Akhbar Alsabah اخبار الصباح

كواليس المضاربة في تذاكر كأس إفريقيا 2025

تذاكر كأس إفريقيا مع انطلاق منافسات كأس أمم إفريقيا 2025 في المغرب، تحولت تذاكر المباريات إلى سلعة نادرة أشعلت موجة من المضاربات غير القانونية، في ظل الإقبال الجماهيري الكبير على حضور البطولة القارية، وفتح هذا الطلب المرتفع الباب أمام شبكات تستغل الفضاء الرقمي لبيع التذاكر بأسعار خيالية، مستفيدة من تعطش المشجعين لمتابعة المباريات من المدرجات.

وأوقفت السلطات المغربية 118 شخصًا على خلفية تورطهم في بيع تذاكر مباريات البطولة بأسعار تفوق قيمتها الحقيقية بأضعاف، بعد رصد عشرات الإعلانات المشبوهة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تأتي هذه الإجراءات بالتزامن مع استمرار منافسات النسخة الـ35 من كأس أمم إفريقيا، التي انطلقت في 21 كانون الأول / ديسمبر وتختتم في 18 كانون الثاني / يناير، بمشاركة 24 منتخبًا من مختلف القارة الإفريقية.

ووتبع "عربي21" مسارات بيع التذاكر خارج القنوات الرسمية، ليكشف كواليس الظاهرة التي أثارت جدلًا واسعًا بين الجماهير، حيث قال المشجّع المغربي، عثمان علاوي، في سرد تجربته في محاولة الحصول على تذكرة لحضور مباريات كأس إفريقيا، المنظّمة في المغرب، "عندما علمتُ، بعد الإعلان عن بدء طرح التذاكر على موقع الكاف على شكل دفعات، حاولتُ في المرة الأولى اقتناء تذكرة، لكن لم أكن أتوفر على بطاقة Fan ID" هكذا انطلق

وتابع عثمان بالقول: "قمت بتثبيت تطبيق "يلا للمشجعين"، غير أن تفعيل الحساب استغرق حوالي أسبوعين لأسباب تقنية، حسب ما أخبرني به أحد أفراد فريق الدعم بعد تواصلي معهم".

"حاولت مجدّدا شراء تذكرة خلال الدفعة الثالثة والأخيرة، استيقظتُ باكرا، وانتظرت في طابور إلكتروني لأكثر من ست ساعات دون إغلاق المتصفح، لكن عند دخولي المنصة ومحاولتي اقتناء تذكرة لإحدى مباريات أسود الأطلس، ظهر أن جميع التذاكر الخاصة بالمباريات التي ستُجرى في ملعب مولاي عبد الله، حتى في الأدوار القادمة، قد تم بيعها" وفقا للمشجّع نفسه.

عقب ساعات قليلة من فتح منصّات البيع الرسمية لتذاكر مباريات كأس الأمم الإفريقية، تمّ الإعلان عن "نفاد التذاكر"، غير أنّ اختفاءها من المنصّات لم يعنِ اختفاءها من السوق، حيث سرعان ما ظهرت على صفحات ومجموعات بمواقع التواصل الاجتماعي، معروضة للبيع بأسعار خيالية تجاوزت في بعض الحالات 250 دولارا للتذكرة الواحدة.

في هذا التحقيق، تتتبّع "عربي21" مسار تذاكر كأس أمم إفريقيا من منصّات البيع الرسمية إلى السوق السوداء، كاشفةً كيف تحوّلت فرحة جماهيرية إلى سلعة محتكرة، في ظل تساؤلات متصاعدة حول آليات المراقبة، وحدود المسؤولية، وانعكاسات ذلك على حقّ المشجّعين وصورة تنظيم البطولة القارية.

وينطلق التحقيق من فرضية مفادها أنّ غياب آليات تقنية وقانونية صارمة لضبط عملية بيع التذاكر، فتح المجال أمام مضاربة منظّمة، حوّلت التذكرة من حقّ جماهيري مشروع إلى أداة للربح غير المشروع.

نفاد رسمي… ووفرة مريبة

عثمان، أكّد في حديثه لـ"عربي21": "حاولتُ البحث عن تذكرة عبر مجموعات "فيسبوك"، لكنني فوجئت بأسعار باهظة. تذكرة ثمنها 100 درهم (نحو 10 دولار) تُباع بأكثر من 1500 درهم (نحو 150 دولار)، وأحيانا بأكثر من ذلك. وبهذا حُرمتُ، كما حُرم كثير من المغاربة، من فرصة مشاهدة منتخبهم الوطني وهو ينافس في كأس أمم إفريقيا المنظمة في بلدهم".

وبحسب عثمان، ومثله عدد من الشباب الذين تواصلت معهم "عربي21" فإنّ هذا الوضع: "يعود إلى سوء تنظيم عملية البيع، إذ لم يتم وضع آليات أو حواجز تمنع إعادة بيع التذاكر، وهي خاصية متوفّرة في منصات أخرى لكنها غير موجودة هنا".

وفي ختام حديثه، مضى عثمان بالقول: "أمام هذا الواقع، اضطررتُ إلى البحث عن طريقة لأعيش أجواء الحماس والتشجيع، وبما أنني شغوف بكرة القدم، وجدتُ أن بعض مباريات الجزائر وتونس ستُجرى في الرباط، وهي الأقرب إليّ. فتمكنتُ من إيجاد تذاكر متاحة واقتنائها، في محاولة لسرقة بعض من تلك الأجواء الكروية الفريدة، التي قد لا تتكرر إلا بعد حين".

تجربة عثمان لم تكن استثناء. عشرات الشهادات المتشابهة رصدتها "عربي21" عبر منشورات وتعليقات على "فيسبوك" و"إنستغرام"، لمشجعين يؤكدون أنهم لم يتمكنوا من إتمام عملية الشراء رغم محاولات متكررة، في وقت قياسي لا يتناسب -بحسبهم- مع عدد التذاكر المطروحة. فيما انتهى مصير البعض منهم بالنّصب عليه، أو محاولة النصب عليه.

وفي محاولة لفهم آلية السوق السوداء من الداخل، تواصلت "عربي21" مع أحد الباعة، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته، والذي روى لنا : "كانت فرصة مميزة لتحصيل أرباح جيدة، جهّزنا الآليات الرقمية قبل الإطلاق الرسمي للتذاكر بأيام، ودرسنا السوق، وعرفنا ما هي المباريات المهمة".

وأضاف البائع نفسه، خلال اتّصال عبر موقع التواصل الاجتماعي "انستغرام" أنّ: "المضاربة على التذاكر تتم وفق خطط مدروسة مسبقا، تعتمد على معرفة أوقات فتح المنصات الرسمية وأيام المباريات الأكثر متابعة"؛ وهو ما جعلهم يحوّلون التذاكر من: منتج بسعر رسمي محدود إلى أداة للربح المضاعف.

من داخل السوق السوداء.. كيف تُدار المضاربة؟

قبل خمسة أيّام من انطلاق أولى مباريات كأس الأمم الإفريقية التي خاضها المنتخب المغربي، حاولت معدّة التحقيق، اقتناء تذكرة لمباراة المغرب أمام زامبيا، وهي ثالث مباراة لـ"أسود الأطلس" في دور المجموعات، والتي أُجريت يوم 29 كانون الأول / ديسمبر، التذكرة كانت من الفئة الثانية، ويبلغ سعرها الرسمي 150 درهما (نحو 15 دولار).

غير أنّ المحاولة لم تتم عبر المنصّة الرسمية، بل من خلال السوق السوداء، حيث عُرضت علينا التذكرة بثمن بلغ 1000 درهم (نحو 100 دولار)، أي ما يقارب سبعة أضعاف السعر الأصلي، وحين بادرنا إلى طلب تخفيض الثمن، قوبل الطلب بالرفض، في إشارة إلى أنّ: "السعر ثابت وغير قابل للتفاوض".
ويكشف تتبّع تطوّر العرض، خلال الأيام التي تلت، أنّ السعر لم يكن حدًّا أقصى، بل مجرّد مرحلة أولى. ففي يوم المباراة نفسه، رصد التحقيق عبر "ستوريات" على موقع التواصل الاجتماعي "إنستغرام" عروضا جديدة للتذكرة ذاتها، موجّهة لمشجّعين آخرين، لكن بأسعار أعلى. بعض الباعة دخلوا في مفاوضات على مبالغ تراوحت بين 2000 و2500 درهم (نحو 200 إلى 250 دولار) للتذكرة الواحدة، مستفيدين من عامل الوقت واقتراب موعد صافرة البداية.

هذا التفاوت الزمني في الأسعار، خلال أقل من أسبوع، قدّم نموذجا عمليا لكيفية اشتغال السوق السوداء لتذاكر كأس إفريقيا، حيث تتحوّل التذكرة من منتج بسعر محدّد إلى أداة مضاربة، ترتفع قيمتها كلما تقلّص هامش الخيارات أمام المشجّعين، في غياب آليات فعّالة للضبط أو منع إعادة البيع.

ولم تكن هذه التجربة معزولة، إذ تبيّن لـ"عربي21" أن الممارسات ذاتها أثارت موجة غضب وانتقادات متصاعدة عبّر عنها نشطاء ومشجّعون عبر خاصيّتَي "القصص" (ستوريات) ومقاطع الفيديو القصيرة (ريلز) على موقع التواصل الاجتماعي "إنستغرام".

وتداول مستخدمون لقطات شاشة لإعلانات تعرض تذاكر المباريات بأسعار مضاعفة، مرفقة بتعليقات تندّد بما وصفوه بـ"السمسرة المقنّعة" و"الإقصاء المتعمّد" للجماهير ذات الدخل المحدود، محمّلين الجهات المنظّمة مسؤولية ما اعتبروه غيابا للرقابة وآليات الضبط، في وقت يُفترض فيه أن تكون البطولة مناسبة شعبية جامعة لا مجال فيها للمضاربة والاحتكار.

السوق السوداء: العلن بلا خوف

منذ اليوم الأول من انطلاق مباريات كأس إفريقيا، في المغرب، وثّقت "عربي21" عبر هذا التحقيق عشرات المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، تعرض تذاكر مباريات كأس الأمم الإفريقية للبيع، مع تحديد الفئة، والمدرج، بل وأحيانا رقم المقعد.

فيما تتراوح الأسعار بين ضعفين إلى خمسة أضعاف السعر الرسمي، وتُقدَّم العروض بصيغة "فرصة محدودة" أو "آخر تذاكر متوفرة"؛ هناك حسابات أبرزت توفّرها على كميات كبيرة من التذاكر، وتودّ بيعها بسعر "معقول"، لكنّها بهذا العرض "المغري" كانت تبسط الطريق لعمليات نصب وُصفت بـ"المنظمة" حسب عدد من المتحدّثين لـ"عربي21".

كذلك، خلال رصد التحقيق لمواقع التواصل الاجتماعي، ظهرت مجموعة من الحسابات التي نشرت عروضا لبيع التذاكر بأسعار مضاعفة وبعد البحث والتحقق، تبين أن هذه الحسابات ليست سوى وسيلة للنصب، حيث يطلب أصحابها تحويل الأموال مقدما مقابل تذاكر لن تُسلّم لاحقا، أو لا يملكون أي تذاكر أصلا. وثّق التحقيق عدة محاولات احتيال من هذا النوع، ما يبرز مدى استغلال السوق السوداء لغياب آليات فعّالة للرقابة، ويزيد من إحباط المشجعين الذين يسعون لمتابعة البطولة بطريقة قانونية وآمنة.

المشجع المغربي، حمزة، واحد من الشباب الذين تعرّضو لمحاولات نصب، بمثل هذه الطريقة، أورد في حديثه لـ"عربي21": "عدد من المغاربة المقيمين في الخارج، أو الأجانب من الفرنسيين خصيصا، يعلنون توفّرهم على عدّة تذاكر، وراغبين في بيعها بضعف ثمنها الأصلي فقط، شريطة توصّلهم بالمال عن طريق "بايبال" أو تحويل عبر الخارج".

وتابع: "حين ترى الأمر هكذا، تقول من الجيّد أنني سأشتري تذكرة بسعر مقبول، فأحوّل المال، ليطول انتظار التوصّل بها، وحين تتّصل تجد نفسك في قائمة البلوك"، مردفا في الوقت نفسه: "بعض الحسابات تنشر الإعلانات بشكل متكرر، ما يرجّح أنها لا تبيع تذكرة واحدة حصلت عليها بالصدفة، بل تمتلك مخزونا معتبرا، أو أنّها شبكة منظّمة هدفها النصب فقط".

إلى ذلك، بحسب تتبع "عربي21"، فإنّ: غياب أي آلية تقنية تمنع إعادة بيع التذاكر، أو تربطها بشكل صارم بهوية المشجع داخل الملعب، يطرح جُملة تساؤلات مباشرة حول مسؤولية الجهة المشرفة على عملية البيع، وحدود الرقابة التي رافقت تنظيم أحد أكبر الأحداث الكروية في القارة.

وكان الاتحاد الإفريقي لكرة القدم "كاف"، قد أبرز أنّه تمّ بيع أكثر من 250 ألف تذكرة حتى الآن، نصفها تقريبا من خارج القارة، وفي مقدمتها فرنسا التي سجّلت وحدها أكثر من 109 آلاف تذكرة. ولم يسبق أن أثارت بطولة إفريقية هذا القدر من الحماسة بين الجاليات المقيمة في أوروبا.

من باريس إلى ليون، ومن ليل إلى مرسيليا، تجد الجاليات السنغالية والمغربية والإيفوارية والكونغولية والجزائرية تشدّ الرحال نحو المغرب. وإلى جانب فرنسا، جاءت بلجيكا (7046 تذكرة)، هولندا (5958)، بريطانيا (5127) وكندا (3849) ضمن أبرز الدول التي أقبلت جماهيرها على شراء التذاكر، وهو ما يعكس مكانة البطولة كحدث جامع يتجاوز حدود القارة.

"سرقوا منّا الفرحة"

رغم تشديد الإجراءات الأمنية وتكثيف المداهمات ضد المضاربة غير القانونية على تذاكر كأس أمم إفريقيا، تُظهر الوقائع الميدانية أنّ هذه الممارسات لا تزال مستمرة. فقد أعلنت مصادر أمنية عن توقيف مشتبه فيه بمدينة أكادير، بعد رصد منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي تعرض التذاكر للبيع خارج القنوات الرسمية، حيث عُثر بحوزته على تذاكر ومبالغ مالية يُشتبه في كونها من عائدات هذا النشاط.

ويستمر عرض التذاكر على المنصات الرقمية، بالتوازي مع هذه التدخلات رغم سلسلة العمليات الأمنية التي شملت مدنًا مغربية عدة، وأسفرت عن توقيف عدد من المتورطين،ما يثير تساؤلات حول نجاعة المقاربة الأمنية وحدها، في ظل ثغرات تنظيمية وتقنية ما تزال تغذّي السوق السوداء وتُقصي شريحة واسعة من الجماهير.

وبالنسبة لكثير من المشجّعين، مغاربة وغيرهم، لم تكن القضية مجرد غلاء أسعار فقط، بل إحساس بالإقصاء. تقول (س.ب)، وهي مشجعة تونسية، أتت للمغرب قصد تشجيع منتخب بلادها: "خططتُ للسفر وحجزت مكان المبيت، لكن فشلت في شراء التذكرة، لم أعد قادرة على دفع 200 أو 250 دولارا. شعرت أن البطولة لم تعد لنا، وفرحتنا قد سرقتها السوق السوداء".

مشجعون آخرون تحدّثوا لـ"عربي21" عن ادّخارهم المسبق، ورغبتهم الجادّة في اصطحاب أطفالهم لمشاهدة المباريات، قبل أن يُصدموا بواقع الاحتكار. فيما باتت هذه الشهادات تتقاطع مع شعور واحد، وهو: "الحدث القاري تحوّل إلى امتياز لمن يملك أكثر، لا لمن ينتظر أكثر".
رياضة | المصدر: عربي 21 | تاريخ النشر : الخميس 01 يناير 2026
أحدث الأخبار (رياضة)
يمكنكم متابعة احدث اخبارنا عن طريق شبكات التواصل الاجتماعى المختلفة
facebooktwitterRss
®أخبار الصباح AkhbarAlsabah.com