
مع اقتراب شهر رمضان المبارك، يعود القلق المعيشي ليخيّم على الأسر اللبنانية، التي تستقبل هذا الموسم الروحي في ظل واقع اقتصادي خانق لم يخرج منه لبنان منذ سنوات. فبين تدهور الليرة اللبنانية، وضعف النمو، واستمرار الأزمة المصرفية، تتآكل القوة الشرائية للبنانيين يوماً بعد يوم، لتتحول الاستعدادات الرمضانية من أجواء اجتماعية جامعة إلى عبء اقتصادي إضافي. ومع الارتفاع الموسمي المعتاد في أسعار السلع الغذائية، تتعمق معاناة العائلات التي لم تلمس أي تحسن في مستويات الدخل أو الأجور، ما يجعل شهر الصوم اختباراً جديداً لصمودها وقدرتها على التكيف مع واقع معيشي يزداد قسوة.
وتظهر بيانات رسمية وتقارير ميدانية استمرار التضخم الغذائي، مع تسجيل ارتفاعات ملحوظة في أسعار اللحوم الحمراء والخضار والفواكه قبيل حلول رمضان، وسط توقعات بزيادات إضافية تتراوح عادة بين 10 و15% خلال الشهر المبارك، نتيجة زيادة الطلب على بعض المواد.
كلفة المعيشة في لبنان ضمن الأعلى عالمياً
ويصنف لبنان اليوم ضمن الدول الأكثر كلفة في المنطقة، بل وعلى مستوى العالم أيضاً. وقد حلت بيروت في المرتبة السابعة على صعيد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤشر كلفة المعيشة لعام 2025، مسجلة 42.4 نقطة، وفي المرتبة 168 عالمياً، بحسب قاعدة البيانات العالمية "نومبيو". وأفاد تقرير صدر عن البنك الدولي مؤخراً بعنوان "المرصد الاقتصادي للبنان – ربيع 2025 "، بأن معدل التضخم المرتفع في لبنان يعكس عبئاً متزايداً على إنفاق الأسر وارتفاع كلفة المعيشة.
ويتوقع أن ينخفض معدل التضخم إلى حوالى 15.2% في عام 2025، لكن هذا الرقم لا يزال أعلى من المعدلات العالمية ويعني أن الأسعار ما زالت مرتفعة. وحسب إدارة الإحصاء المركزي في لبنان، بلغ التضخم السنوي حوالى 14.8% في سنة 2025، وهي نسبة أقل بكثير من سنوات الأزمة السابقة (كانت 45.24% في 2024، و221.34% في 2023)، وتشير إلى تباطؤ التضخم لكنه ما زال مرتفعاً؛ لأنه لم يترافق مع زيادة وتحسين الرواتب والأجور.
ويعد الانهيار المالي الذي بدأ في أكتوبر/تشرين الأول 2019، عاملاً أساسياً وراء هذه الضغوط، إذ فقدت الليرة اللبنانية أكثر من 98% من قيمتها في ظل غياب سياسات دعم اقتصادي واضحة، كما تجاوزت كلفة المعيشة اليومية قدرة شرائح واسعة من السكان على تأمين متطلبات الحياة الأساسية، كذلك ساهم تجميد الودائع المصرفية وتآكل القوة الشرائية في توسيع الفجوات الاجتماعية والاقتصادية، ما أدى إلى تغيّر أنماط الاستهلاك.
وفي الوقت نفسه، تقلصت الطبقة الوسطى إلى مستويات غير مسبوقة، وهاجر عشرات الآلاف من الشباب بحثاً عن فرص عمل وحياة كريمة. ورغم الزيادات المتعدّدة على الحد الأدنى للأجور منذ عام 2023، فإنّ معظمها كان رمزياً، إذ لم تلتزم العديد من المؤسسات الخاصة بتطبيقها. ونتيجة لذلك، بات الحد الأدنى للأجور مرتفعاً شكلياً بالليرة اللبنانية، لكنه شبه معدوم القيمة عند احتسابه بالدولار أو مقارنة بسلة الاستهلاك الفعلية.
وبحسب برنامج الأغذية العالمي، بلغت كلفة "سلة الغذاء للبقاء" لعائلة من خمسة أفراد نحو 44.2 مليون ليرة لبنانية (492 دولاراً) في شهر مايو/أيار الماضي، مسجلة زيادة بنسبة 8.2% في 5 أشهر. ويشير خبراء اقتصاديون إلى أن الحد الأدنى للأجور لا يغطي سوى أقل من 30% من الاحتياجات الأساسية، ما يسلط الضوء على أزمة دخل حادة لا تقل خطورة عن تحدي ارتفاع الأسعار. وعلى الرغم من استقرار سعر الصرف عند حدود 89,500 ليرة للدولار الواحد وتراجع معدل التضخم السنوي إلى نحو 15%، لا تزال أسعار المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية مرتفعة على نحوٍ ملحوظ.
ارتفاع أسعار موسمي في شهر رمضان
وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي وعضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان، أنيس أبو ذياب، لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، إنّ الأسر والعائلات اللبنانية تواجه صعوبة كبيرة في التكيف مع الارتفاع الحاد في الأسعار خلال شهر رمضان، ولا سيّما مع الزيادات التي تسبق حلول الشهر المبارك في أسعار اللحوم الحمراء والخضار والفواكه، ولفت إلى أنّ أسعار السلع الغذائية تشهد عادة ارتفاعات إضافية.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن حلول شهر رمضان هذا العام يأتي في ظل عدم إقرار أي تحسينات على الرواتب والأجور من الحكومة اللبنانية، رغم إقرار موازنة العام 2026، كما كان منتظراً، وذلك بالتزامن مع استمرار أزمة الودائع ومشاكل القطاع المصرفي، ما يزيد من الأعباء المعيشية على المواطنين. وأضاف أن الأسر اللبنانية، وكعادتها خلال الأعوام الماضية، ولا سيّما منذ عام 2019، ستحاول التكيف مع هذه الظروف من خلال الاستفادة من تحويلات المغتربين، في ظل وجود مغترب في معظم البيوت اللبنانية، إلى جانب الدور الذي تؤديه المؤسسات الاجتماعية والخيرية.
وأكد أن الطقوس الدينية والعادات الرمضانية تحتل أهمية كبيرة في حياة الأسر اللبنانية، ما يدفعها إلى محاولة الحفاظ على الموائد الرمضانية بالحد الممكن، رغم الصعوبات المتزايدة في التكيف مع ارتفاع أسعار السلع الغذائية ومعدلات تضخم تجاوزت 15%، منوهاً بأهمية التكاتف العائلي والاجتماعي بوصفه أحد أبرز أشكال الصمود، معتبراً أن التضامن بين اللبنانيين يبقى باباً أساسياً من أبواب التكافل الاجتماعي.
تآكل القوة الشرائية للأسرة اللبنانية
في هذا السياق، أكدت الباحثة الاقتصادية محاسن مرسل، أنّ الأسر اللبنانية تواجه صعوبات متزايدة خلال شهر رمضان، رغم تراجع معدلات التضخم في لبنان منذ عام 2024 من نحو 45% إلى قرابة 15%. ولفتت مرسل إلى استمرار تآكل القوة الشرائية لدى المواطن اللبناني، والذي يتفاقم خلال شهر رمضان نتيجة الإقبال الكثيف على شراء المواد الغذائية، ما يستدعي، بحسب قولها، تشديد الرقابة من وزارة الاقتصاد والجهات المعنية، وتطبيق القوانين المتعلقة بحماية المستهلك، إلى جانب تشجيع المنافسة المشروعة بين التجار.
كما أشارت محاسن مرسل إلى ارتفاع تكاليف السفر خلال شهر رمضان في لبنان من عام إلى آخر، مشدّدة على ضرورة التشدد في اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المخالفين، ولا سيّما في ما يتعلق بالزيادات غير المبرّرة في الأسعار التي لا تتناسب مع هامش الربح المسموح به. وأكدت أن الأسر اللبنانية تعاني منذ نحو ستّ سنوات، منذ اندلاع الأزمة الاقتصادية والمالية في عام 2019، من تراجع حاد في قدرتها الشرائية، في ظل عدم تصحيح الرواتب والأجور، ولا سيّما لدى الطبقة الوسطى، بما يعيدها إلى مستويات ما قبل الأزمة.