمحافظ الإلكترونية فقط، بل بقدرة المواطن على الوصول إلى أمواله بسهولة وفي الوقت الذي يحتاجها فيه.

وفي جولات ميدانية لـ"العربي الجديد" بمراكز تجارية كبرى حول العاصمة خلال اليومين الماضيين، كشفت الأزمة عن جانب آخر يتعلق بمحدودية الثقة في أدوات الدفع الإلكتروني، رغم النجاحات الكبيرة التي حققها مشروع الشمول المالي على مدار الأعوام الأربعة الماضية؛ فبحسب بيانات البنك المركزي، ارتفعت نسبة الشمول المالي في مصر إلى 77.6% بنهاية 2025، وأصبح أكثر من 54 مليون مواطن داخل المنظومة المالية الرسمية، وارتفعت عام 2026 إلى نحو 61 مليون مستخدم، غير أن كثيراً من المواطنين ما زالوا يفضلون الاحتفاظ بالنقد الورقي.

وفي حديث مع منضمين لمبادرات الشمول المالي مؤخراً، أرجع مواطنون بحثهم عن السيولة إلى عدة أسباب، أبرزها الرسوم المفروضة على بعض المعاملات المالية، حيث تتراوح عمولات التحويل والسحب في بعض الخدمات بين 1.5% و1.7%، إضافة إلى رسوم السحب من بعض المنافذ البريدية أو المصرفية، والتي تتراوح ما بين 15 جنيهاً في البريد إلى 50 جنيهاً لكل معاملة بنكية. كما يشكو تجار وموزعون من بطء تسوية بعض المدفوعات الإلكترونية مع البنوك أو شركات الدفع الفوري والمحافظ المالية، مقارنة بالتعامل النقدي المباشر، خاصة خلال مواسم الذروة مثل الأعياد.

ويقول بائع الذهب في مدينة الجيزة، أحمد الرفاعي، لـ"العربي الجديد": إن كبار التجار بالصاغة والمصنعين يفضلون التعامل النقدي المباشر لأن سرعة دوران رأس المال خلال موسم العيد تصبح عاملاً حاسماً في إتمام الصفقات، حيث يجري تدوير رأس المال باليوم وليس بالأسبوع كما يحدث في الأيام العادية، مؤكداً أن عمليات المقاصة عبر بطاقات الائتمان تستغرق ما بين أسبوعين إلى شهر، وبالنسبة لشركات الدفع الفوري قد تمتد لستة أسابيع.

وبينما تراهن الدولة على التحول الرقمي، كشفت أزمة العيد أن البنية التشغيلية لا تزال تواجه تحديات كبيرة؛ فالتحول الرقمي لمنظومة التأمينات الاجتماعية، الذي استهدف تسهيل الإجراءات، وربط قواعد البيانات الحكومية، واجه خلال فترات الذروة ضغوطاً كبيرة أدت إلى بطء الخدمات، وتعطّل بعض عمليات الصرف، وسقوط المنظومة الرقمية التي تربط قاعدة بيانات المعاشات مع البنوك. وتحدث أصحاب معاشات لـ"العربي الجديد" عن "جيوب خاوية" بعدما واجهوا رسائل متكررة من نوع "المنظومة متوقفة" أو "الخدمة غير متاحة"، في وقت كانوا يحتاجون فيه إلى الأموال لتدبير احتياجات العيد.
إقتصاد | المصدر: العربي الجديد | تاريخ النشر : الثلاثاء 02 يونيو 2026
أحدث الأخبار (إقتصاد)
يمكنكم متابعة احدث اخبارنا عن طريق شبكات التواصل الاجتماعى المختلفة
facebooktwitterRss
®أخبار الصباح AkhbarAlsabah.com