Akhbar Alsabah اخبار الصباح

تطبيق حد الحرابة على البلطجية

حد الحرابة انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة البلطجة، فما حكم الشرع فيها؟ وما واجب الأفراد والمجتمعات نحوها؟

أجابت أمانة الفتوى بدار الإفتاء المصرية عن هذا السؤال الذى يهم معظم المصريين حالياً في ظل انتشار البلطجة في الشارع فقالت :

البلطجة كلمة تعني استخدام العنف والقوة لترويع الناس أو أخذ ممتلكاتهم، وهي بهذا كبيرةٌ من كبائر الذنوب، وانتشارُها يقضي على الأمن والاستقرار الذي حرصت الشريعة الإسلامية على إرسائه في الأرض، وجعلته من مقتضيات مقاصدها، والتي من ضِمْنها الحفاظُ على النفس والعرض والمال.

وأكدت دار الإفتاء أن الشريعة الإسلامية نهت عن مجرد ترويع الآمنين، حتى ولو كان على سبيل المزاح، أو باستخدام أداةٍ تافهة، أو بأخذ ما قلَّت قيمتُه؛ فقد أخرج الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لاَ يُشِيرُ أَحَدُكُمْ عَلَى أَخِيهِ بِالسِّلاَحِ، فَإِنَّهُ لاَ يَدْرِي، لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ، فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ»، وأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: «مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ، حَتَّى يَدَعَهُ وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ»، وأخرج البزار والطبراني عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قال: «لَا تُرَوِّعُوا الْمُسْلِمَ؛ فَإِنَّ رَوْعَةَ الْمُسْلِمِ ظُلْمٌ عَظِيمٌ».

حد الحرابة

وقالت دار الإفتاء إذا زاد الترويع إلى حد الاستيلاء على الممتلكات بالقوة أو حتى بإيهام القوة -فضلًا عن الخطف أو الاعتداء على النفس أو العرض- دخل ذلك في باب "الحرابة" و"قطع الطريق"، وهو كبيرة من كبائر الذنوب؛ شدد القرآن الكريم الحدَّ فيها وغلظ عقوبتها أشد التغليظ، وسَمَّى مرتكبيها "محاربين لله ورسوله، وساعين في الأرض بالفساد"، فقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 33]، بل نفى النبي صلى الله عليه وآله وسلم انتسابَهم إلى الإسلام فقال في الحديث المتفق عليه: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا» رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر وأبي موسى رضي الله عنهم. ومن فداحة هذه الجناية أن الحدَّ فيها لا يقبل الإسقاط ولا العفو باتفاق الفقهاء؛ لأنها انتهاك لحق المجتمع بأسره، فلا يملك المجني عليه العفو فيها.

حق الدفاع عن النفس في الإسلام

أشارت دار الإفتاء إلى أن الشرع قد جعل للمعتدى عليه الحق في دفع المعتدي ولو بالقتل إذا لم يجد سبيلا غيره، ولا تَبِعَةَ عليه في ذلك مِن قصاص ولا دية ولا كفارة.

والإسلام يوجب مساعدةَ الإنسان لأخيه وإنقاذه من الاعتداء عليه، ومَن مات في ذلك فهو شهيد، وعدَّ الشرع الإحجامَ والنكوصَ عن النصرة والنجدة لمن يستطيع ذلك - ولو بالإبلاغ عن البلطجية المفسدين- تقاعسًا يُلحق الوزر بصاحبه، بل وإعانةً على الظلم؛ حيث جعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم المتقاعس عن نصرة المظلوم مع قدرته على ذلك مشاركًا للظالم في بغيه وظلمه؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَا يَقِفنَّ أحدُكم موقفًا يُقتَلُ فِيهِ رجلٌ ظُلمًا؛ فَإِنّ اللَّعْنَةَ تنزل على كل مَن حضر حِين لم يدفعوا عَنهُ، وَلَا يَقِفنَّ أحدُكم موقفًا يُضْرَبُ فِيهِ رجلٌ ظلمًا؛ فَإِنّ اللَّعْنَة تنزل على من حَضَره حِين لم يدفعوا عَنهُ» رواه الطبراني والبيهقي بإسناد حسن كما قال الحافظ المنذري في "الترغيب والترهيب".

الوقوف بحزم ضد الظالمين

وأضافت أمانة الفتوى أن الشرع أوجب على الأفراد والمجتمعات أن يقفوا بحزم وحسم أمام هذه الممارسات الغاشمة وأن يواجهوها بكل ما أوتوا من قوة حتى لا تتحول إلى ظاهرة تستوجب العقوبة العامة، وتمنع استجابة الدعاء؛ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِن النَّاس إِذا رَأَوْا الظَّالِم فَلم يَأْخُذُوا على يَدَيْهِ أوشك أَن يعمهم الله بعقاب من عِنْده» أخرجه أبو داود والترمذي وصححه وابن ماجه والنسائي من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وروى الترمذي وحسنه من حديث حذيفة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لتأمرن بِالْمَعْرُوفِ ولتنهون عَن الْمُنكر أَو ليوشكن الله يبْعَث عَلَيْكُم عذَابا مِنْهُ ثمَّ تَدعُونَهُ فَلَا يستجيب لكم»، وعدَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم -في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في الصحيحين وغيرهما- القريةَ التي لم تأخذ على يد القاتل وتمنعه من جرائمه "قريةً خبيثة" -وفي رواية مسلم "أرضَ سوء"- يُهاجِر منها مَن أراد التوبة.

المجتمع يتحمل مسئولية حماية أفراده

وأشارت أمانة الفتوى بدار الإفتاء إلى أن الشرع قد حمَّل المجتمع مسؤولية حماية أفراده، وظهر ذلك جليًّا في التشريعات الإسلامية؛ فشُرِعَت القسامة عند وجود قتيل لم يُعرَف قاتلُه في حي من الأحياء؛ بأن يحلف خمسون من أهل الحي أنهم لم يقتلوه ولا يعرفون قاتلَه، ثم يغرمون ديته عند جماعة من الفقهاء مع أن الأصل براءة ذمتهم من القتل؛ إلا أن القتيل لمّا دخل مكانهم كان كالملتجئ إليهم والمحتمي بهم؛ فصار تفريطهم في حمايته مظنة اللوث.


وأكدت أمانة الفتوى أن البلطجة كبيرة من الكبائر وإفساد في الأرض في نظر الشرع، فإنها جريمة نكراء في نظر القانون؛ حيث أُفرِدَتْ لها موادُّ عقابية أضيفت إلى قانون العقوبات؛ وشدِّدَتْ فيها العقوبة عن غيرها؛ وذلك بموجب القانون رقم (6) لسنة 1998م، الذي حل محلَّه المرسوم بقانون رقم (10) لسنة 2011م تصديًا لانتشار هذه الجرائم في الآونة الأخيرة؛ عملا بمبدأ "يحدث للناس من الأقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور"، والبلطجة التي جرَّمها القانون لها صورٌ مختلفة منها: استعراض القوى، التلويح للمجني عليه بالعنف المادي أو المعنوي، التهديد باستخدام العنف بالتعرُّض لحرمة الحياة الخاصة، إلحاق الضرر بممتلكات الغير، إلحاق الضرر بمصلحةٍ خاصةٍ بالمجني عليه، تعريض المجني عليه للخطر، المساس بالشرف والكرامة، المساس بسلامة الإرادة، حمل السلاح أو أداةٍ كهربائيةٍ أو موادَّ ضارة، اصطحاب حيوان يثير الرعب.

كما ينبغي التنبه إلى أن كثيرًا من المظاهر السلبية في هذه الآونة يُعَدُّ ضربًا مِن ضروب البلطجة؛ كالاعتداء على المنشآت العامة أو التسبب في تعطيلها، أو قطع طرق المواصلات العامة، أو شل حركة المرافق الحيوية التي تعتبر شريانًا لحياة الناس في حراكهم المعيشي اليومي وعجلة حياتهم المستمرة، وذلك تحت أي مبرر كان.
سياسة | المصدر: الوسط - محمد عادل | تاريخ النشر : السبت 22 ديسمبر 2012
أحدث الأخبار (سياسة)
يمكنكم متابعة احدث اخبارنا عن طريق شبكات التواصل الاجتماعى المختلفة
facebooktwitterRss
®أخبار الصباح AkhbarAlsabah.com