
تحولت فعالية صلاة التراويح الجماعية في ميدان "تايمز سكوير" بمدينة نيويورك خلال شهر رمضان، من نشاط ديني واجتماعي مفتوح إلى هدف لحملة تحريض رقمية ممنهجة.
وقادت هذه الحملة حسابات يمينية وأخرى داعمة لإسرائيل، سعت إلى تشويه الفعالية وترويجها على منصات التواصل الاجتماعي باعتبارها "احتلالا للمكان" و"أسلمة لأمريكا".
وتتبعت "وحدة المصادر المفتوحة" بالجزيرة مسار هذا التفاعل على منصة "إكس"، لتكشف كيف هندست هذه الحسابات سردية الكراهية، ونقلت الحدث من سياقه الطبيعي إلى مادة للتعبئة عبر سلسلة منشورات متطابقة في الصياغة والخطاب.
شبكة التحريض.. تزييف وتضخيم
بدأ مسار التضليل عندما التقطت حسابات يمينية وإسرائيلية مقاطع مصورة عفوية توثق صلاة التراويح في الميدان الشهير، وأعادت نشرها مرفقة بتوصيفات تحريضية لسحب الشرعية من هذا التجمع.
ونشر حساب ("Vivid" مقطعا مصورا مع تعليق وصف الحدث بأنه "احتلال للميدان"، متسائلا عما إذا كان الأمريكيون يقبلون بذلك، في خطاب يربط بين الوجود الديني للمسلمين وفكرة السيطرة على الفضاء العام.
كما أعاد حساب "Dr. Maalouf" نشر مقطع آخر متسائلا عن سبب الصلاة في الشوارع رغم وجود مئات المساجد بنيويورك، في صياغة تستخدم عادة لنزع الشرعية من التجمعات الدينية العامة.
أما حساب "Chaya’s Clan" فذهب إلى أبعد من ذلك، متحدثا عن "بداية أسلمة أمريكا"، بينما ربطت حسابات أخرى الحدث بخطاب الخوف الثقافي، واعتبرته مؤشرا مقلقا لنيويورك.
ولضمان توسيع دائرة الانتشار، شاركت شبكة من الحسابات المؤثرة أبرزها "Eli Afriat"، و"JewishWarrior13″، و"Mario Nawfal"، و"Bubblebathgirl"، و"YossiBenYakar"، و"TheBritishIntel" في إعادة تدوير المقاطع ذاتها تقريبا.
واستخدمت هذه الحسابات عناوين متشابهة تصف الحدث بـ"الاستيلاء" أو "السيطرة"، مما دفع السردية التحريضية نحو جمهور أوسع، وأضفى طابعا صداميا على حدث رمضاني علني ومنظم.
فعالية سنوية
تكشف المعطيات الميدانية والمنشورات التحضيرية واقعا مختلفا تماما، فبحسب الدعوات التي نشرها منظمو الحدث عبر حساب "Wayoflifesq" على منصة إنستغرام، كانت الفعالية معلنة ومجدولة مسبقا بوصفها تجمعا دعويا واجتماعيا يتضمن إفطارا جماعيا وصلاة في قلب نيويورك.
ووصف الإعلان الدعائي الحدث بأنه "أكبر فعالية دعوية في العالم لليلة واحد"، وبالفعل، شهد التجمع مشاركة مئات المسلمين، وجرى خلاله توزيع نحو 1500 وجبة إفطار مجانية بالشراكة مع جهات مجتمعية وتجارية، إضافة إلى توزيع 1200 نسخة من القرآن الكريم بلغات مختلفة. وقد جذب هذا المشهد المنظم اهتمام السياح والمارة الذين توقفوا للتفاعل معه وتصويره.
ولا يُعد هذا الحدث مفاجئا أو استثنائيا كما حاولت الحملة تصويره؛ إذ تُشير المعطيات إلى أن أول إفطار جماعي في تايمز سكوير أُقيم عام 2022، وتحول منذ ذلك الحين إلى فعالية سنوية معتادة خلال شهر رمضان.
أسلوب الحملة.. هندسة الكراهية
يُظهر تحليل الخطاب نمطا متكررا في حملات التحريض ضد المسلمين، يعتمد على شيطنة الفعاليات الدينية وتصويرها على أنها تهديد للمجتمع، وقد تجلى ذلك بوضوح في استخدام ألفاظ مشحونة عاطفيا مثل "احتلال"، و"استيلاء"، و"أسلمة"؛ بهدف إثارة فزع المتلقي وتغييب الوصف المحايد للحدث.
وتكتيكيًّا، تعمدت الحسابات المُحرضة إعادة تدوير المقاطع المصورة ذاتها بعناوين مختلفة؛ لإيجاد انطباع زائف بوجود "أزمة عامة" أو حدث استثنائي خطير، متجاهلة تماما التنظيم المسبق للفعالية وسياقها الرمضاني المعتاد والمُعلن.
ويكشف مسار النشر أن الهدف لم يكن الحدث بحد ذاته، بل استغلاله لإعادة إنتاج خطاب الكراهية. فمن خلال التضخيم اللفظي والتلاعب بالسياق، حُوِّلت فعالية دينية سلمية إلى مساحة استقطاب صدامية تخدم أجندات أيديولوجية واضحة.
جذور التحريض.. "شبكة الإسلاموفوبيا"
وفي سياق متصل، كان مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (كير – CAIR) قد حذر في تقارير سابقة من خطورة ما يُعرف بـ"شبكة الإسلاموفوبيا"؛ وهي تكتل لامركزي يضم منظمات وأفرادا يجمعهم فكر قائم على العداء الشديد للمسلمين، ويعملون بتنسيق مشترك للتأثير سلبًا في الرأي العام والسياسات الحكومية اتجاه الإسلام والمسلمين في الولايات المتحدة.
وأوضح تقرير "كير" أن ملايين الدولارات تُضخ لتمويل هذه الشبكة بهدف نشر الخوف والكراهية ودعم السياسات المناهضة للمسلمين، مستخدمة في ذلك الأدوات القانونية ومجموعات الضغط (اللوبيات) لخدمة جماعات كراهية ذات أجندات خاصة.
كما سلط المجلس الضوء على الدور الإسرائيلي في تغذية هذا الخطاب، مشيرا إلى الميزانيات الضخمة التي تخصصها إسرائيل ضمن ما تسميه "حرب الوعي"، وتدعم هذا التوجه وثائق مُسربة عام 2025 من إحدى شركات العلاقات العامة، كشفت أن جزءا أساسيا من هذه المساعي يتركز على اصطناع حالة من الخوف العام من المسلمين.
وتعتمد حملة الكراهية هذه على أدوات متطورة، من بينها توظيف الذكاء الاصطناعي لإنتاج آلاف الإعلانات التحريضية شهريا، فضلا عن توجيه مؤثري منصات التواصل الاجتماعي للترويج لمحتوى داعم لإسرائيل ومعادٍ للمسلمين عبر الفضاء الرقمي.