
تعرضت جزيرة خارج الإيرانية أو "خارك" (التسمية الدارجة في البلد) الواقعة في شمال الخليج وعلى بعد نحو 483 كيلومتراً شمال مضيق هرمز، الليلة الماضية لهجمات أميركية عنيفة، وقد تطرق الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى هذه الهجمات، الأمر الذي يثير تساؤلات ملحة عن الهدف الأميركي من هذه الهجمات، ما إذا كانت تمثل بداية للسيطرة على الجزيرة التي تعد استراتيجية ومعقل تصدير النفط الإيراني، أو محاولة ضغط على طهران لفتح مضيق هرمز.
وذكرت وكالة "فارس" الإيرانية، نقلاً عن مصادر ميدانية، أن أكثر من 15 انفجاراً سُمعت في الجزيرة خلال الهجمات. وبحسب التقرير، حاولت الولايات المتحدة خلال هذه الضربات استهداف منظومات الدفاع الجوي التابعة للجيش الإيراني، وقاعدة "درياي جوشن" البحرية، وبرج مراقبة المطار، وحظيرة مروحيات شركة فلات القارة. كما أفادت مشاهدات ميدانية بتصاعد أعمدة كثيفة من الدخان من الجزيرة.
وأكدت "فارس" أن البنية التحتية النفطية في الجزيرة لم تتعرض لأي أضرار، مشيرة إلى أن إيران كانت قد حذرت مسبقاً من أن استهداف منشآتها للطاقة سيقابل برد يتمثل في إحراق وتدمير جميع البنى التحتية النفطية والغازية في المنطقة التي تستفيد منها الولايات المتحدة وحلفاؤها. وأضافت أن "الأعداء" كانوا قد أعلنوا سابقاً تدمير كامل منظومات الدفاع الجوي في الجزيرة، إلا أن استئناف نشاط الدفاعات بعد ساعات من الهجمات "دحض تلك المزاعم".
في المقابل، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن الجيش الأميركي "دمّر بشكل كامل" أهدافاً عسكرية في جزيرة خارج، التي تُعد المنفذ الرئيسي لصادرات النفط الخام الإيرانية، ملوحاً باستهداف بنيتها التحتية النفطية إذا عرقلت إيران حرية الملاحة في مضيق هرمز الاستراتيجي. في حين حذّر الجيش الإيراني من أنه سيحوّل البنى التحتية النفطية المرتبطة بواشنطن إلى "رماد" في حال استهداف الجزيرة.
وكتب ترامب على منصته "تروث سوشال": "لقد اخترت عدم تدمير البنية التحتية النفطية في الجزيرة، لكن إذا قامت إيران أو أي جهة أخرى بعرقلة حرية وسلامة مرور السفن عبر مضيق هرمز فسأعيد النظر في الأمر فوراً". وأضاف أن الجيش الأميركي "نفذ واحدة من أقوى الضربات الجوية في تاريخ الشرق الأوسط، ودمر كل هدف عسكري في جوهرة التاج الإيراني، جزيرة خارج".
والخميس الماضي، قال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، في منشور عبر منصة "إكس"، إن أي اعتداء على الجزر الإيرانية "سيكسر جميع القيود"، مؤكداً أن طهران "ستترك أي ضبط للنفس جانباً"، وأن القوات المسلحة الإيرانية "ستغرق الخليج بدماء المعتدين". كما شدد على أن "مسؤولية دماء الجنود الأميركيين تقع على عاتق ترامب شخصياً".
وطموح دونالد ترامب للسيطرة على جزيرة "خارج" ليس وليد اللحظة الراهنة في ظل الحرب الدائرة، بل تعود جذوره إلى عقود خلت، إذ كان قد أشار قبل نحو أربعين عاماً، في مقابلة مع صحيفة "ذا غارديان"، إلى احتمال السيطرة على هذه الجزيرة الإيرانية في حال تعرضت المصالح الأميركية لهجوم أثناء الحرب العراقية الإيرانية.
ماذا نعرف عن جزيرة خارج؟
تُعتبر جزيرة خارج واحدة من أهم الجزر الإيرانية في شمال الخليج، وتتمتع بأهمية استراتيجية قصوى لإيران بسبب وجود منشآت نفطية ضخمة تجعلها ركناً أساسياً في اقتصاد إيران وأمنها الطاقوي. وتقع الجزيرة على بعد نحو 38 كيلومتراً من ساحل بندر كنغان في محافظة بوشهر، في قلب طرق الطاقة في الخليج.
وتُعد خارج جزيرة مرجانية تبلغ مساحتها نحو 20 كيلومتراً مربعاً. ورغم صغر مساحتها، إذ يبلغ طولها نحو 8 كيلومترات وعرضها بين 4 و5 كيلومترات، فإنها تضم بنية تحتية نفطية واسعة. ويبلغ عدد سكانها أكثر من ثمانية آلاف نسمة، وتضم فرعاً لجامعة "الحرة" الإسلامية الإيرانية المتخصص في العلوم والتقنيات البحرية، ومن أبرز تخصصاته النفط والملاحة البحرية. وتتميز بوجود الحياة البرية فيها، حيث تنتشر قطعان الغزلان إلى جانب المنشآت النفطية، وقد ازداد عددها خلال السنوات الماضية بما يفوق القدرة الاستيعابية للجزيرة.
وتكمن الأهمية الاقتصادية الكبرى للجزيرة في كونها المحطة الرئيسية لتصدير النفط الإيراني، إذ جرى اختيارها بسبب قربها من حقول النفط الجنوبية وعمق مياهها المناسب لرسو ناقلات النفط العملاقة. لذلك تُعد خارج مركزاً أساسياً لتخزين النفط الخام وتصديره. وقال المدير التنفيذي لشركة موانئ النفط الإيرانية، عباس أسدروز، في 17 مايو/أيار 2025، خلال زيارة إلى جزيرة خارج، إن ميناء خارج يُعد أكبر وأكثر موانئ تصدير النفط تجهيزاً في إيران، ويُعتبر القلب النابض لصادرات النفط الإيرانية، حيث يُصدر عبره أكثر من 90% من النفط الإيراني المتجه إلى الأسواق العالمية.
ويقع حقل أبوذر النفطي، أكبر مجمع نفطي بحري في إيران، على بعد نحو 75 كيلومتراً غرب الجزيرة، ويضم ثلاث منصات إنتاج رئيسية بطاقة تصل إلى 80 ألف برميل يومياً لكل منصة، بينما يقع مصنع معالجة النفط الخاص بالحقل في جزيرة خارج. كما تضم الجزيرة أكثر من 40 خزاناً لتخزين النفط الخام بسعة تتجاوز 20 مليون برميل، وفقاً لشركة موانئ النفط الإيرانية، حيث يُنقل النفط المستخرج من مناطق جنوب إيران عبر خطوط أنابيب بحرية إلى هذه الخزانات قبل تصديره.
وتضم الجزيرة أيضاً رصيفين رئيسيين للتحميل شرقها وغربها. وبدأ بناء مرافق تحميل النفط وخزانات التخزين عام 1958 بعد توقيع عقد مع كونسورتيوم النفط. ويستطيع الرصيف الشرقي، المصمم على شكل حرف T، استقبال ست ناقلات نفط في الوقت نفسه بسعة تصل إلى 275 ألف طن، بينما يضم رصيف "آذرباد" في الجهة الغربية أربعة مراسٍ يمكنها استقبال ناقلات تصل حمولتها إلى 500 ألف طن. كما تحتوي الجزيرة على مختبر كيميائي متخصص لمراقبة جودة النفط الخام بشكل مستمر، وتعمل فيها أيضاً شركة بتروكيميائيات خارج التي تهدف إلى الاستفادة من الغازات المصاحبة لاستخراج النفط وتحويلها إلى منتجات ذات قيمة بدلاً من حرقها.
وتحولت الجزيرة، بفضل هذه البنية التحتية الضخمة، إلى نقطة محورية في مسارات الملاحة وتجارة النفط الإيرانية، إذ تمر عبرها النسبة الأكبر من صادرات البلاد النفطية، ما يجعلها بمثابة الشريان الرئيسي لاقتصاد النفط الإيراني. ولم تقتصر أهمية خارج على الجانب الاقتصادي فحسب، بل كان لها دور بارز في التاريخ المعاصر لإيران. ففي أثناء الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات تعرضت الجزيرة لنحو 2800 هجوم، إلا أن صادرات النفط منها لم تتوقف واستمرت عمليات تشغيل الميناء النفطي رغم القصف المتكرر.
وقبل الحرب التي استمرت 12 يوماً في شهر يونيو/حزيران الماضي، طُرح اسم الجزيرة كأحد الأهداف المحتملة لإسرائيل. وقد تجدد الحديث عنها عندما دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق يائير لابيد، في منشور على منصة "إكس"، إلى تدمير حقول النفط وصناعة الطاقة الإيرانية في جزيرة خارج، معتبراً أن ذلك قد يؤدي إلى انهيار اقتصاد إيران.
وفي السياق نفسه، دعا السيناتور الجمهوري الأميركي ليندسي غراهام إسرائيل إلى "الدقة في اختيار الأهداف"، قائلاً إن الاقتصاد النفطي الإيراني يمثل عاملاً أساسياً في أي سيناريو لتغيير النظام. كما ذكر موقع "أكسيوس" الأميركي، في تقرير نشره في السابع من مارس، أن مسؤولين أميركيين ناقشوا فكرة السيطرة على جزيرة خارج.
وأوضح المدير التنفيذي لشركة موانئ النفط الإيرانية، عباس أسدروز، في تصريحاته أثناء زيارته لجزيرة خارج في 17 مايو/أيار 2025، أن الموقع الجيوسياسي لجزيرة خارج في الخليج، وقربها من الحقول الرئيسية لإنتاج النفط، إضافة إلى عمق مياهها المناسب لرسو ناقلات النفط العملاقة، فضلاً عن امتلاكها بنية تحتية متقدمة في مجالات التخزين والتحميل والتصدير، جعلت هذا الميناء من دون منافس على مستوى المنطقة، وفقاً لوكالة "مهر" الإيرانية.
وأشار أسدروز إلى أن الميناء يتمتع بجهوزية تشغيلية كاملة رغم التحديات، مؤكداً أن مرافقه، التي تشمل خزانات تخزين كبيرة، وأرصفة تصدير، وأنظمة قياس دقيقة، وأنظمة تحكم ذكية، إضافة إلى القدرة على تحميل عدة ناقلات نفط في الوقت نفسه، تتيح الحفاظ على استقرار تدفق صادرات النفط في مختلف الظروف.
وأضاف أن مهام شركة موانئ النفط الإيرانية لا تقتصر على عمليات التحميل، بل تشمل أيضاً صيانة المنشآت وإجراء الإصلاحات الأساسية، وإدارة شؤون البيئة والدفاع غير العسكري، وتقديم الخدمات المينائية، والسلامة والإطفاء، وتأمين المياه والطاقة، فضلاً عن التنسيق مع شركات الإنتاج والجهات الحكومية المعنية. كما كشف عن تنفيذ مشاريع تطويرية تشمل زيادة سعة التخزين، وتحديث خطوط النقل، وتطوير الأرصفة، والاستفادة من التقنيات الحديثة، بهدف تعزيز مرونة الموانئ التشغيلية وضمان جاهزيتها لمختلف سيناريوهات التصدير.
وأكد أسدروز أن موانئ النفط الإيرانية تؤدي دوراً استراتيجياً في أمن الطاقة للبلاد، وتقف في الخط الأمامي لتنفيذ سياسات وزارة النفط وشركة النفط الوطنية الإيرانية، مشدداً على أنها قادرة، بالاعتماد على الكفاءات الوطنية والخبرات المحلية، على مواصلة تصدير النفط بشكل متواصل وبأعلى معايير السلامة والجودة. ووصف جزيرة خارج بأنها ليست مجرد ميناء تشغيلي، بل مركز استراتيجي وطني في قطاع الطاقة، يلعب دوراً حيوياً لا يمكن الاستغناء عنه في تعزيز قدرة إيران على الحفاظ على استمرارية صادراتها النفطية.